الثورة السورية الكبرى 1925- 1927 في عيون عبد الرحمن الشهبندر من خلال مذكراته (دراسة بين الذاكرة والتاريخ)
ملخّص
تتفاوت أهمية المذكرات وتتوقف قيمتها على عدة عوامل، ولا يمكن الاعتماد عليها كمصدر أساسي لكتابة التاريخ إلا بعد تحليلها وفحصها بشكل دقيق، ويتم ذلك من خلال الإحاطة الدقيقة بشخصية كاتبها وموقعه، والدور الذي قام به في الأحداث التي يتحدث عنها، وما مدى التزامه بالحياد في سرديّته حول مواضيع معينة. تدور إشكالية هذه الورقة حول الذاكرة والتاريخ، من خلال مذاكرات عبد الرحمن الشهبندر في مرحلة الثورة السورية الكبرى 1925-1927، وكيف كتب مذاكراته مقارنةً بالمصادر والمراجع التاريخية التي دونت الثورة السورية الكبرى. وتهدف هذه الورقة إلى تبيين بعض مواضع الانتقاء والنسيان والتحريف في مذكرات عبد الرحمن الشهبندر حول أحداث الثورة السورية الكبرى عام (1925-1927)، والكشف عن الشبهات التي دارت حول الشهبندر في الثورة ولم يذكرها، وذلك من خلال دراسة بعض الحالات.
الكلمات المفتاحية: الشهبندر، الذاكرة، سورية، الثورة السورية الكبرى.
Abstract
The significance of memoirs varies, and their value depends on several factors. They cannot be relied upon as a primary source for writing history unless they are thoroughly analyzed and critically examined. This requires a comprehensive understanding of the author’s personality, position, the role they played in the events they narrate, and the extent of their neutrality when recounting specific topics. This paper explores the problematic relationship between memory and history through the memoirs of the leader ʿAbd al-Raḥmān al-Shahbandar during the period of the Great Syrian Revolt (1925–1927), focusing on how he documented his memories in comparison with the historical sources that recorded the revolt. The aim of this paper is to highlight certain instances of selectivity, omission, and distortion in al-Shahbandar’s memoirs regarding the events of the Great Syrian Revolt (1925–1927), and to uncover the suspicions surrounding his role in the revolt that he did not mention, by examining specific case studies.
Keywords: al-Shahbandar; memory; Syria; Great Syrian Revolt.
مقدمة
يعد مفهوم الذاكرة من الموضوعات الحديثة التي دخلت إلى الدراسات التاريخية، فقد ظهرت الدراسات الجّادة لهذا المفهوم منذُ سبعينيات القرن العشرين. والذاكرة مفهومٌ حديثُ النشأة يرتبط بجوانب الذاكرة الجمعية، وكان من بين المؤرخين الذين اهتموا بهذا المفهوم المؤرخ الفرنسي جاك لوغوف الذي أصدر كتابه “التاريخ والذاكرة” عام 1988، هذا الكتاب عدَّ فيه مفهوم الذاكرة مفهوماً مفصلياً وأساسياً[1].
ويضيف بول ريكور إشكالية جديدة إلى العلاقة بين الذاكرة والتاريخ، وهي النسيان في كتابه “التاريخ، الذاكرة، النسيان”، فمهمة المؤرخ هي تنبيه الآخرين على أشكال الانحرافات الممكنة والمحتملة للذاكرة التي تفتح عنوان الذاكرة المتلاعب بها[2]. والذاكرة انتقائية وتحريفية وتبريرية في آن واحد.
تتفاوت أهمية المذكرات وتتوقف قيمتها على عدة عوامل، ولا يمكن الاعتماد عليها كمصدر أساسي لكتابة التاريخ إلا بعد تحليلها وفحصها بشكل دقيق، ويتم ذلك من خلال الإحاطة الدقيقة بشخصية كاتبها وموقعه، والدور الذي قام به في الأحداث التي يتحدث عنها، وما مدى التزامه بالحياد في سرديّته حول مواضيع معينة.
وتهدف هذه الورقة إلى تبيين بعض مواضع الانتقاء والنسيان والتحريف في مذكرات عبد الرحمن الشهبندر حول أحداث الثورة السورية الكبرى عام (1925-1927)، والكشف عن الشبهات التي دارت حول الشهبندر في الثورة ولم يذكرها، وذلك من خلال دراسة بعض الحالات، إذْ تسعى هذه الورقة إلى الإجابة عن السؤال الآتي: ما هي الدوافع التي جعلت الشهبندر ينتقي بعض الأحداث في مذكراته، وهل نسي وحرّف الشهبندر بعض أحداث الثورة في مذكراته؟ وما هي الشبهات التي دارت حول الشهبندر في الثورة؟
ولا بد قبل الشروع في موضوع الورقة من إعطاء لمحة تاريخية عن الثورة السورية الكبرى 1925- 1927، والتعريف بالدكتور عبد الرحمن الشهبندر.
كما هو معروف أن سورية وقعت تحت الانتداب الفرنسي وفقاً لاتفاقية سايكس بيكو عام 1916 ومؤتمر سان ريمو عام 1920، وقد اتبعت فرنسا سياسية استعمارية تقوم على مبدأ فَرِّق تَسد، وذلك بتقسيم سورية إلى عدة دويلات صغيرة حسب المذهب الطائفي؛ ليسهل عليها السيطرة على البلاد، ومَثَلّت الثورة السورية الكبرى وما سبقها من ثورات بسيطة في بعض المناطق مرحلة الصراع المسلح مع الاحتلال الفرنسي، وامتدت الثورة إلى جميع المناطق السورية[3]، وشملت جبل العرب ودمشق وحماة ودير الزور، وكانت أشهر معاركها المزرعة، والمسيفرة، والزور الأولى، والثانية، وعين البو جمعة. وكان قائد الثورة سلطان باشا الأطرش، وزعيمها السياسي عبد الرحمن الشهبندر، ولم تستطع فرنسا القضاء عليها إلا بعد الاستعانة بقوات عسكرية كبيرة، وتغيير عدد من المفوّضين الساميين من عسكريين إلى مدنيين، وأجبرت على التفاوض مع زعماء الحركة الوطنية[4]. وبعد نهاية الثورة تحوّل الصراع إلى المرحلة الدبلوماسية (المفاوضات).
- عبد الرحمن بن صالح الشهبندر
عبــد الــرحمن بــن صــالح الشــهبندر هو أحد أبرز أعلام السياسة والفكر في القرن العشرين في سورية وبلاد الشام، وهو من أكبر المتنورين العرب خلال تلك الفترة، وكان سياسياً مناضلاً وخطيباً محنكاً وطبيباً بارعاً.
يمتدّ مـن أسـرة دمشـقية عريقة فـي سـورية، تعدّ أسرة الشــهبندر من الأُسر المشهورة فــي ســورية والعــراق. والــده السيد صـالح، كـان معروفـاً بصـفاته الإنسانية ومواقفـــه الوطنية المعادیة لكـــل أنواع الظلم[5]. ولد الشهبندر في السادس من تشرين الثاني عام 1879 في دمشق في حي القيمرية[6] في أسرة متواضعة فقيرة، وكان وحيداً لوالديه من جهة الذكور، توفي والده وهو في عمر ست سنوات. وانتقل الشهبندر إلى بيروت ليكمل تعليمه، وتخرج من الكلية الإنجيلية “الجامعة الأمريكية” في عام 1901، وتخصص في الطب وعمل مدرساً في الجامعة عام 1908، ثم عاد إلى دمشق مع إعلان الدستور العثماني، وانضم إلى جمعية الاتحاد والترقي[7].
التحق الشهبندر بحكم الملك فيصل، وعُين وزيراً للخارجية في حكومة هاشم الأتاسي عام 1920، واضطر إلى مغادرة دمشق بعد معركة ميسلون 1920، ثم عاد إلى دمشق عام 1924، وأخذ يعد العُدة لتأليف حزب قومي عربي وطني ديمقراطي، وأخذ الموافقة بعد عام ليعلن عن تأسيس حزب الشعب في احتفال كبير بدار الأوبرا في دمشق عام 1925، وكان حزب الشعب أول حزب سياسي في تاريخ سورية الحديث، يُصنَّف أغلب أعضائه من المفكرين والمثقفين والزعماء الوطنيين. وأمرت السلطات الفرنسية بِحّل الحزب بعد انخراط الشهبندر بالثورة السورية الكبرى ومشاركته الفعلية فيها، فهو زعميها السياسي، وله دور كبير في توسيع رقعة الثورة، والتنسيق بين الثوار، فقد كان فاعلاً في الأحداث ومؤرخاً لها، وبعد الثورة غادر الشهبندر سورية إلى الأردن ثم مصر، وهناك أسس حزب الاتحاد السوري، وبعد صدور عفو عام عن رجال الثورة السورية، عاد الشهبندر إلى دمشق في عام 1937[8]. واغُتِيل الشهبندر عام 1940 عندما اقتحمت مجموعة مسلحة عيادته في منطقة عرنوس بدمشق، وأطلق عليه النار وتوفي على إثر تلك الحادثة التي كانت أول حادثة اغتيال سياسي في سورية [9].
المحور الأول: الانتقاء والنسيان عند الشهبندر في الثورة
يرجع الانتقاء والنسيان في المذكرات الشخصية[10] إلى عوامل كثيرة، منها ما يكون بقصد أو بغير قصد، ومنها ما يكون اضطرارياً أو يحدث بشكل عفوي، أو التركيز من قبل كاتب المذكرات على الأحداث المهمة فقط في واقعة ما، وينسى بعض الوقائع.
والنسيان في المذكرات يعود إلى أسباب تتعلق بالواقع الذي تم إغفاله. وهذا الشكل يكون عن قصد، حتى لا تتشوّه الصورة البطولية لبعض الشخصيات، أو يلحق الضرر بغيرها، ويكون بطريقة عدم الكشف عن الأسرار أو عدم ذكر كل الوقائع من خلال محاولة إخفاء بعض الأحداث لتظهر بعض الشخصيات على نحو بطولي أو واضح. أما الرقابة الذاتية فهي أمر يمارسه الذهن، وذلك من خلال الذاكرة التي تقوم بعملية الاختيار والإقصاء الواعي للأحداث. وهذا ما يجبر كاتب المذكرات على أن يتعامل مع الأحداث التي عاصرها والتي كان فاعلاً فيها بصورة انتقائية؛ لأن الذاكرة لا تقوم بحفظ كل الذكريات والأفكار والأحداث، بل هي تقوم بعملية فرز واختيار[11]. ومن خلال دراسة مذكرات الشهبندر التي تتعلق بأحداث الثورة السورية الكبرى انتقى الشهبندر بعض الأحداث، وركز عليها تحديداً، وسنتناول بعض هذه الحالات:
- الحالة الأولى: معركة المزرعة
تُعد معركة المزرعة من المعارك المهمة في الثورة السورية الكبرى، وقعت أحداث هذه المعركة في قرية المزرعة في السويداء بين الفرنسيين والثوار الدروز، وأمر المفوّض السامي الفرنسي في دمشق بتجهيز حملة للقضاء على الثوار في السويداء، وكان هدف هذه الحملة احتلال السويداء والقضاء على الثوار. قاد الحملة الجنرال ميشو، وكانت الحملة مؤلفة من أربعة آلاف مقاتل، بالإضافة إلى ستة مدافع كبيرة وثلاث بطاريات من المدافع الصغيرة، وسرب من الطائرات وعشر مصفحات. أما الجنود فكانوا عبارة عن خليط من المشاة، والخيالة من الزنوج السنغاليين، إلا أنّ الضباط والنقباء كان أغلبهم من الفرنسيين[12].
وكان من أهداف الحملة إنقاذ الحامية الفرنسية المحاصرة في قلعة السويداء، ومن ثم الاتجاه إلى إخضاع الجبل بالكامل[13]، جرى الصدام بين الفرنسيين والثوار في يوم 31 تموز 1925، وكانت معركة حامية الوطيس، انهزم فيها الفرنسيون هزيمة كبرى. وتمزقت صفوف الحملة، تجاوز فيها عدد القتلى من الفرنسيين الألف، وقد اغتنم الثوار معدات الحملة من مدافع وبنادق، وعلى إثر هذه المعركة هرب قائد الحملة ميشو مع عدد من الجنود إلى إزرع، بينما خسر الثوار نحو 250 شهيداً[14].
ويتذكر الشهبندر تلك المعركة، ويمّجدها بكثير من العبارات، ويخصص لها في مذكراته عدداً من الصفحات على عكس أسلوبه عند حديثه عن معارك أخرى بالثورة، ولاسيما أن الشهبندر لم يكن حاضراً في هذه المعركة، فقد استهلّ الشهبندر الحديث عن المعركة بوصف استعدادات الفرنسيين من خلال تجهيز الحملة، واستعدادات الثوار، لينتقل بالحديث إلى وصف المعركة بالتفصيل، وذكر شهداء المعركة من أمثال حمد بك البربور؛ لينتهي الشهبندر إلى تعظيم المعركة لدرجة القول: إن ساراي أخفى نتائج هذه الكارثة عن السوريين، وفي نهاية حديثه عن المعركة يتمنى الشهبندر لو أن الدروز (الثوار في جبل العرب) تابعوا زحفهم إلى الشام بعد ما سحقوا حملة ميشو لحصد ثمار هذا الانتصار العظيم[15].
ونلاحظ أن الشهبندر انتقى معركة المزرعة في مذكراته، مع ذكره معارك أخرى في الثورة مثل معركة الكفر، والمسيفرة[16]، لكنه لم يذكرها بالتفصيل كما ذكر معركة المزرعة. مع أن أهمية هاتين المعركتين توازي أهمية معركة المزرعة، وينسى الشهبندر معارك أخرى في الثورة لم يذكرها، ومن أمثلة هذه المعارك معركة جوبر والمليحة والقدم[17].
كما ويراهن الشهبندر من خلال ذلك على تمجيد سلطان باشا الأطرش وثوار السويداء الدروز وإبراز دورهم الكبير في الثورة، ليبني لهم ذاكرة في مقاومة الفرنسيين، ويضفي عليهم صفات البطولة والرجولة، ويركز على دورهم الكبير في حصول سورية على الاستقلال فيما بعد، وليزيد من التلاحم بينهم وبين أبناء الطوائف الأخرى، بسبب السياسة الفرنسية في تلك الفترة التي كانت تسعى إلى تقسيم البلد. وحاول الشهبندر بناء ذاكرة للهوية (الهويات المقاومة) الوطنية للبلاد تجمع كل الطوائف وتوّحدهم وتبعد عنهم التفرق والتقسيم. كما أن هنالك سبباً للتركيز على معركة المزرعة يعود إلى الأمر الذي أصدرته السلطات الفرنسية بعدها بحل حزب الشعب الذي أسسه الشهبندر[18].
- الحالة الثانية: حسن الخرّاط
يتحدث الشهبندر عن حسن الخراط أحد قادة الثورة السورية الذي التقى معه أول مرة في قرية أم ضبيب إحدى قرى جبل الدروز، ونرى في حديث الشهبندر نوعاً من التفصيل الذي وصل إلى سرد الصفات الجسدية للخراط. ويذكر الشهبندر أن السبب الرئيسي وراء التحاق الخراط بالثورة تأثره بالروح الوطنية فيها، وأنه شارك بالعديد من المعارك مثل معركة الزور الأولى، ومعركة الشام، والنبك. ويذكر أيضاً أن الخراط يمتلك صفات ومميزات قيادية وقدرة كبيرة على التنظيم، وبأنه صاحب قوة وبأس شديدين، يقاتل الأعداء على بعد عشرة أمتار منهم حسب تعبيره، وقد استشهد الخراط على يد شخصين من الشراكسة المختبئين في معركة يلدة 1925، وكان قد أصيب في كتفه في معركة الزور الثانية[19].
ونلاحظ أن الشهبندر انتقى الخراط من بين كثير من القادة، وقام بتمجيده في مذكراته وخصص له فصلاً كاملاً فيها للحديث عنه، كما قام بتكرار اسمه، وذكره في مواضع عديدة ضمن أحداث الثورة. ونلاحظ أيضاً أن الشهبندر لا يذكر في هذه المذكرات أسماء قادة آخرين أمثال رمضان شلاش في دير الزور، وله أعمال كبيرة في الثورة منها الهجوم على الضمير ودوما والغوطة[20]، وكذلك فوزي القاوقجي بحماة أو سعيد العاص قائد حملة الثورة على حمص[21]، فلا يعطيهم القيمة نفسها بالوصف مع دورهما الكبير في الثورة، وربما كان ذلك بدافع النسيان عن قصد أو بغير قصد.
أما رهانات الشهبندر بالتركيز على حسن الخراط، فيعود لكونه صديقه ورفيق دربه، فقاتل معه في عدة معارك ضد الفرنسيين، وهناك سبب آخر يعود إلى أن الخراط كان من أعضاء حزب الشعب الذي يتولى الشهبندر زعامته، وربما يعود إلى أن استشهاد الخراط في معركة يلدة ترك أثّراً كبيراً في الشهبندر فأحب أن يكرمه ويخلده في مذكراته، ونستنتج من ذلك تشابك الرهانات الشخصية والسياسية في علاقته بهدف جمعهما؛ وهو مناهضة الاحتلال الفرنسي لسورية، ولم يذكر الشهبندر القادة الآخرين، وربما سبب ذلك بُعد المكان؛ إذ إن المسافة الكبيرة بين دمشق وحماة ودير الزور، فقد كان من الصعب عليه الوصول إلى تلك الأماكن في ظل ظروف الثورة.
المحور الثاني: التحريف عند الشهبندر في الثورة
التحريف في المذكرات الشخصية يكون بهدف إخفاء بعض الأحداث أو تغييرها وتزويرها، أو تبريرها، أمّا عدم ذكرها في المذكرات فالقصد منه عدم تشويه الأحداث أو أحد القادة والأبطال في الحدث أو المعركة. من خلال دراسة مذكرات الشهبندر حول الثورة السورية الكبرى نلاحظ أنه لا يذكر فيها الخلافات بين الوطنيين والأحزاب، ولاسيما بين حزبي الشعب الذي يتزعمه الشهبندر، وحزب الاستقلال الذي يتزعمه شكري القوتلي اللذين تبادلا الاتهامات في كثير من الأمور.
وبدأت الخلافات بين الشهبندر وحزب الاستقلال منذ التحاقه بالثورة، وأصبح المستشار الأول لدى قائد الثورة سلطان باشا الأطرش، وهذا ما جعل الاستقلاليين يشعرون بالغضب الشديد ضده وفي مقدمتهم زعيم الحزب شكري القوتلي، فاستعانوا بعادل أرسلان ليحول دون ثقة سلطان باشا بالشهبندر عندما لم ينجح في ذلك، وأخذوا ينعتونه بمختلف الصفات[22]، ومنها على سبيل المثال أن الشهبندر كان متعاملاً مع الإنجليز، وقد أشاع عادل أرسلان عن الشهبندر أنه جاء إلى الجبل بهدف التفريق بين أهله وأهل الشمال، والحصول على معاش بواسطة الطب[23]، وفي هذا السياق ردت الصحائف السوداء ودافعت عن الشهبندر، وقالت: إن عادل لم يحضر أي معركة من المعارك ولا واقعة من الواقعات بالثورة، واتهمته بسرقة الإعانات التي كانت تصل إلى الثورة عن طريق فلسطين[24].
أما خلافات الشهبندر مع شكري القوتلي في الثورة فقد اتهمت الصحف السوداء المدافعة عن الشهبندر القوتلي أنه كان في لجنة القدس يكرم من يشتم الشهبندر، وأنه أهدر قسماً من أموال الإعانات لنشر الدعاية الحزبية له ولحزبه[25]. وكان الشهبندر يصف الاستقلاليين (نسبة إلى حزب الاستقلال) بأنهم أبطال المقاهي في القاهرة[26]، ولم ينس أنصار الشهبندر العلاقات الطيبة التي كان يتمتع بها القوتلي مع الملك عبد العزيز بن سعود، وتساءلوا عن الأموال، ومنها خمسة آلاف جنية قبضها منه لدعم الثورة، وأيضا الأموال التي كانت تأتي من العراق وفلسطين للأمر نفسه[27]. وردّ الاستقلاليون عليهم بالتساؤل عن الحوّالة التي أخذها الشهبندر من لجنة تشارلز كرين، واتهموا الشهبندر بشراء عمارتين في القاهرة من أموال الإعانات، وأنه استخدم أموال المساعدات العراقية لفتح عيادة له في القاهرة عام1927[28].
ونلاحظ أن الشهبندر لا يذكر شيئاً من هذه الخلافات بمذكراته أبداً حول الثورة، ولا خلافاته الكبيرة مع حزب الاستقلال، ولا سيما محاولات عادل أرسلان وشكري القوتلي في تشويه صورته، واتهموه بعدة اتهامات، وردّ الشهبندر عليهم، ورد أنصاره “حزب الشعب”، من خلال الصحف التي سميت بالصحف السوداء في تاريخ الثورة السورية المجيدة. وقد وقف الشهبندر على ذلك التحريف ببعض أحداث الثورة في أنه لا يريد أن يذكر شيئاً يفرق بين أبناء الشعب، ويريد أن يتجاوز هذه الخلافات مع حزب الاستقلال مراعاة للمصلحة الوطنية، ويبحث عما يجمع أبناء الوطن الواحد، ولا يذكر ما يفرقهم، وهذا واضح بشكل كبير في مذكراته، وذلك بهدف مقاومة السياسة الفرنسية في البلاد، وتجاوز الخلافات بين الأحزاب السياسية التي استمرت حتى بعد انتهاء الثورة، وقد تجنب ذكرها غاية في تجنب تعميق الخلافات بينها، ويوجد سبب آخر وراء ذلك، وهو ألَّا تتشوّه صورته عند الشعب كونه زعيماً وقائداً سياسياً، فهو ينتقي ما يظهر على أنه زعيم سياسي وبطل من أبطال الثورة، والتطرّق إلى مثل هذه الأمور يقلل من قيمته الكبيرة في نظر أنصاره ومؤيديه.
المحور الثالث: الشبهات التي أثيرت حول الشهبندر في الثورة السورية
أثير حول الشهبندر في الثورة عدد من الشبهات، ولم يذكرها في مذكراته، لا من قريب ولا من بعيد، مع أن الشهبندر كان بمنزلة الزعيم السياسي للثورة، ومطلع على جميع الأمور، وقائد الثورة سلطان باشا لا يقطع أمراً إلا بعد استشارة الشهبندر، فقد تعرّض الشهبندر إلى عدة اتهامات سنتناول اثنين منها فقط: الشبهة الأولى إنسانية تتعلق بدارسته الطب، والشبهة الثانية مادية تتعلق بموضوع إعانات الثورة والتصرف فيها التي كانت سبباً رئيسياً في الانشقاقات التي وقعت بين الثوار.
الشبهة الأولى: إنسانية تتعلق بالطب، وهي قصة لم يذكرها أبداً الشهبندر في مذكراته، بل ذكرها منير الريس في كتابه: “الذهبي للثورات السورية في المشرق العربي”، وكل من تحدث عن هذه القصة في المراجع والدراسات الأخرى آخذ من هذا الكتاب[29]. وذكر الريس أنه في أحد أيام أيلول عام 1925، وأثناء وجوده في أحد البيوت مع الشهبندر وعدد من رجال الثورة أمثال جميل مردم بيك ونزيه المؤيد، جاء رجل إلى الشهبندر وتحدث معه بصوت منخفض قائلاً له: إن في بيته جريحاً، وتمنى من الشهبندر أن يقوم على مداواته، لكنه غضب وصاح بصاحب الدار “أنا هنا لست طبيبا، أنا زعيم سياسي، ولست أحمل معي أي أداة للطب والتداوي فماذا أستطيع أن أصنع لجرحك؟ اذهب وقل له: إنه ليس بين ضيوف الدار طبيب”، وأمام إلحاح صاحب البيت ذهب الشهبندر، ورأى الجريح خجلا منه، ولكنه عاد دون أن يصف له أي وصفة تخفف من التهاب الجرح[30].
أما الشبهة الثانية: فتتعلق بمسألة الإعانات والتبرعات للثورة التي أورثت الأحقاد والنقمة في نفوس بعض الثوار على قيادة الثورة، وقد كانت معدومة في بداية الثورة، لكنها ظهرت بشكل كبير بعد ضرب الفرنسيين دمشق وحماة، وأصبحت تأتي إلى قيادة الثورة من البلدان العربية، ومن الجاليات العربية في البلدان الأجنبية. وكانت الاتهامات تتوجه إلى الشهبندر بأنه كان يحتكر الإعانات لنفسه، ويتصرف فيها حسب ما يريد، وكانت بعض التبرعات تصل إلى مصارف شرق الأردن باسم الشهبندر[31]، وزادت هذه الاتهامات بين الشهبندر وحزب الاستقلال بشكل خاص من أجل الأشراف على أموال التبرعات للثورة[32].
واتهم الشهبندر أحياناً باستغلال أموال الإعانات والتبرعات لشراء الولاءات مثل شراء ولاء القائد أبي عبده ديب الشيخ الذي كان من عامة الشعب، وعهد الشهبندر إليه بقيادة مجموعة من الضباط والمثقفين أمثال سعيد العاص، وكان لا يعرف الكتابة، وسلّمه الشهبندر مبلغاً من المال لا يعرف مقداره بالضبط. وقد اشترى الشهبندر أيضاً ولاء نسيب البكري أحد أبرز الثوار في غوطة دمشق، فالزعامة تحتاج إلى موالين ومؤيدين وأبواقاً حسب رأيه[33]. وأقنع الشهبندر بأموال التبرعات جميع الثوار بعدم مهاجمة دمشق في نيسان عام 1926، واحتلالها ومقاتلة الفرنسيين في شوارعها، وذلك صوناً لها من الحرق والهدم، وجاء الإقناع بطريقة توزيع الشهبندر الأموال على أبو عبده ديب الشيخ، وأبو محي الدين شعبان وصهره نزيه العظم وغيرهم، وقرر هؤلاء عدم مهاجمة دمشق بحسب إرادة الشهبندر؛ لأنه كان ممسكاً بالأمور المالية والزعيم السياسي للثورة[34].
ونلاحظ عدم ذكر الشهبندر أياً من هذه الشبهات في مذكراته أو التعريج عليها بأي شكل من الأشكال، مع أهمية مثل هذه الأمور ولاسيما أن مسألة الإعانات والتبرعات التي كانت من أسباب التفريق والخلافات بين قادة الثوار من جهة وقادة حزب الاستقلال من جهة أخرى، وكانت هذه الأمور من أهم أسباب الفشل والقضاء على الثورة السورية.
خاتمة
ختاما الانتقاء والنسيان والتحريف لدى الشهبندر يُعزى إلى عوامل ذاتية شخصية أثرت في كتابة مذكراته التي حاول من خلالها بناء ذاكرة وطنية للدولة السورية التي راهن من خلالها على توحيد جميع أطياف الشعب السوري، وهكذا فهو يراهن على أهداف تنبع من استعمال الذاكرة وتوظيفها في تاريخ الدولة السورية المستقلة.
وتجسّد رهانات الشهبندر في دعوة جميع أبناء الوطن السوري للوحدة ونبذ التفرقة ولاسيما بعد ما آلت إليه الثورة وانتهت. وسعى الشهبندر إلى إظهار الأشياء الإيجابية، وأخفى الأشياء السلبية التي كانت في الثورة، فكان صنيعه هذا استعمالاً تحريفياً للذاكرة هدف من خلاله إلى توحيد القوى الوطنية، وإظهار نفسه كزعيم قاد الثورة بكل ما يستطيع ضد الفرنسيين. وبسبب ما لاحظه من أثر هذا الانشقاق والخلاف فيما بعد بين أعضاء الكتلة الوطنية من طرف والجبهة الشعبية من طرف آخر من التناحر والتفرقة، بدلا من الاتحاد على قيادة الحركة الوطنية ومفاوضة الاحتلال الفرنسي ككتلة واحدة، لسد الطريق أمام حيل الفرنسيين التي تحول دون حصول سورية على الاستقلال.
المراجع | References
- آل جندي، أدهم. تاريخ الثورات السورية في عهد الانتداب الفرنسي. دمشق: مطبعة الاتحاد، 1960.
- بوكوفا، لانكا. المجابهة الفرنسية -السورية في عهد الانتداب 1925-1927. ترجمة منصور أبو الحسن. دمشق: دار علاء الدين، 2008.
- الحكيم، حسن. عبد الرحمن الشهبندر حياته وجهاده. بيروت: دار المتحدة للنشر، 1985.
- الحكيم، دعد. رسائل عبد الرحمن الشهبندر 1879-1940: تاريخ أمة في حياة رجل. دمشق: وزارة الثقافة، 2002.
- الحكيم، يوسف. سورية والانتداب الفرنسي. بيروت: دار النهار، 1991.
- حلمي العلاف، أحمد. دمشق مطلع القرن العشرين. دمشق: وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1976.
- حنا، عبد الله. عبد الرحمن الشهبندر 1879-1940. دمشق: دار الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، 2000.
- رضا، علي. قصة الكفاح الوطني في سورية عسكريًا وسياسيًا حتى الجلاء. دمشق: دار الحارث، 2009.
- الريس، منير. الكتاب الذهبي للثورات الوطنية في المشرق العربي: الثورة السورية الكبرى. بيروت: دار الطليعة، 1969.
- ريكور، بول. الذاكرة، التاريخ، النسيان. ترجمة جورج زيناتي. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2009.
- الريماوي، سهيلة. الحكم الحزبي في سوريا فترة الانتداب الفرنسي 1920–1945. ج1. عمان: المطابع العسكرية، 1998.
- السفرجلاني، محي الدين. تاريخ الثورة السورية الوطنية. دمشق: دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر، 1961.
- الشهبندر، عبد الرحمن. القضايا الاجتماعية الكبرى في العالم العربي. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019.
- الصحائف السوداء في تاريخ الثورة السورية المجيدة. القاهرة: إصدارات حزب الشعب، 1928.
- العاص، محمد سعيد. صفحة من الأيام الحمراء. عمان: المؤسسة العربية للدراسات، 1988.
- عبيد، سلامة. الثورة السورية الكبرى 1925-1927 على ضوء وثائق لم تنشر. بيروت: مطابع دار الغد، 1971.
- فرزات، محمد حرب. الحياة الحزبية في سوريا. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019.
- قدارة، فاتح رجب. “التأريخ للأحداث المعاصرة من خلال المذكرات والشهادات الشخصية: الأهمية والمحاذير البحثية (الحالة الليبية نموذجًا).” مجلة أسطور. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017.
- قرقوط، ذوقان. تطور الحركة الوطنية في سورية 1920-1939. بيروت: دار الطليعة، 1975.
- الكيالي، نزار. دراسة في تاريخ سورية السياسي المعاصر 1920-1950. دمشق: دار طلاس، 1997.
- لوغوف، جاك. التاريخ والذاكرة. ترجمة جمال شحيد. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017.
[1] جاك لوغوف: التاريخ والذاكرة، ترجمة: جمال شحيد، (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص 101.
[2] بول ريكور: الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة: جورج زيناتي، (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2009)، ص 136-137.
[3] نزار الكيالي: دراسة في تاريخ سورية السياسي المعاصر 1920-1950، (دمشق: دار طلاس، 1997)، ص 56.
[4] علي رضا: قصة الكفاح الوطني في سورية عسكريا وسياسيا حتى الجلاء، (دمشق: دار الحارث، 2009)، ص 183.
[5] حسن الحكيم: عبد الرحمن الشهبندر حياته وجهاده، (بيروت: دار المتحدة للنشر، 1985)، ص 17.
[6] حي القيمرية: أحد أحياء دمشق القديمة ويقع إلى الشرق من الجامع الأموي. أحمد حلمي العلاف: دمشق مطلع القرن العشرين، (دمشق: وزارة الثقافة والارشاد القومي، 1976)، ص 402.
[7] عبد الله حنا: عبد الرحمن الشهبندر 1879-1940، (دمشق: دار الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، 2000)، ص8 -14-16.
[8] عبد الرحمن الشهبندر: القضايا الاجتماعية الكبرى في العالم العربي، (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص14.
[9] محمد حرب فرزات: الحياة الحزبية في سوريا، (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص 196.
[10] نعني بالمذكرات الشخصية في هذا السياق المذكرات بشكل عام وليس مذكرات محددة. أما بالنسبة لمذكرات الشهبندر فقد كتبها بعد مرور عشرة سنوات على الثورة حسب ما ذكر بالمذكرات.
[11] فاتح رجب قدارة: “التأريخ للأحداث المعاصرة من خلال المذاكرات والشهادات الشخصية الأهمية والمحاذير البحثية (الحالة الليبية نموذجاً)”، (مجلة أسطور: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص 84.
[12] لانكا بوكوفا: المجابهة الفرنسية – السورية في عهد الانتداب 1925- 1927، ترجمة: منصور أبو الحسن، (دمشق: دار علاء الدين، 2008)، ص 152. أيضا منير الريس: الكتاب الذهبي للثورات الوطنية في المشرق العربي (الثورة السورية الكبرى)، (بيروت: دار الطليعة، 1969)، ص 141-142.
[13] سلامة عبيد: الثورة السورية الكبرى 1925- 1927م على ضوء وثائق لم تنشر، (بيروت: مطابع دار الغد، 1971)، ص 109.
[14] رضا، قصة الكفاح الوطني في سورية، ص 158.
[15] مذاكرات عبد الرحمن الشهبندر، (بيروت: دار الارشاد، 1967)، ص162-168.
[16] بوكوفا، المجابهة الفرنسية – السورية في عهد الانتداب، ص 147-167.
[17] محي الدين السفرجلاني: تاريخ الثورة السورية الوطنية، (دمشق: دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر، 1961)، ص 223-225. رضا، قصة الكفاح الوطني في سورية، ص170.
[18] سهيلة الريماوي: الحكم الحزبي في سوريا فترة الانتداب الفرنسي 1920-1945، ج1، (عمان: المطابع العسكرية، 1998)، ص 49.
[19] مذاكرات عبد الرحمن الشهبندر، ص 191-192-193.
[20] محمد سعيد العاص: صفحة من الأيام الحمراء، (عمان: المؤسسة العربية للدراسات، 1988)، ص 144-145.
[21] المرجع ktsi، ص 9 – بوكوفا، المجابهة الفرنسية – السورية في عهد الانتداب، ص 190.
[22] يوسف الحكيم: سورية والانتداب الفرنسي، (بيروت: دار النهار، 1991)، ص 133
[23] الصحائف السوداء في تاريخ الثورة السورية المجيدة، (القاهرة: إصدارات حزب الشعب، 1928)، ص 4-6.
[24] أدهم آل جندي: تاريخ الثورات السورية في عهد الانتداب الفرنسي، (دمشق: مطبعة الاتحاد، 1960)، ص 438.
[25] الصحائف السوداء، ص 8.
[26] دعد الحكيم: رسائل عبد الرحمن الشهبندر 1879-1940م تاريخ أمة في حياة رجل، (دمشق: وزارة الثقافة، 2002)، ص 27.
[27] الصحائف السوداء، ص 12-13.
[28] حنا، عبد الرحمن الشهبندر، ص 79.
[29] ذوقان قرقوط: تطور الحركة الوطنية في سورية 1920-1939، (بيروت: دار الطليعة، 1975)، ص 75.
[30] الريس، الذهبي للثورات السورية في المشرق العربي، ص 238-239.
[31] الريس، الذهبي للثورات السورية في المشرق العربي، ص 239.
[32] فرزات، الحياة الحزبية في سوريا، ص 114. عبيد، الثورة السورية الكبرى 1925- 1927م، ص 163-164-165
[33] الريس، الذهبي للثورات السورية في المشرق العربي، ص 524- 455-456.
[34] المرجع نفسه، ص 238.
