وسط انتظار لا ينتهي: كيف يعيش اللاجئون السودانيون استمرارية اللايقين وتآكل شروط الصمود في أوغندا؟
في الصباح، يستيقظ اللاجئ السوداني في أوغندا على يوم لا يحمل بالضرورة أخبارًا جديدة، لكنه لا يخلو من احتمالات جديدة للخسارة. قد يبدأ اليوم بالبحث عن عمل مؤقت، أو تدبير إيجار الغرفة، أو حساب ما تبقى من المال بعد شراء الطعام. وقد يبدأ بتفقد الهاتف، ومتابعة أخبار الديار، والاتصال بأحد أفراد الأسرة الذين بقوا هناك أو نزحوا إلى مكان آخر أو لجئوا إلى بلاد أخرى. وبين هذه التفاصيل الصغيرة تتوزع حياة كاملة على مسارين متوازيين: محاولة الاستقرار في مكان اللجوء، ومتابعة بلدٍ لم يعد بالإمكان العودة إليه بسهولة، ولم ينقطع الحضور النفسي والاجتماعي له في الوقت نفسه.
لا يتخذ الخوف أو اللايقين هنا صورة واحدة. فهو ليس مجرد ذكرى للقصف أو الفرار أو فقدان الأقارب، إنما بات يتحوّل إلى قلق بشأن العمل، والإقامة، والصحة، والتعليم، والعلاقات الاجتماعية، والقدرة على دفع الإيجار في نهاية الشهر. وإذا كان عبور الحدود قد أتاح النجاة من أخطار مباشرة، فإنه لم يضع حدًا للتعرض للخطر؛ إنما نقل بعض مصادره من المجال العسكري إلى المجال الاقتصادي والاجتماعي والقانوني.
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023، اضطرت ملايين الأسر إلى النزوح داخل البلاد وخارجها. وبحلول نهاية عام 2025، كان نحو 14 مليون شخص قد أُجبروا على مغادرة منازلهم منذ بداية الحرب، فيما ظل ملايين السودانيين نازحين داخل البلاد أو لاجئين في دول الجوار، وفق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وفي أوغندا، تجاوز عدد اللاجئين السودانيين اللاجئين أكثر من 90 ألفاً، بحسب بيانات المفوضية.
غير أن الأرقام، على أهميتها، لا تكشف وحدها ما يعنيه أن يعيش المرء سنواته في حالة انتظار، أو أن يصبح المستقبل مشروعًا مؤجلًا باستمرار. فالتجربة اليومية للجوء لا تُختزل في مغادرة مكان غير آمن والوصول إلى مكان أكثر أمنًا؛ إنها تتعلق أيضًا بما يحدث بعد الوصول، حين تتراجع إمكانات المساعدة، وتضيق فرص كسب العيش، وتظل العودة معلقة على تطورات لا يملك اللاجئ التحكّم فيها.
تنطلق هذه المقالة من تساءل محوري: كيف يتواصل الخوف ويتحوّل في الحياة اليومية للاجئين السودانيين في أوغندا، في ظل استمرار الحرب في السودان، وتفاقم الأعباء الاقتصادية في بلد اللجوء، وتراجع بعض شروط الحماية والاستقرار التي جعلت أوغندا ملاذًا ممكنًا؟ وكيف يحاول هؤلاء الحفاظ على حياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية وقدرتهم على الصمود، بينما تتقلص الخيارات المتاحة أمامهم؟.
من الخوف من الحرب إلى الخوف من الحياة
في التجربة الأولى للفرار، يبدو الخوف واضح المصدر. هناك قصف أو اشتباكات، وطرق غير آمنة، ومنازل يتعذر البقاء فيها، وأقارب يتفرقون تحت ضغط الأحداث. يتحدد القرار في هذه اللحظة غالبًا بمنطق النجاة: المغادرة أولًا، ثم التفكير فيما يمكن فعله لاحقًا.
لكن الخوف لا ينتهي بالوصول إلى الحدود أو الاستقرار في مدينة أوغندية مثلاً. إنه يغير موضوعه وإيقاعه. فبعد أن كان متعلقًا بما قد يحدث خلال الساعات المقبلة، يصبح متعلقًا بما إذا كان بالإمكان مواصلة الحياة خلال الأسابيع والأشهر القادمة أو حتى السنوات المقبلة.
تظهر هذه النقلة في تفاصيل تبدو عادية. صاحب متجر سابق يحاول العثور على نشاط تجاري صغير لا يحتاج إلى رأس مال كبير. خريج جامعي يبحث عن عمل لا يتناسب بالضرورة مع مؤهلاته. أسرة تعيد ترتيب نفقاتها بعد أن تكتشف أن تكاليف السكن والطعام والمواصلات تستهلك معظم دخلها. وشخص آخر يؤجل مراجعة الطبيب لأن الإنفاق على العلاج قد يعني عدم القدرة على دفع الإيجار.
لا ينبغي التعامل مع هذه الصور باعتبارها حكايات فردية مكتملة أو تجارب موحدة بين جميع اللاجئين؛ لكنها تساعد في فهم نمط أوسع وثقته تقارير عن أوضاع السودانيين في المدن الأوغندية. فقد أشار المجلس النرويجي للاجئين إلى أن كثيرًا من اللاجئين السودانيين في المناطق الحضرية وصلوا بخبرات مهنية وتجارية وتعليمية، لكنهم يواجهون فرص عمل محدودة وارتفاعًا في تكاليف المعيشة، إلى جانب ضعف الوصول إلى المساعدات الغذائية.
بهذا المعنى، ينتقل الخوف من استهداف الجسد إلى استنزاف القدرة على العيش. لا يعني ذلك أن الخطر الجسدي اختفى من ذاكرة اللاجئ أو أن الحرب فقدت تأثيرها؛ إنما إن النجاة منها أصبحت مشروطة بمواجهة أخطار يومية أقل ظهورًا، لكنها قادرة على تقويض الاستقرار تدريجيًا. وبالتالي، يصبح السؤال الذي يواجه اللاجئ مختلفًا؛ حيث ليس فقط كيف أحمي نفسي من الحرب، إنما كيف أحافظ على الحد الأدنى من الحياة في مكان لا أستطيع مغادرته بسهولة، ولا أملك فيه بالضرورة الموارد اللازمة للاستقرار؟.
أوغندا: بين سياسة الاستضافة وحدود الاحتمال
تحتل أوغندا موقعًا مهمًا في استضافة اللاجئين في المنطقة، وتستند سياستها إلى إطار قانوني يمنح اللاجئين حقوقًا تشمل حرية الحركة والعمل والحصول على الأراضي وفق الشروط المعمول بها. وقد استمرت البلاد في استقبال اللاجئين السودانيين مع تصاعد الحرب، ومنحتهم صفة اللجوء على أساس جماعي أولي منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2023.
يمثل هذا الإطار عنصرًا مهمًا في تفسير اختيار أوغندا ملاذًا، وفي فهم الفارق بين تجربة اللجوء فيها وتجارب تتسم بقيود أشد على الحركة والعمل. لكن وجود الحقوق في النص القانوني لا يعني أن ممارستها ممكنة بالقدر نفسه للجميع.
فحرية العمل، مثلًا، لا تضمن وجود وظيفة. والحق في الحركة لا يوفر تكاليف الانتقال إلى المكان الذي تتوافر فيه الفرص. كما أن الاعتراف القانوني بوضع اللاجئ لا يحل تلقائيًا مشكلات السكن، أو الاعتراف بالشهادات، أو الوصول إلى الخدمات، أو نقص رأس المال اللازم لإعادة تأسيس نشاط اقتصادي.
وعليه، تظهر هنا المسافة بين الحماية بوصفها إطارًا قانونيًا والحماية بوصفها تجربة معيشة. قد يكون اللاجئ قادرًا من الناحية القانونية على البحث عن عمل، لكنه يواجه سوقًا أو سياقاً لا يستوعب مهاراته، أو أجورًا لا تكفي لتغطية النفقات الأساسية، أو منافسة شديدة على فرص العمل غير الرسمية.
وتزداد هذه المسافة حين تتراجع الموارد الإنسانية. ففي عام 2025، حذرت تقارير أممية من أن نقص التمويل يحد من قدرة المؤسسات الإنسانية على توفير الغذاء والرعاية الصحية والتغذية وغيرها من الخدمات للاجئين في أوغندا. كما أشار المجلس النرويجي للاجئين في تقريره الصادر في أغسطس/آب 2026 إلى أن تراجع التمويل والضغط على الخدمات يفاقمان تحديات الحماية وسبل العيش، سواء في المستوطنات المخصصة للاجئين أو في المناطق الحضرية.
وبالتالي، لا يمكن فهم التحول في شعور اللاجئين بالأمان باعتباره نتيجة مباشرة لتغير موقف الدولة المضيفة وحده. فثمة فرق بين استمرار سياسة الاستضافة وبين قدرة مؤسسات الحماية والجهات الإنسانية والمجتمعات المحلية على تلبية الاحتياجات المتزايدة. ورغم ذلك، قد تظل أوغندا أكثر أمانًا من مناطق الحرب، لكن هذا لا يعني أن شروط الحياة فيها ظلت ثابتة. فالأمان ليس خاصية مطلقة للمكان؛ إنه أيضًا علاقة بين الحقوق والموارد والقدرة على استخدامها.
اقتصاد الانتظار: حين تصبح الحياة سلسلة من التسويات
في الحياة اليومية للاجئ السوداني، لا يظهر الاقتصاد دائمًا في صورة ميزانية واضحة. إنه حاضر في القرارات الصغيرة التي تحدد ما يمكن تأجيله وما لا يمكن الاستغناء عنه. تساءلات على شاكلة؛ هل يدفع إيجار الشهر كاملًا، أم يشتري الدواء؟ هل يرسل مبلغًا إلى أقارب في السودان، أم يحتفظ به للطوارئ؟ هل يقبل عملًا مؤقتًا بأجر منخفض، أم يواصل البحث عن فرصة تتناسب مع خبرته؟ وهل يستطيع الاستمرار في تعليم أطفاله إذا أصبحت الرسوم والمواصلات والاحتياجات المدرسية عبئًا يفوق دخله؟.
بالطبع، لا تعكس هذه القرارات مجرد ضائقة مالية؛ إنها تعكس تضييقًا مستمرًا لهامش الاختيار. فالأسرة التي كانت تخطط لتوسيع مشروع صغير قد تجد نفسها مضطرة إلى استخدام رأس المال لتغطية نفقات المعيشة. والشخص الذي كان يأمل في استكمال تعليمه قد يؤجل خطته عامًا بعد عام. أما من يعتمد على العمل غير المنتظم، فيعيش بين فترات قصيرة من الدخل وفترات أطول من عدم اليقين.
وقد وثق المجلس النرويجي للاجئين، في تقريره عن اللاجئين السودانيين في المدن الأوغندية، فجوة بين الحاجات الفعلية لهذه الفئة وبين أنماط الاستجابة الإنسانية التي تركز بدرجة كبيرة على المستوطنات الريفية. وأشار التقرير إلى أن اللاجئين السودانيين في كمبالا يواجهون تحديات تتعلق بانعدام المساعدات الغذائية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وضيق فرص العمل.
تكمن أهمية هذه الملاحظة في أنها تكشف أن موقع الإقامة لا يحدد فقط شكل السكن، إنما يحدد أيضًا نوع المساعدة المتاحة. فاللاجئ الحضري قد يعيش في غرفة مستأجرة داخل حي مكتظ، ويعتمد على شبكة من المعارف أو على نشاط تجاري محدود، من دون أن يكون مؤهلًا للحصول على بعض أشكال الدعم المتاحة في المستوطنات. وبين المدينة والمستوطنات، لا توجد تجربة واحدة للجوء. فلكل موقع فرصه وقيوده، ولكل أسرة مواردها وشبكاتها وقدرتها على الحركة. لكن المشترك بين تجارب كثيرة هو أن الموارد المتاحة لا تضمن الاستقرار، وأن أي اضطراب في الدخل يمكن أن يهدد التوازن الهش للأسرة.
وتتجلى هنا إحدى صور الخوف المستمر: الخوف من الانزلاق الاقتصادي. وهو خوف لا يحتاج إلى حدث استثنائي كي يتجدد؛ فقد يكفي ارتفاع الإيجار، أو توقف العمل، أو مرض أحد أفراد الأسرة، أو تأخر المساعدة المنتظرة. ومع تكرار هذه الضغوط، تتحوّل الحياة تدريجياً إلى سلسلة من التسويات المؤقتة. ولا يعود التخطيط متعلقًا بتحقيق أهداف بعيدة بقدر ما يصبح محاولة لتأمين الأسبوع التالي. وتغدو القدرة على الصمود مرتبطة بمدى إمكان تأجيل الخسارة، لا بإمكان الخروج النهائي من دائرة الهشاشة.
العودة بوصفها احتمالًا مؤجلًا
يحتل السودان موقعًا مركزيًا في حياة اللاجئ السوداني، حتى عندما يكون بعيدًا جغرافيًا. فالأخبار المتداولة عبر الهاتف، والاتصالات مع الأقارب، والصور القادمة من المدن والقرى، كلها تجعل الحرب حاضرة في الحياة اليومية داخل أوغندا.
لكن متابعة الأخبار لا تقود بالضرورة إلى وضوح أكبر. فقد تتراجع المعارك في منطقة بينما تستمر في أخرى، وقد تعود أسر إلى منازلها في مكان معين فيما تتعرض مناطق أخرى لموجات جديدة من النزوح. كما أن انخفاض مستوى القتال لا يعني بالضرورة استعادة الخدمات أو القدرة على كسب العيش أو ضمان سلامة العائدين.
تشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في موقفها بشأن العودة الطوعية إلى السودان الصادر في يونيو/حزيران 2026، إلى أن شروط العودة الآمنة والكريمة والمستدامة لا تزال غير متوافرة عمومًا، مع التأكيد على أهمية أن تكون قرارات العودة طوعية ومستنيرة.
ولا تتعارض هذه الخلاصة مع وجود عائلات قررت العودة بالفعل. فقرارات العودة تتشكل في ظروف متفاوتة، وقد ترتبط بتحسن الأوضاع في منطقة بعينها، أو بوجود أقارب قادرين على المساعدة، أو باستنفاد الموارد في بلد اللجوء. وقد أوضحت تقارير المفوضية أن بعض الأسر عادت إلى السودان في سياق تحسن نسبي في الأمن، بينما دفعت المصاعب التي واجهتها في بلدان الاستضافة أسرًا أخرى إلى العودة رغم استمرار المخاطر.
وبالطبع، هذه المفارقة أساسية لفهم اللايقين. فالعودة ليست بالضرورة انتقالًا من وضع سيئ إلى وضع جيد، كما أن البقاء ليس بالضرورة اختيارًا مريحًا بين بدائل متاحة. قد يجد اللاجئ نفسه أمام احتمالين محفوفين بالمخاطر:
البقاء في أوغندا مع موارد تتناقص، أو العودة إلى السودان حيث تتفاوت مستويات الأمن وتتضرر الخدمات والبنية التحتية.
وبذلك تصبح العودة مشروعًا مؤجلًا لا يستطيع الفرد حسمه بإرادته وحدها. فهي تعتمد على مسار الحرب، والوضع الأمني في منطقة المنشأ، وتوافر السكن، وإمكان استعادة مصادر الدخل، والقدرة على إعادة لمّ شمل الأسرة. والأهم أن القرار لا يتعلق بالمكان فقط، بل بالزمن أيضًا. فكلما طال الانتظار، تغيرت احتياجات الأسرة وأولوياتها. قد يكبر الأطفال في بلد اللجوء، أو يبدأ أحد أفراد الأسرة عملًا جديدًا، أو تتباعد الروابط التي كانت تسهّل العودة. وقد يتناقص المال الذي كان يمكن أن يمولها. وهكذا، لا يبقى الانتظار حالة ساكنة. إنه يعيد تشكيل الحياة التي يُفترض أن تنتهي بانتهائه.
الخوف القانوني والاجتماعي: هشاشة لا تظهر في الإحصاءات
لا تنحصر الهشاشة في الدخل أو السكن. فالشعور بالأمان يتأثر أيضًا بمدى معرفة اللاجئ بحقوقه، وقدرته على الوصول إلى الجهات المختصة، وفهمه للإجراءات التي تنظم وضعه القانوني.
في بيئة تتراجع فيها المساعدات أو تتعقد فيها سبل الوصول إلى الخدمات، قد يصبح الحصول على المعلومة الصحيحة مسألة حاسمة. كيف ولماذا تم تغيير حصول اللاجيء على بطاقة اللجوء من 5 سنوات الى 3 أشهر؟ ما الذي تغير وهل له علاقة بتغيرات موجة العودة الطوعية؟، هل يستطيع الشخص تجديد الوثائق المطلوبة ومتى؟ أين يتوجه للحصول على استشارة قانونية؟ ما الجهات المسؤولة عن المساعدة في الحالات الطارئة؟ وهل توجد آلية واضحة لتقديم شكوى عند التعرض للاستغلال أو الحرمان من حق؟
لا يعني طرح هذه الأسئلة أن اللاجئين السودانيين في أوغندا يواجهون جميعًا خطرًا قانونيًا متشابهًا، ولا أن الحقوق المقررة لهم قد أُلغيت، بل يعني أن الانتفاع الفعلي بالحماية يعتمد على عوامل تتجاوز وجود النص القانوني، بما فيها توافر المعلومات، والموارد، والدعم المؤسسي. وقد أظهر تقرير المجلس النرويجي للاجئين لعام 2026 أن الضغوط الواقعة على منظومة الحماية في أوغندا تؤثر في الوصول إلى الخدمات والمساعدة القانونية وسبل العيش، مع اختلاف التحديات بين المستوطنات والمناطق الحضرية.
أما اجتماعيًا، فقد يؤدي ضيق الموارد إلى تغير العلاقات داخل الأسرة ومع المحيط الاجتماعي. فحين يصبح الإنفاق اليومي موضع تفاوض دائم، قد تتزايد الخلافات بشأن الأولويات. وقد يشعر من كان يُعيل أسرته قبل الحرب بفقدان المكانة التي ارتبطت باستقلاله الاقتصادي. وقد تضطر النساء إلى تحمل أعباء إضافية في تدبير الموارد والرعاية، خصوصًا في الأسر التي فقدت أحد مصادر دخلها أو تشتت أفرادها.
كذلك يمكن أن تتغير طبيعة العلاقات مع المجتمع المضيف في أي لحظة. فالتفاعل اليومي لا يتشكل فقط من التضامن والتعاطف، وإنما يتأثر أيضًا بالمنافسة على فرص العمل والسكن والخدمات. وعندما تتقلص الموارد المتاحة للجميع، قد تتولد توترات لا ينبغي تفسيرها باعتبارها عداءً متأصلًا للاجئين، بل بوصفها جزءًا من سياق اقتصادي واجتماعي أوسع يحتاج إلى استجابة عادلة تشمل اللاجئين والمجتمعات المستضيفة معًا. ومن هنا، يتخذ الخوف الاجتماعي صورة مركبة: الخوف من العجز عن الوفاء بالالتزامات الأسرية، ومن تراجع المكانة الاجتماعية، ومن فقدان شبكات المساندة، ومن عدم القدرة على فهم ما يخبئه المستقبل القانوني والمعيشي.
الصمود بوصفه عملًا يوميًا
على الرغم من هذه الضغوط، لا ينبغي تصوير اللاجئين بوصفهم جماعة تنتظر المساعدة بصورة سلبية. فالعيش في ظروف غير مستقرة يتطلب أشكالًا متعددة من المبادرة والتكيف، وإن كانت قدرتها على معالجة الأسباب البنيوية للأزمة محدودة.
قد يبدأ الصمود بالبحث عن فرصة عمل مؤقتة، أو إنشاء نشاط منزلي صغير، أو مشاركة تكاليف السكن مع أقارب أو أصدقاء. وقد يظهر في تنظيم المصروفات، أو تبادل المعلومات عن الوظائف والخدمات، أو مساعدة أسرة أخرى في الوصول إلى جهة تقدم الدعم.
وفي بعض الحالات، تتحول الخبرة المهنية السابقة إلى مورد قابل للاستخدام في بيئة جديدة. وقد يحاول المعلم تقديم دروس أو تدريب، أو يسعى صاحب خبرة تجارية إلى تأسيس مشروع محدود، أو يستفيد شخص من مهاراته اللغوية في الترجمة والتواصل. غير أن تحويل المهارات إلى دخل يظل مشروطًا بوجود طلب في السوق، وتوافر رأس المال، وإمكان الوصول إلى الزبائن، والقدرة على تحمل المخاطر.
ولا يقل شأن الشبكات الاجتماعية عن شأن الموارد الاقتصادية. فالعلاقات بين الأقارب والأصدقاء والمعارف قد تتيح معلومات عن العمل، أو مساعدة عابرة في الإيجار، أو دعمًا عند المرض، أو إحساسًا بأن الشخص ليس وحيدًا في مواجهة المصاعب.
لكن هذه الشبكات ليست بلا حدود. فالأشخاص الذين يقدمون المساعدة يواجهون هم أيضًا تكاليف الحياة نفسها، وقد تتراجع قدرتهم على الدعم مع استمرار الأزمة. وما يبدأ بوصفه تضامنًا متبادلًا قد يتحول، تحت ضغط الحاجة، إلى علاقة مثقلة بالشعور بالواجب أو العجز عن رد الجميل.
ومن المهم، لذلك، ألا يُفهم مفهوم الصمود لتبرير نقص الحماية أو تحميل الأفراد مسؤولية تجاوز ظروف لا يملكون السيطرة عليها. فالصمود ليس بديلًا عن الحقوق، والعمل الفردي ليس بديلًا عن فرص العمل، والتضامن المجتمعي لا يستطيع وحده تعويض تراجع التمويل الإنساني. فالاعتراف بقدرة اللاجئين على المبادرة يجب أن يقترن بالاعتراف بحدود هذه القدرة. فليس كل من يعجز عن تأسيس مشروع يفتقر إلى الإرادة، وليس كل من يعتمد على المساعدة غير قادر على العمل. كثيرًا ما يكون الفارق بين النجاح والتعثر هو مقدار الموارد المتاحة، أو وجود شبكة دعم، أو القدرة على تحمل خسارة مالية إضافية.
الحياة بين مكانين: حين لا تكون النجاة نهايةً للحرب
تستمر الحرب، بالنسبة إلى اللاجئ، في صور لا تتطابق مع صورها داخل السودان. فهناك الحرب بوصفها عنفًا ماديًا يدمر المنازل ويهدد الأرواح، وهناك الحرب بوصفها انقطاعًا للعلاقات، وفقدانًا للمكانة المهنية، وتعطلًا للمشروعات، وتآكلًا للخطط التي كانت تنظم الحياة قبل النزوح. ومن ثم، لا يمكن فهم التجربة باعتبارها فصلًا واضحًا بين ماضٍ انتهى وحاضر بدأ. فالمنزل الذي غادره اللاجئ يظل حاضرًا في التفكير، والروابط الأسرية تستمر عبر الحدود، والقرارات اليومية في أوغندا قد تتأثر بما يحدث في البلاد.
وقد يكتسب هذا الارتباط أشكالًا متناقضة. فالأخبار عن تحسن الأوضاع في منطقة المنشأ قد تبعث الأمل، لكنها قد تفتح أيضًا سؤال العودة وتكاليفها. والأخبار عن تصاعد القتال قد تؤكد ضرورة البقاء، لكنها تعيد تنشيط الخوف على الأقارب والممتلكات والمستقبل. وفي الحالتين، لا تنتهي الحيرة بالضرورة، إنما تتخذ شكلًا جديدًا.
يصبح اللاجئ، بهذا المعنى، حاضرًا في مكان وغائبًا جزئيًا عن مكان آخر. فهو مطالب ببناء حياة في أوغندا، لكنه لا يستطيع دائمًا تحرير قراراته من الالتزامات والذكريات والتوقعات المرتبطة بالسودان. ولا ينبغي أن يُفهم هذا التعلق بالوطن بوصفه رفضًا للاندماج في المجتمع المضيف. فالانتماء إلى المكان الجديد، والارتباط بالمكان الأصلي، ليسا بالضرورة خيارين متعارضين. لكن صعوبة الحسم تنشأ عندما يصبح الاستقرار في أحد المكانين مشروطًا بتطورات لا يمكن التنبؤ بها في الآخر.
في مثل هذه الظروف، يتحول الزمن إلى عبء اجتماعي. فاللاجئ لا يعرف كم سيستمر بقاؤه، ولذلك يصعب عليه أن يقرر إلى أي مدى يستثمر في المكان الذي يعيش فيه. وقد يصبح الاستثمار في مشروع طويل الأجل مخاطرة، كما قد يبدو تأجيله خسارة لفرصة ربما لا تتكرر. وبالتالي فإن اللايقين هنا ليس مجرد نقص في المعلومات عن المستقبل؛ إنه وضع تتأثر فيه القدرة على الفعل بغياب ضمانات معقولة بشأن نتائج القرارات. ولهذا يمكن أن يستمر الخوف حتى في غياب تهديد مباشر، لأنه يتغذى من صعوبة التنبؤ بما سيحدث ومن ضيق الخيارات المتاحة لمواجهة الاحتمالات المختلفة.


