الجامعة العربية وسؤال الوجود والحدود
مقدمة
إن المطلع على المشهد العربي اليوم، وما تشهده منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي من أزمات متلاحقة وتحديات متشابكة، يجد نفسه أمام حاجة ملحّة إلى وقفة تأملية تطرح أكثر من سؤال حول واقع العمل العربي المشترك، ومدى قدرة مؤسساته على الاستجابة للتحولات التي تعصف بالمنطقة. وفي مقدمة هذه المؤسسات تقف جامعة الدول العربية، التي ارتبط وجودها منذ تأسيسها بفكرة التنسيق بين الدول العربية والدفاع عن مصالحها المشتركة، قبل أن تجد نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على الانتقال من مجرد التعبير عن المواقف إلى صناعة الفعل والتأثير.
ومنذ تأسيسها في القاهرة سنة 1945، مثّلت جامعة الدول العربية إحدى أبرز محاولات بناء إطار مؤسسي للعمل العربي المشترك في القرن العشرين. جاءت نشأتها في سياق تاريخي اتسم بتصاعد الوعي العربي، وتنامي مطالب الاستقلال، وانحسار النظام الاستعماري التقليدي، والحاجة إلى إيجاد صيغة للتنسيق بين الدول العربية التي كانت تتجه، بدرجات متفاوتة، نحو بناء كياناتها الوطنية المستقلة. ولم يكن تأسيس الجامعة مجرد استجابة ظرفية لمعطيات المرحلة، وإنما عكس أيضا طموحا سياسيا يرمي إلى الحفاظ على المصالح المشتركة للدول العربية، وتنسيق سياساتها، والدفاع عن استقلالها وسيادتها، والعمل على تسوية المنازعات التي قد تنشأ بينها.
غير أن مسار الجامعة العربية، منذ تأسيسها إلى اليوم، يكشف مفارقة لافتة: كلما ازدادت الحاجة إلى العمل العربي المشترك، بدا الفعل المؤسسي للجامعة أكثر محدودية. فقد ظلت الجامعة حاضرة في المشهد السياسي العربي، وعقدت مؤتمراتها واجتماعاتها، وأصدرت قرارات وبيانات متعددة بشأن مختلف القضايا، إلا أن الفجوة ظلت قائمة بين مستوى الحضور المؤسساتي ومستوى القدرة على التأثير في مجرى الأحداث. وتزداد هذه المفارقة وضوحا أمام الأزمات العربية الراهنة، ولا سيما الحرب في غزة، وتداعيات الأوضاع في السودان واليمن وسورية وليبيا، والتوترات التي تمس أمن الخليج والبحر الأحمر والممرات البحرية.
وعليه، لا يبدو سؤال الجامعة العربية اليوم سؤالا يتعلق بمجرد استمرار مؤسسة أنشئت قبل أكثر من ثمانية عقود، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق: ما الوظيفة التي تستطيع الجامعة القيام بها في نظام عربي تتباين داخله المصالح والتصورات؟ وهل ما تزال الجامعة قادرة على الانتقال من فضاء التشاور وإصدار المواقف إلى فضاء الفعل والتأثير؟
إن سؤال «الوجود والحدود» يحمل، في هذا السياق، دلالة مزدوجة؛ فهو من جهة سؤال عن وجود الجامعة بوصفها مؤسسة إقليمية، ومن جهة أخرى سؤال عن حدود قدرتها السياسية والقانونية والمؤسساتية. ولذلك فإن أزمة الجامعة لا يمكن تفسيرها فقط بضعف مؤسساتها، وإنما ينبغي ربطها بطبيعة النظام العربي نفسه، وبالعلاقة بين السيادة الوطنية ومقتضيات العمل الجماعي، وبمدى استعداد الدول الأعضاء لتحويل التضامن العربي من قيمة خطابية إلى آلية سياسية عملية.
أولا: الجامعة العربية من حلم التضامن إلى واقع المؤسسة
جاء تأسيس جامعة الدول العربية في مرحلة كانت فيها المنطقة العربية تعيش انتقالا تاريخيا من النظام الاستعماري إلى الدولة الوطنية. وسعى الميثاق التأسيسي إلى إقامة تنظيم إقليمي يحافظ على استقلال الدول الأعضاء وسيادتها، ويعمل في الوقت نفسه على تنسيق سياساتها وتحقيق التعاون فيما بينها. وتضمن الميثاق مجالات متعددة للتعاون السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، كما أتاح آليات للوساطة وتسوية النزاعات بين الدول الأعضاء.
غير أن الصيغة التي اختيرت لتأسيس الجامعة حملت منذ البداية إحدى أهم المفارقات التي سترافق تجربتها لاحقا: كيف يمكن بناء عمل عربي جماعي من دون المساس بسيادة الدول الأعضاء؟ لقد كان الحفاظ على استقلال الدول وسيادتها مبدأ أساسيا في بنية الجامعة، وهو أمر مفهوم تاريخيا في مرحلة كانت فيها الدول العربية حديثة الاستقلال أو في طريقها إليه. بيد أن هذا المبدأ نفسه أصبح، في مراحل لاحقة، أحد العوامل التي حدّت من قدرة الجامعة على اتخاذ قرارات جماعية تتجاوز الإرادات الوطنية المتعارضة.
ولذلك لم تُنشأ الجامعة العربية باعتبارها سلطة فوق وطنية، على غرار بعض التجارب الإقليمية التي تطورت لاحقا في مناطق أخرى من العالم، وإنما باعتبارها إطارا للتنسيق بين دول ذات سيادة. وهو ما جعل قوتها مرتبطة، في نهاية المطاف، بمدى استعداد هذه الدول لتنسيق مواقفها وتقديم جزء من مصالحها الآنية لصالح المصلحة المشتركة.
ومع ذلك، لا ينبغي التقليل من أهمية الأدوار التي اضطلعت بها الجامعة خلال تاريخها. حيث شكلت إطارا للحوار العربي، وأسهمت في إبقاء القضايا العربية ضمن جدول الأعمال الدولي، ووفرت فضاءً للتنسيق الدبلوماسي، وفي الآن ذاته اضطلعت بأدوار سياسية في مراحل مختلفة من القضية الفلسطينية والأزمات العربية. والأهم من ذلك أنها أسست لفكرة أن للدول العربية، رغم اختلاف أنظمتها ومصالحها، فضاءً مؤسسيا يجمعها.
لكن المشكلة بدأت عندما أصبح وجود الإطار المؤسسي لا يعني بالضرورة وجود سياسة عربية مشتركة. فالجامعة تستطيع أن تجمع الدول، لكنها لا تستطيع دائما أن تجعلها تتفق؛ تستطيع أن تصدر قرارا، لكنها تواجه صعوبة عندما يتعلق الأمر بتحويل القرار إلى سياسة ملزمة؛ ويمكنها أن تعلن التضامن، لكنها لا تملك دائما الوسائل الكفيلة بتحويل التضامن إلى ضغط سياسي أو اقتصادي أو دبلوماسي فعّال. وهنا تكمن إحدى المفارقات الأساسية في تجربة الجامعة: لقد نجحت نسبيا في بناء مؤسسة للعمل العربي المشترك، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في بناء إرادة عربية مشتركة.
ثانيا: حين تتسع الأزمات ويضيق الفعل العربي
تظهر حدود الجامعة العربية بصورة أكثر وضوحا عند الأزمات الكبرى. فالمشهد العربي الراهن يكشف تعددا غير مسبوق في بؤر التوتر، من فلسطين إلى السودان واليمن وسوريا وليبيا والعراق ولبنان ، فضلا عن التحديات المرتبطة بأمن البحر الأحمر والخليج والطاقة والممرات التجارية. وفي الحالة الفلسطينية، تبدو المفارقة أكثر حدة. ففلسطين كانت من القضايا المركزية التي رافقت نشأة الجامعة، وظلت لعقود تمثل أحد أهم مجالات العمل العربي المشترك. ومع ذلك، فإن التطورات المتلاحقة في الأراضي الفلسطينية، وخاصة الحرب في غزة، كشفت محدودية القدرة العربية الجماعية على التأثير في مسار الأزمة.
لا يعني ذلك أن الجامعة غابت تماما عن القضية الفلسطينية؛ فقد استمرت الاجتماعات والقرارات والمواقف الدبلوماسية، وظلت القضية حاضرة في البيانات العربية وعلى مستوى المحافل الدولية. لكن السؤال النقدي لا يتعلق بمجرد الحضور، وإنما بالقدرة على إنتاج أثر سياسي قابل للقياس.
وينبغي التمييز بين أربعة مستويات: الحضور الدبلوماسي، وإصدار القرارات، وتنسيق المواقف، والقدرة على تنفيذ سياسة جماعية. ففي المستوى الأول يمكن تسجيل حضور واضح، وفي المستوى الثاني صدرت مواقف وقرارات عديدة، لكن الفجوة تظهر بصورة أكبر في المستويين الثالث والرابع، حيث يتطلب الأمر توافقا فعليا بين الدول الأعضاء، واستخداما منسقا للأدوات السياسية والاقتصادية والقانونية.
وهذا يقود إلى السؤال الأكثر إلحاحا: لماذا لا يتحول الموقف العربي إلى قوة سياسية مؤثرة؟
الإجابة لا تكمن في عامل واحد. فهناك أولا اختلاف المصالح الوطنية بين الدول الأعضاء، وثانيا تباين تصوراتها للأمن الإقليمي، وثالثا اختلاف علاقاتها بالقوى الدولية والإقليمية، ورابعا تفاوت قدراتها السياسية والاقتصادية والعسكرية. كما أن بعض الدول العربية تنظر إلى بعض الأزمات باعتبارها تهديدا مباشرا لأمنها الوطني، بينما تراها دول أخرى من منظور مختلف. وبذلك لم يعد هناك تعريف واحد لما يسمى «المصلحة العربية المشتركة». فالأمن بالنسبة إلى دولة خليجية قد يرتبط بأمن الملاحة والطاقة ومواجهة التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة، بينما قد يرتبط بالنسبة إلى دولة أخرى بالاستقرار الداخلي أو النزاعات الحدودية أو الهجرة أو الأمن الغذائي.
إن غياب تعريف مشترك للأمن العربي يجعل الجامعة أمام مشكلة بنيوية: كيف يمكن بناء سياسة أمن جماعي إذا كانت الدول الأعضاء لا تتفق دائما على طبيعة التهديد نفسه؟
ثالثا: الحدود السياسية والحدود المؤسسية للجامعة
يشكل موضوع النزاعات الحدودية اختبارا آخر لطبيعة الدور العربي المشترك. فقد شهد التاريخ العربي المعاصر عددا من الخلافات الحدودية بين الدول العربية، وتمكنت بعض الدول من تسوية نزاعاتها من خلال التفاوض أو الوساطة الثنائية أو الإقليمية، بينما لجأت حالات أخرى إلى التحكيم أو القضاء الدولي.
وعليه، تظهر محدودية الجامعة العربية بوصفها آلية مركزية لحل النزاعات. فوجود آليات للوساطة وتسوية المنازعات في إطار الجامعة لا يعني بالضرورة أن الدول ستختارها باعتبارها المسار الأول أو الحاسم. وقد تفضّل الدولة المعنية التفاوض المباشر، أو الاستعانة بدولة وسيطة، أو اللجوء إلى المؤسسات القضائية الدولية.
والأمر اللافت أن الجامعة العربية لم تستطع أن تتحول إلى مرجعية عربية حاسمة في تسوية الخلافات الحدودية، وهو ما لا يرتبط فقط بمحدودية أدواتها المؤسسية، وإنما أيضا بحساسية مفهوم السيادة لدى الدول العربية، وبالخشية من أن يفضي تدخل المؤسسة الإقليمية في نزاع ثنائي إلى سابقة تحدّ من حرية الدولة في إدارة علاقاتها الخارجية.
لكن هذا الوضع يكشف أيضا مفارقة أخرى: فإذا كانت الجامعة عاجزة عن إدارة بعض الخلافات بين الدول الأعضاء، فإن قدرتها على بناء منظومة أمن جماعي لمواجهة التهديدات الخارجية تصبح أكثر تعقيدا. وبالتالي، يمكن فهم أهمية الأزمات التي تمس الخليج بصورة خاصة. فالأمن الخليجي لم يعد مسألة محلية محضة؛ إذ يرتبط بالأمن البحري، والطاقة، والممرات التجارية، والتوترات الإقليمية، والصراعات بالوكالة، والتطورات في اليمن والعراق والبحر الأحمر. وكل اضطراب في هذه المناطق يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على الدول الخليجية وعلى الاقتصاد العربي والدولي في الوقت نفسه.
لذلك فإن تضرر دول الخليج من الأزمات الإقليمية ينبغي ألا يُفهم باعتباره شأنا خليجيا منفصلا عن باقي النظام العربي. فأمن الخليج جزء من الأمن العربي، كما أن استقرار المشرق وشمال إفريقيا والبحر الأحمر يرتبط بدرجات مختلفة بأمن الخليج. غير أن هذا الترابط لم يتحول بعد إلى منظومة مؤسسية عربية متماسكة للأمن الجماعي.
رابعا: لماذا لا صوت عربي موحد اليوم؟
قد يكون السؤال الأكثر قسوة في تقييم الجامعة العربية هو: لماذا يبدو الصوت العربي أقل تأثيرا من حجم الأزمات التي تواجه المنطقة؟ الجواب أن الجامعة تعكس، بدرجة كبيرة، طبيعة النظام السياسي العربي. فإذا كانت الدول الأعضاء منقسمة، فمن الصعب أن تكون الجامعة أكثر وحدة منها. وإذا كانت المصالح الوطنية تتعارض، فإن المؤسسة ستجد نفسها مضطرة إلى البحث عن الحد الأدنى من التوافق.
في هذا الاتجاه ينبغي الحذر من تحميل الجامعة وحدها مسؤولية ما يحدث. فالجامعة ليست كيانا مستقلا تماما عن إرادات الدول الأعضاء، ولا تمتلك جيشا خاصا بها، ولا أدوات تنفيذية واسعة تمكنها من فرض قراراتها على الدول. ولذلك فإن ضعف الجامعة هو في جزء منه انعكاس لضعف الإرادة الجماعية التي يفترض أن تستند إليها. لكن هذا لا يعفي المؤسسة من المسؤولية. فالجامعة مطالبة أيضا بتطوير أدواتها، وإعادة النظر في آليات عملها، والانتقال من رد الفعل إلى المبادرة.
إن المشكلة لا تتمثل فقط في أن الجامعة «لا صوت لها»، وإنما في أن الصوت الموجود لا يمتلك دائما الأدوات التي تجعله مسموعا ومؤثرا. فالبيان السياسي مهم، لكنه لا يكفي. والقرار العربي مهم، لكنه يفقد جزءًا من قيمته إذا لم توجد آلية للمتابعة. والدعوة إلى وقف الحرب مهمة، لكنها تصبح أكثر تأثيرا عندما ترافقها استراتيجية دبلوماسية وقانونية واقتصادية منسقة. من هذا المنطلق، ينبغي أن ينتقل النقاش من سؤال «ماذا قالت الجامعة؟» إلى سؤال «ماذا استطاعت الجامعة أن تفعل؟».
خامسا: هل يمكن إعادة تفعيل الجامعة العربية؟
رغم هذا النقد، لا يبدو أن الحل يكمن في التخلي عن الجامعة أو اعتبارها مؤسسة تجاوزها الزمن. فالمنطقة العربية ما تزال في حاجة إلى إطار يجمع دولها، لكن المطلوب هو إعادة تعريف وظيفة الجامعة وأدواتها.
- أول الإصلاحات الممكنة يتمثل في إنشاء آلية عربية للإنذار المبكر والوقاية من النزاعات، تتولى رصد مؤشرات التوتر قبل تحولها إلى أزمات مفتوحة. فالجامعة لا ينبغي أن تصل إلى الأزمة بعد اندلاعها فقط، وإنما ينبغي أن تكون حاضرة في مرحلة الوقاية والوساطة.
- ثانيا، يمكن تطوير مجلس عربي للوساطة وتسوية النزاعات، يضم خبراء في القانون الدولي والدبلوماسية والعلاقات الدولية، إلى جانب ممثلين عن الدول، بحيث تكون له القدرة على التدخل بطلب من الأطراف قبل وصول النزاع إلى مرحلة التصعيد.
- ثالثا، تحتاج الجامعة إلى تطوير آليات اتخاذ القرار. فالمشكلة ليست في البحث عن إجماع دائم يستحيل أحيانا تحقيقه، بل في إيجاد صيغ تسمح بمجموعة من مستويات العمل العربي المشترك، بحيث تستطيع الدول الراغبة في التحرك الجماعي أن تفعل ذلك ضمن إطار الجامعة دون أن يتحول عدم مشاركة دولة أو مجموعة من الدول إلى تعطيل كامل للمبادرة.
- رابعا، ينبغي إنشاء آلية لمتابعة تنفيذ القرارات العربية. فلا يكفي أن تصدر القمة أو المجلس الوزاري قرارًا؛ بل يجب تحديد الجهة المسؤولة عن التنفيذ، والمدة الزمنية، ومؤشرات قياس النتائج.
- خامسا، ينبغي تعزيز الدبلوماسية البرلمانية والشعبية والأكاديمية، وإشراك مراكز البحث والجامعات والخبراء في صياغة التصورات والسياسات العربية. فالتحديات الراهنة تتجاوز أبعادها السياسية والعسكرية إلى أبعاد اقتصادية وطاقية ومائية وغذائية وبيئية ورقمية، الأمر الذي يفرض على الجامعة العربية توسيع أدواتها ومقارباتها، والاستفادة من الخبرات الأكاديمية والعلمية في استشراف الأزمات واقتراح الحلول والبدائل الممكنة.
- سادسا، ينبغي إعادة صياغة مفهوم الأمن القومي العربي بصورة أكثر واقعية. فالأمن العربي في القرن الحادي والعشرين لا يمكن اختزاله في الدفاع العسكري، بل ينبغي أن يشمل أمن الطاقة والغذاء والمياه، وأمن الملاحة، والأمن السيبراني، والأمن الصحي، والاستقرار الاقتصادي، ومواجهة الكوارث والهجرة القسرية.
- وفي هذا السياق يمكن لدول الخليج أن تكون شريكا رئيسيا في بناء منظومة أمن عربي جديدة، لا باعتبارها كتلة منفصلة، وإنما باعتبارها جزءًا أساسيا من النظام العربي، بما تملكه من إمكانات اقتصادية ودبلوماسية وقدرات على الوساطة والتحرك الدولي.
على سبيل الختام: من سؤال وجود الجامعة إلى سؤال قدرتها على الفعل
تكشف قراءة تاريخ الجامعة العربية أن الأزمة التي تواجهها اليوم ليست أزمة وجود بالمعنى المؤسساتي؛ فالجامعة ما تزال قائمة، ولها هياكلها وأجهزتها واجتماعاتها وقراراتها. لكن الأزمة الحقيقية تكمن في حدود قدرتها على تحويل وجودها المؤسسي إلى فعل جماعي مؤثر.
لقد نشأت الجامعة في زمن كانت فيه الدولة العربية الحديثة في طور التشكل، وكان الهدف الأساسي هو خلق إطار للتنسيق بين دول تسعى إلى حماية استقلالها ومصالحها. أما اليوم، فقد تغيرت طبيعة التحديات. فلم تعد الأزمات العربية منفصلة عن بعضها، ولم تعد الحدود الوطنية قادرة وحدها على عزل الدول عن تداعيات الحروب والصراعات الإقليمية. ولذلك أصبحت الحاجة إلى العمل العربي المشترك أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
لكن إعادة الاعتبار للجامعة لا تعني إلغاء الدولة الوطنية، ولا تعني فرض نموذج وحدوي يتجاوز واقع النظام العربي. المطلوب هو إيجاد توازن جديد بين السيادة الوطنية والمصلحة العربية المشتركة؛ توازن يسمح للدول بالحفاظ على استقلال قرارها، وفي الوقت نفسه يمنحها أدوات للعمل الجماعي عندما تكون مصالحها متداخلة.
إن الجامعة العربية تعاني من ضعف مؤسساتها، وقبل ذلك من أزمة إرادة سياسية جماعية. ومع ذلك فإن تحويل هذه الحقيقة إلى ذريعة للاستسلام للعجز سيكون «خطأً تاريخياً». فالمؤسسات الإقليمية لا تصبح قوية لأنها وُلدت قوية، وإنما لأنها تتطور استجابة للحاجات التي يفرضها الواقع.
ومن ثم فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس: هل ما تزال الجامعة العربية ضرورية؟ بل: أي جامعة عربية نحتاجها؟
نحتاج جامعة لا تكتفي بتسجيل المواقف، وإنما تمتلك آليات للوساطة والوقاية من النزاعات؛ جامعة لا تنتظر الأزمات حتى تنفجر، وإنما تستبقها؛ جامعة تنظر إلى أمن الخليج وأمن المشرق وأمن البحر الأحمر وأمن شمال إفريقيا باعتبارها دوائر متداخلة؛ وجامعة تستطيع أن تجعل القرار العربي أكثر من مجرد إعلان سياسي.
فإذا ظلت الجامعة أسيرة الخلافات بين أعضائها، ستظل حدودها السياسية أضيق من حجم الأزمات العربية. أما إذا استطاعت الدول العربية الاتفاق على حد أدنى من المصالح الاستراتيجية المشتركة، فإن الجامعة يمكن أن تستعيد جزءًا من دورها بوصفها إطارا لصناعة التوازن والاستقرار.
وهكذا يصبح «سؤال الوجود» في جوهره سؤالا عن الفاعلية، ويصبح «سؤال الحدود» سؤالا عن مدى قدرة النظام العربي على تجاوز حدود الانقسام دون إلغاء سيادة دوله. وبين هذين السؤالين تتحدد مستقبل الجامعة العربية: فإما أن تظل مؤسسة للحضور الرمزي، وإما أن تتحول، بإرادة أعضائها وإصلاح أدواتها، إلى مؤسسة للفعل العربي المشترك.


