يقوم هذا البرنامج على أطروحة مركزية ترى المدينة فضاءً متكلماً، نصاً سياسياً، جرحاً معرفياً يرتسم فوق أجساد الساكنين، يتشكل داخل ذاكرة العمران/ المعمار.
تجمع المناقشات فضاءات جغرافية، و تجارب تاريخية متباينة، حيث تشمل الجنوب المغربي، دمشق، الخرطوم، وغرناطة. لتعمل على تأسيس لوحة متكاملة، تتبع ارتحال الكائن البشري من خيمة البداوة الصافية صوب إسمنت الحواضر المغتربة. لتقوم برصد تبدل العمران من ملاذ للألفة الإنسانية، حيث يمثل مساحة للسكينة الاجتماعية، إلى آلية للمراقبة السلطوية، أداة للعسكرة الحضرية، ساحة للصراع الرمزي الاستشراقي المعقد.
تتجاوز المناقشات المطروحة عتبات القراءة التاريخية التقليدية المستسلمة للماضي، لتحاول أن تتجه صوب تشريح الحاضر المأزوم، من أجل تفكيك بنى الواقع المعاش. وتعتمد الحوارات مقاربات نقدية عابرة للتخصصات المعرفية، تدمج علم الاجتماع، الأنثروبولوجيا والسياسة، هندسة الفضاء.
عند قراءة معظم مقترحات الأوراق البحثية سنجد أن هناك استناد على أطروحات "لوفيفر" حول إنتاج المكان، تحليلات "بورديو" لآليات العنف الرمزي، أدوات "دي سارتو" في رصد الممارسات اليومية. تستهدف الندوات فهم استراتيجيات الإنسان المعاصر، التي تعبر عن إمكانيات مواجهته تفتت الذات، وسبل مقاومته لتوغل الآلة، وتقول السياسة الفجة في تفاصيل العيش اليومي.
تضع ورقة الجنوب المغربي اليد على ديناميات التحول المجالي، تفكك صدمة الاستقرار عقب عقود الترحال البدوي الأصيل. فيما تكشف دراسات دمشق عن تراجيديا تشظي الحواضر الكبرى، و تحاول تتبع تبدل الهوية العمرانية عبر حقب سياسية متلاحقة، وصولاً إلى مرحلة تسليع الفضاء الاجتماعي،و غياب العدالة المكانية، الذي ينتج إقصاء الفئات الهشة، و محاولة تجميل الساحات كواجهات بصرية خادعة للسلطة.
لتحاول ورقة الخرطوم أن تعري بنية المدينة العسكرية، تثبت ولادة الحيز الحضري كقاعدة عسكرية مستمرة منذ التأسيس الخديوي، تخطيط كتشنر، صراعات اللحظة الراهنة. وتأتي دراسة غرناطة محاولة لفهم الصراع الرمزي المعقد بين تجميد الاستشراق الرومانسي الغربي، تكتيكات المقاومة الهوياتية في الوعي الإسلامي المعاصر.
تتكامل هذه المادة العلمية الغزيرة لتقدم صياغة فكرية جديدة لمفهوم "الحق في المدينة". يخرج البحث السوسيولوجي من الغرف المغلقة نحو أرصفة الشوارع، أزقة الأحياء الشعبية، دهاليز المدن الكبرى المعولمة.
يتبدى الفضاء العام مسرحاً لمفاوضات مستمرة، صامتة، عنيفة بين إرادة الهيمنة الفوقية، وأحلام العابرين اليومية. حيث يُمسي فحص الطراز المعماري، وتحليل خطوط السير، و أيضا رصد حركة الأجساد المتعبة في الأسواق أدوات حفرية ضرورية، وسائل أساسية لتعرية خطابات النيوليبرالية المتغولة التي تحول الفضاء المشترك لسلعة خاصة بكسب الأموال.
تختتم الفعاليات أعمالها بمختبر الفكرة، طاولة مستديرة تجمع شتات الأطروحات ضمن توليفة نظرية واحدة. يصيغ المفكرون، الباحثون، الحضور تصورات بديلة لمدن أكثر عدالة، استدامة، إنسانية في مواجهة أزمات العصر الحالية. يهدف الموسم الفكري لإنتاج كتاب مرجعي يضم الدراسات التسع المحكمة، يخلد مداخلات المشاركين، يطرح أسئلة حادة حول مستقبل العيش المشترك. يظل التساؤل المعرفي مشرعاً حول قدرة التكتيكات الصغيرة التي يبتكرها الهامش على زعزعة استراتيجيات المركز، إمكانية استعادة الإنسان المعاصر نبض المكان من براثن التشييء.
يتوخى تقديم المناقشات بهذه الشاكلة تحقيق العبور الكامل بين التخصصات المعرفية المتنوعة. حيث يدمج هذا التوجه أدوات علم اجتماع المدينة،و المقاربات الأنثروبولوجية وأطروحات فلسفة العمران.
حيث يحاول هذا المزيج المعرفي تفكيك آليات إنتاج المكان، وتحليل سبر أغوار البنى التحتية من أجل كشف ارتباط البنى الفوقية للمجتمعات. ونعمل على أن تخرج البحوث من قوالبها صوب فضاء معرفي رحب يتجاوز الحدود التقليدية بين الحقول العلمية.
يسعى هذا الأسلوب الحواري إلى قفزة نوعية تنقل البحث من عتبات الوصف السطحي الساذج إلى آفاق التفكيك النقدي الصارم. ويعري هذا المسار الخطابات التقنية التجميلية المضللة التي تمارسها السلطة الحاكمة تحت مسميات التأهيل الحضري، و ايضا تطوير الساحات العامة، ترميم الأحياء التاريخية.
يكشف التحليل الحفري الحمولات الأيديولوجية المبطنة، الأبعاد السياسية الخفية الكامنة وراء تلك المشاريع العمرانية الانتقائية، حيث يتحول الفضاء المعماري في هذا السياق من مجرد حجر صامت إلى وثيقة سياسية ناطقة تعبر عن مصالح القوى المهيمنة.
يهدف التصور المقترح إلى توليد مفهوم "المدينة الموازية" عبر خلق حوارية مقارنة موسعة. تضع هذه المقاربة بنى الهيمنة، آليات الاستبعاد الاجتماعي في مواجهة بعضها البعض عبر نماذج جغرافية متعددة. تشرح النقاشات مظاهر عسكرة الفضاء السافر في الخرطوم، تقابلها آليات تسليع المكان، إقصاء الهوامش الممنهج في دمشق المعاصرة. تضيف دراسة غرناطة بعداً آخر يوضح عمليات تجميد المدينة استشراقياً، تحويل تاريخها إلى منتج سياحي معولم يخدم استراتيجيات السيطرة الثقافية.
يتمحور الهدف الأساسي حول تأصيل مفهوم العدالة المكانية في الفكر الميداني المعاصر. يختبر البحث مدى فاعلية "التكتيكات اليومية" العفوية التي يبتكرها السكان المقيمون في الفضاءات الحضرية المأزومة.
تدرس الجلسات قدرة تلك الممارسات البسيطة الصادرة عن الفئات الهشة على مواجهة "إستراتيجيات" التسليع، كبح جماح الإقصاء الرأسمالي المتغول. تتحول الأرصفة، الأسواق العشوائية، طرقات المشاة الصامتة إلى مساحات لمقاومة التنميط، استعادة الحق الإنساني في امتلاك الحيز العام.
مسار الجلسة
أولاً، يفتتح الباحث الجلسة بطرح فرضية الورقة العلمية بشكل مركز
حيث يسلط الضوء على تراجيديا التحول المجالي متبوعاً بتعرية آليات عسكرة الحيز الحضري وصولاً إلى تفكيك سياسات تسليع المكان وإقصاء الساكنة. يستعرض العارض معطياته الميدانية مقدماً أدلته الحفرية التي تثبت تورط التخطيط العمراني في صياغة تراتبيات اجتماعية قاهرة، ليتخلى الباحث في هذه الدقائق عن دور الناقل المحايد متقمصاً دور المشرّح البنيوي الذي يستنطق صمت الحجر كاشفاً آلام البشر العابرين، الأمر الذي يتيح له وضع خطوط واضحة تلخص استراتيجية الهيمنة المتبعة في الفضاء المدروس.
ثانياً، يتلقف المناقشون خيوط العرض لتبدأ مرحلة التعقيب النقدي الصارم
إذ يربط المعقبون تفاصيل الورقة بالثيمة الكلية الحاكمة للموسم الفكري محققين الاتساق المعرفي المطلوب. تتجاوز المداخلات حدود القراءة الانطباعية متجهة صوب عقد مقارنات بنيوية جريئة تضيء المساحات المعتمة في النص البحثي، حيث تضع النقاشات مفهوم "الحميميات الباردة" الذي ميز دمشق الانتدابية في كفة ميزان تقابلها كفة "الواجهات البصرية المقْصِية" لدمشق ما بعد الأسد، مستهدفةً تتبع خيوط السياسة المعمارية كاشفةً توغل رأس المال المعاصر مع تعرية العنف الرمزي المشترك بين حقب تاريخية متباعدة ظاهرياً متطابقة جوهرياً.
ثالثاً، تتوج الحلقة مسارها بالانتقال صوب التوليف المختبري
كأعلى مراحل الممارسة المعرفية داخل "مختبر الفكرة"، حيث ينخرط الباحثون والحضور والمهتمون في عصف ذهني مفتوح يتجاوز حدود التنظير الجامد نحو ملامسة قضايا الواقع المعاش. يناقش المجتمعون مآلات العيش المشترك باحثين سبل تحقيق العدالة المكانية للفئات الهشة والمجتمعات المغيبة والأجساد المتعبة في هذه الحواضر المأزومة، لينتج عن هذا التلاقح الفكري صياغة مفاهيم بديلة قادرة على قراءة تكتيكات المقاومة اليومية مساهمةً في تدوين توصيات علمية تشكل نواة صلبة لكتاب الموسم الفكري.
حسان الناصر
باحث في علم الاجتماع و الأنثروبولوجيا
المدينة والتحولات الاجتماعية
أرشيف الجلسات والمداخلات الفكرية ضمن برنامج «المدينة والتحولات الاجتماعية»، الذي يستكشف تحولات الفضاء الحضري وأسئلة العمران والذاكرة والهوية والعدالة المكانية من خلال مقاربة عابرة للتخصصات.
المدينة في الخليج العربي: قضايا الهوية والمهاجرين — الكويت نموذجاً
د. مصطفى عطية جمعة
مشاهدة المادةتلقي المفاهيم السياسية في حقل الفلسفة الإسلامية: مفهوم المدينة نموذجاً
أ. صالح دوغو
مشاهدة المادةجدلية إنتاج وتكوين الفضاء الحضري في المدينة الخليجية المعاصرة
أ. هيا الشهواني
مشاهدة المادةغرناطة في القرن التاسع عشر: نصّ سياسي بين الاستشراق والوعي الإسلامي المعاصر
شرى نور أوزال
مشاهدة المادةيمثل هذا الأرشيف ذاكرةً مفتوحةً للبرنامج، تحفظ المداخلات وتتيح العودة إليها بوصفها مادةً للبحث والنقاش والتفكير.
