الديمقراطية رهان الحداثة
منذ إرهاصات الفكر الإنساني وتشكُّل الحضارات الأولى كما يقرر هيجل في “محاضرات في فلسفة التاريخ” مرورا بالفلسفة اليونانية وما تلاها من أنماط تفكير، ظلت الإشكالية المحورية قائمة حول أسلوب العيش المشترك رغم تباين الآراء والأذواق. ومن رحم هذه الإشكالية برزت الديمقراطية بوصفها حلا أسيسا وملاذا للتجمعات البشرية الرافضة للاستبداد. واليوم، يتجدد هذا السؤال عالميا وعربيا حول سُبل تحقيق الديمقراطية، مقترنةً بالليبرالية؛ وهو ما يناقشه ألان تورين في كتابه “ما هي الديمقراطية؟” بتفكيك مفهومها بين حكم الأغلبية وضمان حقوق الأقلية. غير أن التحدي الجوهري يكمن في كيفية إرساء الديمقراطية في الواقع العربي دون الانزلاق إلى أتون العنف والحروب، اتساقاً مع طرح توماس هوبز الذي ينفي عن العنف نجاعته. تتضاعف صعوبة ذلك في ظل تحول الشرق الأوسط إلى عرصة للتجاذبات الدولية والاختبارات العسكرية. وما حراك “الربيع العربي” إلا تجلٍّ صارخ لرغبة الشعوب في انتزاع حرياتها المسلوبة وحقها في التعددية، لا شغفاً بالقتال. وعليه، يتحدد المفهوم الجوهري للديمقراطية باعتبارها إقرارا بحقوق الإنسان، والتزاما مؤسسيا بإنفاذها لحماية الأفراد والجماعات.
ونجد أن نظرية الديمقراطية كانت موجودة منذ اليونان. لكن لم نشهد بروزها بالشكل الذي نراه اليوم إلا مع الفلاسفة الحداثيين. إذ كانت الإرهاصات الأولى للديمقراطية قد أتارها جون لوك في رسالته في التسامح، من خلال محاولته إعطاء نموذج للحكم المثالي الذي يجب أن يتبناه نظام الحكم في عصره. كما أشار بشكل واضح إلى مسألة حقوق الإنسان، وما يترتب عن حرمان الإنسان من تلك الحقوق التي أجملها في حق الملكية والحياة الكريمة وحرية التنقل وحرية الرأي (…) وأيضا سنرى الديمقراطية في مرحلة متقدمة بعد لوك في شكل الحد من السلطة، وهذا ما جاء به مونتسكيو في شكل فصل السلط. ومن خلال هذه الفكرة يمكننا حسب مونتسكيو الحد من السلطة الجائرة للحاكم، وتقييده بصلاحيات أضيق في مقابل توسيع مجال الرأي العام. حيث لا تكون السلطة في قبضة واحدة، وإنما تكون موزعة في شكل مؤسسات الدولة. كما ستكون السلطة والقوة أيضا للشعب في اختيار ممثليه وتحديد مصيره. بالتالي ستصير السلطة تمثيلية ويشارك فيها عامة الشعب.
هذه الفكرة ستنبثق إلى الوجود مع منظري الثورة الفرنسية أو ما سمي ب “عصر الأنوار” مع مفكرين أمثال جون جاك روسو وفولتير وديدرو وآخرون. ففي هذه اللحظة من التاريخ بات ومن اللازم تنزيل الديمقراطية من خلال الإطاحة بالنظام الملكي المستبد واحلال النظام الجمهوري الديمقراطي محله. أما الليبرالية فهي الغاية من الديمقراطية في ظل النظام الجمهوري. حيث أن هذا النظام يكفل مبادئ الديمقراطية ومع عملية تنزيلها يصير انبعاث الليبرالية وتحققها. فإن شعار الثورة الفرنسية “Ni dieu, ni roi, ni loi” ما كان يعني سوى مفهوم واحد وهو الحرية. أي التحرر من كل القيود التي كانت تكبل الفكر والوعي ورأي الأفراد والحرية. وأيضا حرية الملكية وحرية تقرير المصير. بالتالي سنجد أن الديمقراطية تفضي إلى الليبرالية وأن الليبرالية لا تقوم إلا على أسس الديمقراطية.
من أجل هذا صارت المطالب والأصوات تتعالى من أجل نيل ديمقراطية ليبرالية. فلماذا ديمقراطية ليبرالية؟ لأن “وجود الحقوق المدنية والتمتع بها في إطار الديمقراطية يلزمه بالضرورة ليبرالية إذ لا حقوق مدنية من دون حريات” .
عن النظرية الديمقراطية
الديمقراطية هي حكم الشعب في الموروث الثقافي اليوناني القديم. وإن من المشهور لدينا أن ساحة “الأغورا” كانت مكان اجتماع الشعب اليوناني لتداول آراءه وأفكاره وتدبير أمور حياته وسياستها. لكن “لم يعد ممكنا استيعاب شعب الدولة في مكان واحد. ونتيجة لذلك، فإن الديمقراطية المباشرة تمارس في الهيئات الصغيرة، كالأندية أو في مناسبات محددة كالانتخابات والاستفتاءات. بالتالي صارت الديمقراطية نيابية، ووفقها صار يختار الناخبون أشخاصا لتمثيلهم في البرلمان والهيئات المماثلة المخولة سن قوانين ومحاسبة السلطة التنفيذية” . فمن أجل هذا ظهرت النظريات الديمقراطية في الدولة الحديثة. ولنا في هذا الصدد استعراض نظريات كل من جان جاك روسو، وألكسيس دو توكفيل، وجون رولوز، ويورغن هابرماس.
أما جان جاك روسو فإنه يستخلص نظريته في الديمقراطية انطلاقا من مقاربة عقلانية خالصة للسياسة. “ويقوم مشروعه على تمييز جذري ما بين الإنسان الطبيعي والمواطن. فالمواطن الذي لا يسترشد إلا بعقله يدرك أنه لا يمكن لنظام اجتماعي أن يكون عادلا إلا إذا ضمن المساواة والحرية لأفراده” . فروسو يؤكد بهذا التعريف أنه لا سبيل للانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة الثقافة إلا بضمان المساواة والحرية التي هما بالضرورة يشكلان أسس الديمقراطية. كما أن المساواة والحرية هما شرطان للنظام الاجتماعي العادل. ولحدوث هذا الانتقال من التجمعات البشرية الكبيرة إلى شعب واحد في دولة واحدة هناك شرط واحد حدده روسو في العقد الاجتماعي. “فهذا العقد هو الذي يشكل الشعب بوصفه كلا واحدا، وهو الذي يخلق المواطن بوصفه فاعلا أساسيا”.
لما يترسخ هذا العقل ويصير من القوة إلى الفعل يصبح واجبا على كل فرد من الشعب الخضوع للقانون الذي انتخب عليه الشعب. بالتالي الخضوع للإرادة العامة. لكن “واجهت هذه النظرية اعتراضين: فما من شيء يجيز لنا أن نعتبر تصرفات البشر معقولة دوما. أضف إلى ذلك أنه ما زال يتعين أن نعرف كيف يتم عمليا، لا نظريا تنصيب الإرادة العامة” .
وأما ألكسيس دو توكفيل في إطار النظرية الديمقراطية فإنه يشير إلى مخاطر المساواة، إذا سادت المساواة على مستوى الشروط وغابت على مستوى الحقوق. ويبرر هذا الرأي “أنه كلما تحققت شروط المساواة انعدمت روح المنافسة، كما انعدم تعطش الفرد إلى تحقيق ذاته ليحل محله السلوك الامتثالي” . بالتالي وفي إطار الديمقراطية فإن السلطة ليست من نصيب كل أفراد الشعب كما أنها ليست للبعض منهم فقط. إنما تكون بيد أكبر عدد منهم. حيث لا سبيل لتحقيق الفرد لرضاه إلا عبر تدبير خطط صغيرة مثقلة بالأنانية في ظل الامتثال للأغلبية.
وبخصوص جون رولز ويورغن هابرماس هما الأخرين ساهما في بناء النظرية الحديث من خلال مفهومي العدالة والفضاء العام. فجون رولز “يعيد طرح مسألة التمفصل الصعب ما بين الحرية والمساواة، ويحاول تجاوز تعارضهما مستخدما فكرة العدالة. ويمكن تلخيص هذه الفكرة بأنها مجموعة من القيم والمبادئ والسلوكيات والمشاريع التي تعترف بها الجماعات وأيا كان موقعها الاجتماعي” . وأما يورغن هابرماس فقد وجه اهتمامه إلى الوسائل والشروط الممكنة لإعادة بعث الحياة في الديمقراطية لتولد من جديد. وذلك بكسر القيود الإجرائية التي تكبلها. بالتالي يورغن هابرماس سيعيد “اكتشاف الفضاء العام المتصور على أنه مكان رمزي يقوم فيه المواطنون، وقد انعتقوا من إسار وسائل الإعلام والوسائط الأخرى. بنقاش وحوار عقلانيين لمضمون العلاقة التي تجمع بينهم من حيث هم ذوات مستقلة كل منها بنفسها كي يستخلصوا قناعة مشتركة حول الصالح العام” .
وفي المجمل إن كان جان جاك روسو قد أسس للنظرية الديمقراطية الحديثة من خلال فكرة العقد الاجتماعي، فإن ألكسيس دو توكفيل صاحب الرؤية السوسيولوجية ومن بعده يورغن هابرماس وجون رولز هم من وضع للنظرية الديمقراطية الحديثة شروط اشتغالها وعملها.
عن الديمقراطية الحديثة
يعتبر آلان تورين صاحب كتاب “ما هي الديموقراطية؟” حكم الأكثرية أم ضمانات الأقلية من كبار علماء الاجتماع المعاصرين الذين اهتموا بمسألة النظرية الديمقراطية الحديثة، وكيف ينبغي التعامل معها في ظل الأنظمة الحالية وبالأخص الأنظمة الجمهورية والليبرالية. وآلان تورين استطاع من خلال كتابه هذا الإجابة عن الإشكالات العالقة وغير المفهومة حول النظرية الديمقراطية الحديثة من خلال مقاربة سوسيولوجية. بحيث يسلط الضوء على تطور النظرية الديمقراطية الحديثة. ومن أجل فهم أكثر لمقاربة آلان تورين للديمقراطية الحديثة وجب علينا استعراض بعض فقرات كتابه.
أولا سنتطرق إلى موضوع تطور الديمقراطيات الحديثة من ملكوت السياسة إلى ملكوت الاقتصاد، وهنا سيشرح آلان تورين التطور الذي صارت إليه الديمقراطية، على النحو التالي:
“فسر تطور الديموقراطيات الحديثة بطريقتين. الأولى، ترى أن الديموقراطية قد انتشرت، من جهة، مع اتساع حق التصويت واشتماله على فئات جديدة من الرجال ومن بعدهم على فئات من النساء، ومع تدني سنَ البلوغ القانوني، ومن جهة أخرى، مع ظهور ما سمي بالديموقراطية الاقتصادية أو الصناعية، ومؤخرا مع إدخال صيغ تقريرية ديمقراطية على عدد من مجالات الحياة المجتمعية. والثانية، تُعرب، بالعكس، عن قلقها إزاء تدني استقلالية الشأن السياسي في مجتمع تسيطر عليه أكثر فأكثر إما مصالح الاقتصادية وإما قواعد الدولة الإدارية هكذا نكون قد انتقلنا، على ما يرى الكثيرون من ملكوت السياسة إلى ملكوت الاقتصاد، وبالتالي من المناداة بالحرية إلى تدبر أمر الحاجات. إن التفسير الأول يصل إلى درجة من التفاؤل البالغ السطحية بحيث يفتقد قدرته الإقناعية، وعمليا من أواسط القرن السابع عشر حتى أواسط القرن التاسع عشر، ليس الديموقراطية بمقدار ما هو الدولة الحديثة بما هي وليدة العقل، فضلا عن إرادة عامة جاءت لتحل محل هرم المناصب والامتيازات في المجتمع التقليدي” .
وفي فقرة أخرى من كتابه يتحدث آلان تورين عن الباعث على ميلاد الفكرة الديمقراطية الحديثة، ويقول في هذا الصدد: “أما تكون الفكرة الديموقراطية الحديثة فقد توافق مع اضطراب هذه الصورة التي اتخذتها الدولة الجمهورية الحديثة، وبالتالي مع بروز فكرة التمثيل واتخاذها أهمية متزايدة. فالتعارض الكلاسيكي بين الديموقراطية المباشرة أو التسيير السياسي الذاتي والأنظمة التمثيلية، كان تعارضا مبررا وقائما على أسس واقعية، إذ إن الحكم الشعبي المباشر، كما تصوره روسو، كان يتفق مع فلسفة الأنوار، وكان مبدأه العقلنيّة السياسية، عقلنية المصالح الفردية وعقلنية توحُّد المجموع وتكامله،ـ مما يعني أنه كان يحدد دولةً متماهية مع مجتمع، في حين أن فكرة التمثيل أدخلت الفصل بين الممثَّلين والممثِلّين، وهو فصل كان ينبغي أن يفهم أحيانا بما هو فصل بين الطلب والعرض المتوفرين في سوق سياسية، وهذا تشبيه بين برنار مانن ضعفه وقلة جدواه لكنه يمتاز بتشديده على الاتجاه المركزي الذي اتخذته عملية الفصل بين الطلبات المجتمعية والثقافية ووظائف الحكم.
إن الاقتراع العام وصعود المطالب العمالية، هما اللذان عملا على الانتقال من الأنظمة الجمهورية التي كان يحكمها أشخاص ليبراليون في كثير من الأحيان، إلى ديموقراطيات صناعية أو إلى اشتراكيات-ديموقراطية، خاصة في أوروبا الشمالية”. وأيضا “كانت فكرة السيادة الشعبية النقطة التي انطلق منها الفكر الديموقراطي. وطالما أن السلطة تظل تبحث عن شرعيتها في التقاليد، أو في حقها بالفتح والغزو، أو في المشيئة الإلهية، فإن الديموقراطية تظل غائبة عن الأذهان. فهي لا تصبح ممكنة الوجود إلا عندما يعتبر صاحب السلطة بمثابة الممثل للشعب والمكلف بتنفيذ قرارات هذا الشعب الذي يظل صاحب السلطة الأوحد. إن هذه الفكرة تنبئ بولادة الحداثة السياسية، تنبئ بالانقلاب الذي جعل السلطة كناية عن نتاج للمشيئة البشرية عوضا عن أن تكون مفروضة بقرار إلهي، أو بموجب الأعراف والعادات، أو بناء على طبيعة الأمور” .
جذور الصراع بين الدين والدولة في التجربة الأوروبية: نهايات الاتصال وبدايات الانفصال
وهناك مسألة أخرى تندرج ضمن مبادئ النظرية الديمقراطية الحديثة عند آلان تورين، وهي مسألة التمثيلية في تحقق الديمقراطية، ويرى آلان تورين أنه “لا يسعنا اختزال الليبرالية إلى الدفاع عن مصالح البرجوازية، ولا اختزال الاشتراكية إلى التعبير عن مصالح الطبقات الشعبية، أو بصورة أدق عن مصالح الطبقة العمالية. فمثل هذا التفسير يجعل الحياة السياسية، وخاصة الديموقراطية وقفا على تمثيل المصالح المجتمعية، الأمر الذي لا يمكن القبول به. إن ما جاءت به الأفكار الليبرالية والأفكار الجمهورية هو مكسب دائم للفكر السياسي:
لا ديموقراطية بدون حد من سلطة الدولة وبدون مواطنية. ولكن قبل أن نذكر بأن الديموقراطية أيضا بدون تمثيل لمصالح الأكثرية، ينبغي التساؤل حول طبيعة الحقوق الشخصية التي تحد من سلطة الدولة وحول طبيعة المواطنية. إذ إنه إذا لم تكن الحقوق الشخصية إلا ضمانة قانونية للمصالح الشخصية، فإن الحرية السياسية تتعرض عندئذ لأن تكون أكثر من وسيلة لحماية الأقوياء والأغنياء.
إن الفكرة الليبرالية تكون مقنعة اماما عندما تقرن بين تعريف الحقوق الأساسية وبين الاعتراف بالعوائق المجتمعية وأشكال السيرة التي تقضي عليها. وهذا ما قامت به في كثير من الأحيان.
إذ توسع كثير من المفكرين الليبراليين والنفعيين بالكلام على مسألة الدفاع عن مصلحة الأكثرية، وعلى رأسهم جون ستيوارت ملّ. ولأن الرجل كان مأخوذا بالثورة الفرنسية التي لم يكن يرى فيها حكم الشعب بل حكم القادة الذين يتكلمون باسمه، فقد سعى إلى الحد من “تدخل الرأي الجماعي تدخلا شرعيا في الاستقلال الفردي” على حد قوله في كتابه “في الحرية”. ورغم معارضته أثناء صباه لأفكار بنتام ولأفكار أبيه جيمس ملّ، فإن موقفه الذي هو موقف نفعي، قاده إلى الدفاع عن المصالح الشخصية للفئات المقهورة، كالنساء اللاتي كان من أوائل المدافعين عن حقوقهن والعمال. مما جعل البعض يعتبرونه اشتراكيا. أما خصمه الفعلي فقد كان أوغست كونت المدافع عن رقابة المجتمع المطلقة على الإنسان. لذا كتب يقول: “إن السبب المشروع الوحيد الذي يبرر لطائفة ما أن تستخدم القوة ضد أحد أبناءها هو الحيلولة دون إيذاءه للآخرين”. وعلى هذا المبدأ تأسس مذهب تخل الدولة، خاصة في أواخر القرن التاسع عشر، إذ إنه أدخل مسألة العلاقات المجتمعية، مما أدى بالضرورة إلى جعل الحرية وسيلة مقاومة للسلطة التي قد تكون ذات طبيعة مجتمعية أو ذات طبيعة سياسية” .
المراجع
- تورين، آلان. ما هي الديموقراطية؟ حكم الأكثرية أم حكم الأقلية، ترجمة حسن قبيسي، بيروت، دار الساقي، 2016.
- دو كونت، جون ميشال. الديموقراطية، ترجمة حسين عيسى، دمشق، دار بترا للنشر والتوزيع، 2009.
د. عدلي الهواري، “نظريات الديمقراطية: عرض ونقاش”، مجلة عود الند، (2016).


