لماذا يحتاج العلم إلى الفلسفة؟ – ترجمة

 

تأليف: لوسي لابلان، باولو مانتوفاني، رالف أدولفس، هاسوك تشانغ، ألبرتو مانتوفاني، مارغريت ماكفول-نجاي، كارلو روفيلي، إليوت سوبير وتوماس براديو. https://doi.org/10.1073/pnas.1900357116
ترجمة: عبد السلام ناسي 

   إن معرفة السياق التاريخي والفلسفي تمنح [العالِم] ذلك النوع من الاستقلالية عنالتحيُّزات التي يعاني منها معظم العلماء، وهذا الاستقلال الناتج عن الرؤية الفلسفية هو في رأيي علامة التمييز بين مجرد الحِرَفيّ أو المتخصص، وبين الباحث الفعليّ عن الحقيقة”.

          ألبرت أينشتاين، رسالة إلى روبرت ثورنتون، 1944.   

على الرغم من الروابط التاريخية الوثيقة بين العلم والفلسفة، فإن العلماء المعاصرين غالبًا ما ينظرون إلى الفلسفة على أنها مختلفة تمامًا عن العلم، بل ومعادية له. ونحن نرى، على العكس من ذلك، أن بإمكان الفلسفة أن يكون لها تأثير مهم ومثمر على العلوم.

ونوضّح وجهة نظرنا هذه بثلاثة أمثلة مستقاة من مختلف مجالات علوم الحياة المعاصرة، كلُّ مثال يعتمد على أحدث الأبحاث العلمية، وقد تم الاعتراف بكلٍّ منها بشكل صريح من قبل الباحثين الممارسين في الميدان على أنها مساهمة قيِّمةٌ في العلوم. تُبرِز هذه الأمثلة وغيرها أن مساهمة الفلسفة في العلوم يمكن أن تتخذ أربعة أشكال على الأقل، وهي: توضيح المفاهيم العلمية، والتقييم النقدي للافتراضات أو الأساليب العلمية، وصياغة مفاهيم ونظريات جديدة، وتعزيز الحوار بين العلوم المختلفة، وكذلك بين العلم والمجتمع.

التوضيح المفاهيمي والخلايا الجذعية

أولاً، تقدم الفلسفة توضيحًا مفاهيميًا؛ فتوضيح المفاهيم لا يساعد على تحسين دقة المصطلحات العلمية وقابليتها للاستخدام فحسب، بل تفتح أيضًا آفاقًا لأبحاث تجريبية جديدة، لأن اختيار إطار مفاهيمي معيّن يُقيِّد بشدّة الكيفيّة التي تُتصوّر بها التجارب العلمية[1].

ويُعَد تعريف الخلايا الجذعية من الأمثلة البارزة في هذا السياق؛ إذ تمتلك الفلسفة تقليدًا طويلًا في دراسة الخصائص properties، وقد تم مؤخرًا تطبيق الأدوات المستخدمة في هذه الدراسات لوصف مفهوم “التَّجذُّع”stemness ، وهي الخاصية التي تُعرِّف الخلايا الجذعية. وقد بيّن أحدنا[2][3] أن أربعة أنواع مختلفة من الخصائص تندرج تحت مفهوم “التجذع” في المعرفة العلمية الحالية؛ فحسب نوع النسيج tissue، يمكن أن يكون “التجذّع” إما خاصية نوعية[4] “Categorical” (خاصية جوهرية في الخلية الجذعية، مستقلة عن بيئتها الدقيقة المحيطة بها)، أو خاصية استعداديّة[5] “Dispositional” (خاصية جوهرية للخلية الجذعية، تتحكم فيها البيئة الدقيقة[6])، أو خاصية علائقية[7]” Relational” (خاصية خارجية يمكن للبيئة الدقيقة منحها للخلايا غير الجذعية)، أو خاصية نُظُمية”Systemic” (خاصية يتم الحفاظ عليها والتحكم بها على مستوى محيط الخلية بجميع مكوناته).

ويشير الباحث في الخلايا الجذعية وبيولوجيا السرطان “هانز كليفرز” Hans Clevers، إلى أنّ هذا التحليل الفلسفي يُسلِّط الضوء على مشاكل دلالية ومفاهيمية مهمة في علم الأورام وبيولوجيا الخلايا الجذعية، كما يؤكد أن هذا التحليل قابل للتطبيق مباشرة في البحث التجريبي[8]. وبالفعل، فإن هذا العمل الفلسفي، إلى جانب التوضيح المفاهيمي، له تطبيقات في الواقع كما يتضح من خلال نموذج الخلايا الجذعية السرطانية في علم الأورام.

وتعتمد الأبحاث التي تهدف إلى تطوير العقاقير المستهدِفة للخلايا الجذعية السرطانية أو بيئتِها الدقيقة على أنواع مختلفة من “التجذّع”، وبالتالي، فمن المرجح أن يكون لها معدلات نجاح مختلفة اعتمادًا على نوع السرطان[9]. علاوة على ذلك، فإن هذه العقاقير قد لا تغطي جميع أنواع السرطان، لأن الاستراتيجيات العلاجية الحالية لا تأخذ بعين الاعتبار التعريف “النظُمي” Systemic للتجذّع، وبالتالي فإن تحديد نوع التجذّع الموجود في كل نسيج وسرطان مفيد في توجيه تطوير واختيار العلاجات المضادة للسرطان[10]. أما من الناحية العملية، فقد أدى هذا الإطار (النظري) إلى دراسة علاجات السرطان التي تجمع بين استهداف الخصائص الجوهرية للخلايا الجذعية السرطانية[11]، وبيئتها الدقيقة، ونقاط التفتيش المناعية  immune checkpoints، وذلك لتغطية جميع أنواع التجذّع الممكنة[12].

هذا الإطار الفلسفي تم تطبيقه أيضا على مجال آخر، وهو دراسة العضيّات  organoids؛ ففي مراجعة منهجية للبيانات التجريبية على العضيّات من مصادر مختلفة، وصفت بيكوليت-داهان Picollet-D’hahan وآخرون[13]. القدرة على تكوين العضيّات بالخاصية التصرفية، حيث يرون أنه من أجل زيادة كفاءة وإمكانية تكرار إنتاج العضيّات، الأمر الذي يعتبر من التحديات الرئيسية الحالية في هذا المجال، يحتاج الباحثون إلى فهم أفضل للجزء الجوهري من الخاصية التصرفية التي تتأثر بالبيئة الدقيقة. ولتمييز السمات الجوهرية للخلايا التي لديها مثل هذا السلوك، تعمل هذه المجموعة من الباحثين الآن على تطوير أساليب جينومية وظيفية عالية الإنتاجية، مما يتيح دراسة دور كل جين بشري تقريبًا في تكوين العضيّات.

المناعة والميكروبيوم

استكمالًا لدورها في توضيح المفاهيم، يمكن للفلسفة أن تساهم في نقد الافتراضات العلمية، بل يمكنها أيضًا أن تبادر بصياغة نظريات جديدة تنبؤية (استشرافية) وقابلة للاختبار تساعدنا في تحديد مسارات جديدة للبحث التجريبي.

على سبيل المثال، أدى النقد الفلسفي للإطار النظري للمناعة الذاتية وغير الذاتية[14] إلى مساهمتين علميتين مهمتين، أولها: نظرية انقطاع المناعة[15]؛ فقد شكل هذا النقد الفلسفي الحجر الأساس لصياغة إطار جديد لهذه النظرية، والتي تشكل تتمة لنماذج المناعة الذاتية وغير الذاتية والخطر[16] السابقة من خلال اقتراح أن الجهاز المناعي يستجيب للتعديلات المفاجئة للعناصر المستضدّية antigenic motifs[17]. تلقي هذه النظرية الضوء على العديد من الظواهر المناعية المهمة، بما في ذلك أمراض المناعة الذاتية، والاستجابات المناعية للأورام، والتسامح المناعي مع الروابط الجزيئية المعبر عنها بشكل مزمن. تم تطبيق نظرية الانقطاع هاته على العديد من الإشكاليات، مما ساعد على استكشاف تأثيرات عوامل العلاج الكيميائي على التعديل المناعي في السرطان وتوضيح كيف تقوم الخلايا القاتلة الطبيعية بتعديل نمطها الظاهري ووظائفها باستمرار من خلال تفاعلاتها مع روابطها الجزيئية بطريقة تضمن تفادي إلحاق الضرر بالمكونات الذاتية للجسم[18]. تساعد النظرية أيضًا في تفسير عواقب اللقاحات المتكررة لدى الأفراد الذين يعانون من ضعف المناعة وتقترح نماذج رياضياتية ديناميكية لتنشيط المناعة[19]. وبالنظر إلى كل ما سبق، توضح هذه التقييمات التجريبية المختلفة كيف يمكن للمقترحات المستوحاة من الفلسفة أن تؤدي إلى تجارب علمية جديدة، مما يفتح آفاقًا جديدة للبحث العلمي.

الثانية: تتعلق بمساهمة النقد الفلسفي بالموازاة مع المناهج الفلسفية الأخرى في صياغة فكرة أن كل كائن حي، بعيدًا عن كونه ذاتًا متجانسة وراثيًا، هو مجتمع تكافلي يؤوي ويتسامح مع عناصر دخيلة متعددة (بما في ذلك البكتيريا والفيروسات)، والتي يتم التعرف عليها، ولكن لا يتم القضاء عليها عن طريق جهاز المناعة[20]. إن البحث في الاندماج التكافلي والتسامح المناعي له أبعاد بعيدة المدى تؤثر على تصورنا لما يشكل كائنًا حيًا فرديًا، والذي أصبحنا ننظر إليه شيئا فشيئا على أنه نظام بيئي معقد تتأثر وظائفه الرئيسية، بدءًا بالتطوير، ثم الدفاع، والتعافي، وصولا إلى الإدراك، بالتفاعلات مع الميكروبات[21].

التأثير على العلوم المعرفية

تقدم دراسة الإدراك وعلم الأعصاب الإدراكي توضيحًا صارخًا للتأثير العميق وطويل الأمد للفلسفة على العلوم؛ فكما هو الحال مع علم المناعة، فإن الفلاسفة قد قاموا بصياغة نظريات وتجارب مؤثرة، وساعدوا على إنشاء برامج بحثية محددة، وساهموا في تحولات النموذج الفكري paradigm shifts. لكن حجم التأثير هنا يتجاوز ما أشرنا إليه في علم المناعة؛ فقد كان للفلسفة دور في الانتقال من المدرسة السلوكية إلى المدرسة المعرفية والحاسوبية في الستينيات، ولعل المثال الأكثر وضوحًا هنا يتمثل في نظرية وحداتية العقل the modularity of mind ، التي اقترحها الفيلسوف جيري فودور Jerry Fodor[22]، والتي لا يمكن المبالغة بالحديث عن تأثيرها على نظريات الهندسة الإدراكية، لدرجة أن عالم النفس المعرفي الرائد جيمس راسل James Russell ، وفي التفاتة تكريمية لفودور بعد وفاته سنة 2017، تحدث في مجلة الجمعية النفسية البريطانية عن علم النفس التنموي الإدراكي في حقبة “ما قبل فودور” BF و”ما بعد فودور” AF. (https://thepsychologist. bps.org.uk/jerry-fodor-1935-2017).

تشير الوحداتية إلى فكرة أن الظواهر العقلية تنشأ من خلال تشغيل عمليات متعددة ومتباينة، وليس من عملية واحدة متجانسة[23]. واستنادا إلى الأدلة في مجال علم النفس التجريبي، واللغويات “التشومسكية”[24] ، والنظريات الحاسوبية الجديدة في فلسفة العقل، صاغ فودور نظرية مفادها أن الإدراك البشري منظم هيكليا وفق مجموعة من الوحدات المتخصصة ذات المستوى الأدنى، الخاصة بمجال معين، والمغلفة معلوماتيًا، ونظام مركزي على المستوى الأعلى، غير خاص بمجال محدد يستخدم للقياس الاحتمالي abductive reasoning [25]، حيث تتدفق المعلومات إلى الأعلى عموديًا فقط، وليس إلى الأسفل أو أفقيًا (أي بين الوحدات). كما قام فودور بوضع معايير صارمة لنظرية الوحداتية. وحتى يومنا هذا، يحدد مقترح فودور المصطلحات اللازمة للكثير من الأبحاث والنظريات التجريبية في العديد من مجالات العلوم المعرفية وعلم الأعصاب[26]، بما في ذلك التطور المعرفي، وعلم النفس التطوري، والذكاء الاصطناعي، والأنثروبولوجيا المعرفية. وعلى الرغم من أن نظريته قد تم تنقيحها ونقدها، إلا أن الباحثين يواصلون استخدام منهجه وتعديله ومناقشته مع مجموعة الأدوات المفاهيمية الأساسية الأخرى.

يشكل اختبار الاعتقاد الخاطئ The false-belief task مثالًا رئيسيًا آخر على تأثير الفلسفة على العلوم المعرفية؛ حيث كان الفيلسوف دانييل دينيت Daniel Dennett أول من تصور المنطق الأساسي لهذه التجربة كمراجعة لاختبار يُستخدم لتقييم نظرية العقل، والقدرة على إسناد الحالات الذهنية إلى الذات وإلى الآخرين[27]. يمتحن هذا الاختبار القدرة على ربط الآخرين بمعتقدات يعتبرها المرء كاذبة، والفكرة الأساسية هي أن التفكير في معتقدات الآخرين الخاطئة، على عكس المعتقدات الحقيقية، يتطلب تصورنا للآخرين على أن لديهم تمثلات ذهنية تختلف عن تصورنا الشخصي وعن حقيقة العالم من حولنا. وقد كان أول تطبيق تجريبي لهذه الفكرة عام 1983، في مقال بعنوان “معتقدات حول المعتقدات: التمثيل والوظيفة المقيدة للمعتقدات الخاطئة في فهم الأطفال للخداع”، وهذا المقال في حد ذاته تقدير مباشر لإسهامات دانييل دينيت في هذا المجال.

يمثل اختبار الاعتقاد الخاطئ تجربة بارزة في مختلف مجالات العلوم المعرفية وعلم الأعصاب، مع تطبيقات وآثار واسعة النطاق. وهي تشمل اختبار مراحل النمو المعرفي لدى الأطفال، ومناقشة بنية الإدراك البشري وقدراته المتمايزة، وتقييم نظرية قدرات العقل لدى القردة العليا، وتطوير نظريات التوحد كعمى العقل (التي بموجبها ترتبط الصعوبات في اجتياز اختبار الاعتقاد الخاطئ بالحالة)، وتحديد مناطق الدماغ المرتبطة بالقدرة على التفكير في محتويات عقل شخص آخر[28].

ساعدت الفلسفة أيضًا مجال العلوم المعرفية في التخلص من الافتراضات الإشكالية أو التي عفا عليها الزمن، مما ساعد على الدفع بالتغيير العلمي؛ فمفاهيم العقل، والذكاء، والوعي، والعاطفة يتم استخدامها في كل مكان عبر مجالات مختلفة دون وجود اتفاق على معناها في كثير من الأحيان[29]. إن هندسة الذكاء الاصطناعي، وبناء النظريات النفسية لمتغيرات الحالة العقلية، واستخدام أدوات علم الأعصاب للبحث في الوعي والعاطفة، تتطلب الأدوات المفاهيمية للنقد الذاتي والحوار متعدد التخصصات، وعلى وجه التحديد الأدوات التي يمكن أن توفرها الفلسفة.

الفلسفة والمعرفة العلمية

إن الأمثلة المذكورة أعلاه ليست سوى غيض من فيض؛ ففي علوم الأحياء، لعب التفكير الفلسفي دورًا مهمًا في قضايا متنوعة مثل الإيثار التطوري evolutionary altruism[30]، والنقاش حول وحدات الاختيار[31]، وبناء “شجرة الحياة”[32]، وسيادة الميكروبات في المحيط الإحيائي، وتعريف الجين، والتحليل النقدي لمفهوم الفطرة[33]. وكذلك بالنسبة للفيزياء، فقد تم إثراء الإشكالات الأساسية مثل تعريف الزمن من خلال أعمال الفلاسفة؛ فعلى سبيل المثال، ساعد تحليل هيو برايس “للارجعة الزمنية”[34] وتحليل ديفيد لويس “للمنحنيات الزمنية المغلقة”[35] في كشف الغموض المفاهيمي لهذه الإشكالات في الفيزياء[36].

وانطلاقا من هذه الأمثلة وغيرها، نرى أن الفلسفة والعلم ينتظمان في سلسلة متصلة، حيث تشترك الفلسفة والعلم في أدوات المنطق والتحليل المفاهيمي والحجج الدقيقة. ومع ذلك، فإن الفلاسفة يستخدمون هذه الأدوات بدرجات من الشمول والحرية والتجريد النظري، وهو ما لا يستطيع الباحثون الميدانيون ممارسته في كثير من الأحيان في أنشطتهم اليومية. إن الفلاسفة ذوي المعرفة العلمية بإمكانهم أن يساهموا بشكل كبير في تقدم العلوم على جميع مستويات المشروع العلمي، من النظرية إلى التجربة كما تظهر الأمثلة المذكورة أعلاه. ولكن كيف يمكننا عملياً تسهيل التعاون بين الباحثين (في العلوم) والفلاسفة؟ قد يبدو الحل واضحا للوهلة الأولى: أن يتقدم كل فريق خطوة نحو الآخر. ومع ذلك، سيكون من الخطأ اعتبار هذه المهمة سهلة، وذلك لما يعترض هذه الفكرة من عوائق كثيرة؛ ففي الوقت الحاضر، يوجد عدد كبير من الفلاسفة الذين يحتقرون العلوم التجريبية أو لا يرون أية أهمية لها في أعمالهم. وحتى بين الفلاسفة الذين يفضلون الحوار مع الباحثين، فإن القليل منهم من لديه تلك المعرفة الكافية بأحدث العلوم. وفي المقابل، فإن القليل من الباحثين (في العلوم التجريبية) من يدرك الفوائد التي يمكن أن تجلبها الرؤى الفلسفية لأبحاثهم. أما في السياق العلمي الحالي، الذي يهيمن عليه التخصص والطلب المتزايد على التمويل والإنتاج العلمي، فإن عددًا محدودًا جدًا من الباحثين لا يجدون الوقت والفرصة ليكونوا على دراية حتى بالأعمال الفلسفية المرتبطة بالعلوم ناهيك عن قراءتها.

إن إعادة الارتباط بين الفلسفة والعلم أمر مطلوب للغاية وقابل للتحقيق في الممارسة العملية أكثر مما أنتجته عقود من القطيعة بينهما. وفي هذا الصدد، نرى أن نقترح سلسلة من التوصيات البسيطة، التي يمكن تنفيذها بسهولة، لسد هذه الفجوة بين العلم والفلسفة، والتي يمكن سردها كالآتي:

  1. إفساح مجال أكبر للفلسفة في المؤتمرات العلمية: فهذه آلية بسيطة جدًا للباحثين لتقييم الفائدة المحتملة لرؤى الفلاسفة على أبحاثهم. وفي المقابل، يمكن لعدد أكبر من الباحثين في العلوم المشاركة في مؤتمرات الفلسفة، تعزيزا لجهود منظمات مثل “الجمعية الدولية للتاريخ والفلسفة والدراسات الاجتماعية لعلم الأحياء” the International Society for the History, Philosophy, and Social Studies of Bi- ology و”جمعية فلسفة العلوم” the Philosophy of Science Association، و”جمعية فلسفة العلوم في الممارسة العملية” the Society for Philosophy of Science in Practice.
  2. استضافة الفلاسفة في المختبرات والأقسام العلمية: وقد سبق بالفعل لبعض المشاركين في كتابة هذا المقال وغيرهم تجربة هذا الأمر، حيث تعتبر هذه الطريقة فعالة بالنسبة للفلاسفة من أجل تعلم العلوم التجريبية وتقديم تحليلات أكثر ملاءمة قائمة على أسس متينة، وأيضا بالنسبة للباحثين في العلوم من أجل الاستفادة من المدخلات الفلسفية والتأقلم مع الفلسفة بشكل عام. وقد تكون هذه أكثر الطرق فاعلية لمساعدة الفلسفة في إحداث تأثير سريع وملموس على العلوم.
  3. الإشراف المشترك على طلاب الدكتوراه: يعد الإشراف المشترك على طلاب الدكتوراه من طرف باحث علمي وفيلسوف فرصة ممتازة لإتاحة التبادل المعرفي بين المجالين؛ حيث يسهل إنتاج الأطروحات الغنية من الناحية التجريبية والدقيقة من الناحية المفاهيمية، وفي خضم هذه العملية، فإننا نقوم بتدريب وتهيئة الجيل القادم من العلماء الفلاسفة.
  4. إنشاء مناهج متوازنة في العلوم والفلسفة تعزز الحوار الحقيقي بينهما: بعض هذه المناهج موجودة بالفعل في بعض البلدان، ولكن توسيع نطاقها ينبغي أن يكون أولوية قصوى. فهذه المناهج بإمكانها تزويد الطلاب في العلوم بمنظور يمكّنهم من مواجهة التحديات المفاهيمية للعلوم الحديثة بشكل أفضل، وكذلك تزويد الفلاسفة بأساس متين للمعرفة العلمية التي من شأنها أن تزيد من تأثيرهم على العلوم، ويمكن في هذا الإطار تضمين مناهج العلوم فصلاً في تاريخ العلوم وفلسفة العلوم، وكذلك إدراج وحدة علمية في مناهج الفلسفة.
  5. قراءة العلوم والفلسفة: إن قراءة العلوم أمر لا غنى عنه لممارسة فلسفة العلوم، ولكن قراءة الفلسفة يمكن أن تشكل أيضًا مصدرًا كبيرًا للإلهام بالنسبة للباحثين كما يتضح من بعض الأمثلة أعلاه. وعلى سبيل المثال، تشكل نوادي المجلات التي تتم فيها مناقشة مساهمات العلوم والفلسفة طريقة فعالة لدمج الفلسفة والعلم.
  6. فتح أقسام جديدة مخصصة للقضايا الفلسفية والمفاهيمية في المجلات العلمية: وستكون هذه الاستراتيجية طريقة مناسبة ومقنعة للتأكيد بأن العمل الفلسفي والمفاهيمي مستمر بالموازاة مع العمل التجريبي؛ فبقدر ما هو مستوحى منه، فإنه يمكن أن يشكل مصدر إلهام له في المقابل. كما أن من شأن هذا الأمر أن يجعل الأفكار الفلسفية حول مجال علمي معين أكثر وضوحًا للمجتمع العلمي ذي الصلة مقارنةً بنشرها في المجلات الفلسفية، والتي نادرًا ما يقرأها العلماء.

وفي الختام، نأمل أن تشجع الخطوات العملية الموضحة أعلاه على نهضة التكامل بين العلم والفلسفة. وعلاوة على ذلك، فإننا نرى أن الحفاظ على الولاء الوثيق للفلسفة سيعزز حيوية العلم. إن العلم الحديث بدون فلسفة سوف يصطدم بجدار: طوفان البيانات داخل كل مجال سيجعل التفسير أكثر صعوبة، وإهمال تاريخ العلوم واتساعها المتزايد سيؤدي إلى مزيد من الانقسام والانفصال عن التخصصات العلمية الفرعية، والتركيز على الأساليب والنتائج التجريبية سوف يؤدي إلى تدريب سطحي للطلاب. وكما كتب كارل ووز: “إن المجتمع الذي يسمح لعلم الأحياء بأن يصبح تخصصاً هندسياً، والذي يسمح للعلم بأن يتقمص دور تغيير العالم الحي دون محاولة فهمه، لهو مجتمع يشكل خطراً على نفسه”. إننا بحاجة إلى إحياء للعلوم على كافة المستويات، إحياء يعيد إلينا فوائد الروابط الوثيقة مع الفلسفة.

يمكن للفلسفة – التي يتم تمثيلها أحيانًا بالحرف اليوناني phi – أن تساعد في تطوير جميع مستويات المشروع العلمي، من النظرية إلى التجربة. تشمل الأمثلة الحديثة مساهمات في بيولوجيا الخلايا الجذعية، وعلم المناعة، والتكافل symbiosis، والعلوم المعرفية.

المراجع | References

  • Laplane L (2016) Cancer Stem Cells: Philosophy and Therapies (Harvard Univ Press, Cambridge, MA).
  • Clevers H (2016) Cancer therapy: Defining Nature 534:176–177.
  • Bialkowski L, et (2018) Immune checkpoint blockade combined with IL-6 and TGF-β inhibition improves the therapeutic outcome of mRNA-based immunotherapy. Int J Cancer 143:686–698.
  • Picollet-D’hahan N, Dolega ME, Freida D, Martin DK, Gidrol X (2017) Deciphering cell intrinsic properties: A key issue for robust organoid production. Trends Biotechnol 35:1035–1048.
  • Pradeu T, Carosella ED (2006) On the definition of a criterion of Proc Natl Acad Sci USA 103:17858–17861.
  • Pradeu T, Jaeger S, Vivier E (2013) The speed of change: Towards a discontinuity theory of immunity? Nat Rev Immunol 13:764–769.
  • Boudreau JE, Hsu KC (2018) Natural killer cell education and the response to infection and cancer therapy: Stay Trends Immunol 39:222–239.
  • Rinaldi S, et (2014) Antibody but not memory B-cell responses are tuned-down in vertically HIV-1 infected children and young individuals being vaccinated yearly against influenza. Vaccine 32:657–663.
  • McFall-Ngai M, et (2013) Animals in a bacterial world, a new imperative for the life sciences. Proc Natl Acad Sci USA
  • 110:3229–3236.
  • Fodor JA (1983) Modularity of Mind: An Essay on Faculty Psychology (MIT Press, Cambridge, MA).
  • Barrett HC, Kurzban R (2006) Modularity in cognition: Framing the Psychol Rev 113:628–647.
  • Kanwisher N (2000) Domain specificity in face Nat Neurosci 3:759–763.
  • Dennett DC (1978) Beliefs about Behav Brain Sci 1:568–570.
  • Wimmer H, Perner J (1983) Beliefs about beliefs: Representation and constraining function of wrong beliefs in young children’s understanding of deception. Cognition 13:103–128.
  • Frith U, Frith CD (2003) Development and neurophysiology of mentalizing. Philos Trans R Soc Lond B Biol Sci 358:459–473.
  • Adolphs R (2018) The Neuroscience of Emotion: A New Synthesis (Princeton Univ Press, Princeton).
  • Sober E, Wilson DS (1998) Unto Others: The Evolution and Psychology of Unselfish Behavior (Harvard Univ Press, Cambridge, MA).
  • Okasha S (2006) Evolution and the Levels of Selection (Oxford Univ Press, London).
  • Koonin EV (2011) The Logic of Chance: The Nature and Origin of Biological Evolution (FT Press, Upper Saddle River, NJ), 1st
  • Mameli M, Bateson P (2006) Innateness and the Biol Philos 21:155–188.
  • Price H (1996) Times Arrow and Archimedes Point: Philosophical Reflections on Time and Physics (Oxford Univ Press, London).
  • Lewis D (1976) The paradoxes of time Am Philos Q 13:145–152.
  • Rovelli C (2018) Physics needs Philosophy needs physics. Found Phys 48:481–491.
  • Woese CR (2004) A new biology for a new Microbiol Mol Biol Rev 68:173–186.

 

[1] Lucie Laplane, Cancer Stem Cells: Philosophy and Therapies (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2016).

 

[3] هي الباحثة لوسي لابلان Lucie Laplane.

[4]  تشير هذه الخاصية إلى أن كل كيان يتحدد بشكل مستقل عن تفاعلاته مع محيطه. مثال: العناصر الكيميائية في الجدول الدوريالمترجم.

[5]  خاصية تعتمد على المؤثرات الخارجية. مثال: الخلايا الدموية؛ حيث تعتمد في اكتسابها لخاصية التجذّع على المثيرالذي يرسله العش” The Niche– المترجم.

[6]  يتم التعبير عن البيئة الدقيقة ب (microenvironment)  أو Niche،  وتمثل المكان الذي تتواجد به الخلايا الجذعية وتتفاعل معها، وتستطيع تحويل الخلية إلى خلية جذعية، وكذلك التحكم بمستوى تجذّعها – المترجم.

[7] خاصية تتولد عن طريق التفاعلات بين عنصرين؛ فالعلاقة بين الخلية وبين بيئتها الدقيقة هي ما يحدد قدرة هذه الخلية على اكتساب خاصية التجذع؛ أي أن تصير خلية جذعيةالمترجم.

[8] Hans Clevers, “Cancer Therapy: Defining Stemness”, Nature 534 (2016): 176–177.

[9] Laura Bialkowski et al., “Immune Checkpoint Blockade Combined with IL-6 and TGF-β Inhibition Improves the Therapeutic Outcome of mRNA-Based Immunotherapy,” International Journal of Cancer 143 (2018): 686–698.

[10] مثلا، تعتمد مجموعة من العلاجات على استهداف ” العش” Niche، وذلك بهدف استئصال البيئة التي تساهم في إنتاج الخلايا السرطانية، لكن هذه العلاجات لا تكون ناجعة في حال ما إذا كان التجذّع خاصية نوعية أو نظامية، وذلك لاستقلاليتها عن بيئتها الدقيقة أو العش Niche– المترجم.

[11]  أي الخاصيتين النوعية والتصرفية.

[12] Nathalie Picollet-D’hahan, Marie-Edmée Dolega, Delphine Freida, Daniel K. Martin, and Xavier Gidrol, “Deciphering Cell Intrinsic Properties: A Key Issue for Robust Organoid Production,” Trends in Biotechnology 35 (2017): 1035–1048.

[13] Thomas Pradeu and Edgardo D. Carosella, “On the Definition of a Criterion of Immunogenicity,” Proceedings of the National Academy of Sciences 103 (2006): 17858–17861.

[14] Thomas Pradeu, Sébastien Jaeger, and Eric Vivier, “The Speed of Change: Towards a Discontinuity Theory of Immunity?” Nature Reviews Immunology 13 (2013): 764–769.

[15] وفقًا لهذا الإطار النظري، فإن الاستجابات المناعية للمستجيب (أي الاستجابات المنشطة التي تؤدي إلى احتمال القضاء على المستضِد المستهدِف) يتم تحفيزها عن طريق انقطاع المستضِد؛ أي عن طريق التعديل المفاجئ للعناصر الجزيئية التي تتفاعل معها الخلايا المناعية- المترجم.

[16]  يقوم نموذج الخطر على أن جهاز المناعة يميز بين المكونات القادرة على التسبب في الضرر، بدلا من التمييز بين الذاتي وغير الذاتي، إضافة إلى أن النسيج يتحكم في تفعيل الاستجابة المناعية، عن طريق إرسال إشارات إنذارية.  كما أنه يحفز السماح بظهور مستضداته دون إشارات إنذار. لذلك، يمكن أيضًا أن يكون النسيج هو الذي يحدد فئة المناعة-المترجم.

[17] Jennifer E. Boudreau and Katharine C. Hsu, “Natural Killer Cell Education and the Response to Infection and Cancer Therapy: Stay Tuned,” Trends in Immunology 39 (2018): 222–239.

[18] Sara Rinaldi et al., “Antibody but Not Memory B-Cell Responses Are Tuned-Down in Vertically HIV-1 Infected Children and Young Individuals Being Vaccinated Yearly against Influenza”, Vaccine 32 (2014): 657–663.

[19] Margaret McFall-Ngai et al., “Animals in a Bacterial World, a New Imperative for the Life Sciences”, Proceedings of the National Academy of Sciences 110 (2013): 3229–3236.

[20] Jerry A. Fodor, The Modularity of Mind: An Essay on Faculty Psychology (Cambridge, MA: MIT Press, 1983).

[21] H. Clark Barrett and Robert Kurzban, “Modularity in Cognition: Framing the Debate”, Psychological Review 113 (2006): 628–647.

[22] Nancy Kanwisher, “Domain Specificity in Face Perception,” Nature Neuroscience 3 (2000): 759–763.

[23] ترجع العديد من مفاهيم فودور للفلاسفة أمثال ديكارت، الذي كتب أن العقل مؤلف من «أعضاء» أو “ملكات نفسية”.

[24] اللغويات التشومسكية هو مصطلح واسع يشير إلى مبادئ اللغة وطرق دراسة اللغة التي طرحها اللغوي الأمريكي نعوم تشومسكي في أعمال رائدة مثل الهياكل النحوية (1957) وجوانب نظرية النحو (1965).

[25] هو منطق استدلالي ينطلق من الملاحظة إلى وضع فرضية التي تفسر الملاحظة. بخلاف الاستنباط، فالتفسير لا يؤكد أو يثبت النتيجة. وهكذا، يمكن تعريفه بـ“الاستدلال بأفضل تفسير ممكن”.

[26] Daniel C. Dennett, “Beliefs about Beliefs”, Behavioral and Brain Sciences 1 (1978): 568–570.

Heinz Wimmer and Josef Perner, “Beliefs about Beliefs: Representation and Constraining Function of Wrong Beliefs in Young Children’s Understanding of Deception,” Cognition 13 (1983): 103–128.

[27] Uta Frith and Chris D. Frith, “Development and Neurophysiology of Mentalizing,” Philosophical Transactions of the Royal Society B 358 (2003): 459–473.

[28] Ralph Adolphs, The Neuroscience of Emotion: A New Synthesis (Princeton: Princeton University Press, 2018).

[29] Elliott Sober and David Sloan Wilson, Unto Others: The Evolution and Psychology of Unselfish Behavior (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1998).

[30] Samir Okasha, Evolution and the Levels of Selection (Oxford: Oxford University Press, 2006).

[31] Eugene V. Koonin, The Logic of Chance: The Nature and Origin of Biological Evolution (Upper Saddle River, NJ: FT Press, 2011).

[32] Matteo Mameli and Patrick Bateson, “Innateness and the Sciences,” Biology and Philosophy 21 (2006): 155–188.

[33] Huw Price, Time’s Arrow and Archimedes’ Point: Philosophical Reflections on Time and Physics (Oxford: Oxford University Press, 1996).

[34] David Lewis, “The Paradoxes of Time Travel,” American Philosophical Quarterly 13 (1976): 145–152.

[35] Carlo Rovelli, “Physics Needs Philosophy. Philosophy Needs Physics,” Foundations of Physics 48 (2018): 481–491.

[36] Carl R. Woese, “A New Biology for a New Century,” Microbiology and Molecular Biology Reviews 68 (2004): 173–186.

المقال التالي

السياسة التعليمية بالمغرب إبان الحماية الفرنسية 1912-1956

السياسة التعليمية بالمغرب إبان الحماية الفرنسية 1912-1956

Scroll to Top