منطق العصيان: نقد والتر منيولو للحداثة وفك الارتباط بالمعرفة الكولونيالية (دراسة تحليلية)

ملخص

تتناول هذه الورقة منطق العصيان المعرفي كما يتجلى في نقد والتر منيولو للحداثة الغربية، مركّزة على تفكيك المعرفة الكولونيالية ومفهوم فك الارتباط بوصفه استراتيجية ديكولونيالية صادرة من الجنوب العالمي. ينطلق منيولو من أطروحة أساسية مفادها أن الحداثة ليست مشروعا تحرريا محايدا، بل هي بنية تاريخية ومعرفية تشكّلت في تلازم بنيوي مع الكولونيالية، وأن ادعاءها الكونية قد أُسّس على إقصاء المعارف غير الأوروبية وتهميشها. ومن هذا المنطلق، يطرح منيولو مفهوم العصيان المعرفي بوصفه ممارسة نقدية تهدف إلى مساءلة الأسس الإبستمولوجية التي حكمت إنتاج المعرفة الحديثة. يمكن تحديد إشكالية هذه الورقة في تحليل المنظور الفلسفي للمعرفة الكولونيالية في أعمال والتر منيولو، ومحاولة توضيح الأسس التي أسس لها في بنائه منظوره الخاص للحداثة. وطروحاته حول النزعة الكولونيالية والامبريالية للمعرفة الحداثية وإشكالاتها المفاهيمية. وانطلاقا من هذه الإشكالية، تحاول الورقة الإجابة عن مجموعة التساؤلات المتعلقة بالمنظور الفلسفي للحداثة عند منيولو واطروحاته المرتبطة بالعصيان وفك الارتباط مع المعرفة الكولونيالية، مثل: ما الطبيعة المعرفية للحداثة؟ وماذا يعني فك الارتباط مع المعرفة الكولونيالية؟ وماذا يُقصد بالعصيان المعرفي؟ وفي النهاية، إلى أي مدى أسهم منيولو في الدفع باتجاه بردايغم معرفي جديد لا تهيمن عليه التقاليد والنزعة المركزية الأوروبية؟ تعتمد الورقة مقاربة نقدية تحليلية تقوم على قراءة معمّقة في أعمال منيولو الأساسية، مع الاستفادة من الأدبيات الديكولونيالية وما بعد الكولونيالية ذات الصلة.

الكلمات المفتاحية: الحداثة- الكولونيالية- منطق العصيان- فك الارتباط- الجنوب العالمي

Abstract

This paper examines the logic of epistemic disobedience as articulated in Walter Mignolo’s critique of Western modernity, with a particular focus on the deconstruction of colonial knowledge and the concept of delinking as a decolonial strategy emerging from the Global South. Mignolo’s central argument is that modernity is not a neutral or universal emancipatory project, but a historical and epistemic formation intrinsically entangled with coloniality. Its claim to universality, he argues, rests upon the systematic exclusion and marginalization of non-Western epistemologies. This paper identifies its core problematic in analyzing the philosophical perspective of colonial knowledge in the works of Walter Mignolo, and in clarifying the foundational premises upon which he constructs his distinctive understanding of modernity. It examines his arguments concerning the colonial and imperial dimensions of modern knowledge and the conceptual dilemmas inherent in it. Building on this problematic, the paper seeks to address a set of questions related to Mignolo’s philosophical conception of modernity and his propositions regarding epistemic disobedience and delinking from colonial knowledge. These questions include: What is the epistemic nature of modernity? What does it mean to delink from colonial knowledge? And what is meant by epistemic disobedience? Finally, the paper asks to what extent Mignolo has contributed to advancing a new epistemic paradigm that is no longer dominated by Eurocentric traditions and orientations. Methodologically, the paper adopts a critical analytical approach based on an in-depth reading of Mignolo’s major works, complemented by engagement with broader decolonial and postcolonial scholarship.

Keywords: Modernity- Coloniality- Epistemic Disobedience- Delinking- Global South

مقدمة

يُعد الأرجنتيني والتر منيولو (Walter Mignolo)   أحد أهم مفكري الاتجاه الما بعد كولونيالي، حيث طور نهجا فريدا لفهم الهيمنة والانعتاق من خلال نقد الحداثة ونزعتها الاستعمارية والامبريالية. ومن ثم، نادى بفك الارتباط مع المعرفة الكولونيالية وعصيانها كخطوتين أساسيتين نحو تحرر دول الجنوب العالمي وتصور تأسيس مجتمعات ديمقراطية، عادلة، غير امبريالية، وغير كولونيالية. وعموما، ينطلق منيولو من أن الحداثة مشروع كولونيالي أوروبي، وفر للغرب المسوغات الأيديولوجية والعدة اللازمة ليفرض هيمنته على الجغرافيات السياسية والاجتماعية والفضاءات المعرفية غير الغربية من خلال عنف ابستيمي جعله ينفرد برسم خريطة العالم ومشكلاته ويقوم بتصنيف شعوبه واستشراف ما هو خير بالنسبة إليها.[1]

وبشكل عام، يثير مصطلح الحداثة ربكة مفاهيمية إن كان وسط الأكاديميين والمنظرين و/أو في دراسات الفلسفة والعلوم الاجتماعية، إذ ليس هناك إجماع حول ما يعنيه. فالحداثة تعني أشياء كثيرة – على حد تعبير زيجمونت بومان- حيث ترتبط عند البعض بإطار زمني تتابعي يضع أزمنة حديثة مقابل أزمنة قبل حديثة. وبالتالي، فالحداثة بهذا المعنى غالبا ما “تبدأ حالما يتوقف الزمان والمكان عن الوجود على الحالة التي كانا عليها على مدار قرون عديدة في أزمنة ما قبل الحداثة”.  بينما يصنفها البعض كفكرة تطمح إلى “التأكيد على أن الإنسان هو ما يفعله”.   مع ذلك، يبقى التوصيف التقليدي للحداثة هو أنها ثورة العقلنة والتقدم التقني ونزع السحر عن العالم. أو بعبارة أخرى، إحلال العلم مكان اللاهوت الذي بدأت إرهاصاته في أوروبا في عصر التنوير واستمر مع الثورة الصناعية.[2]

في هذا السياق، جاء طرح منيولو ليشكل لحظة مهمة في الاشتباك مع الحداثة من عدة جهات: أولا، بوصفها جهاز معرفي للاستعمار والامبريالية أو الهيمنة الغربية من جهة. ومن جهة أخرى، كموقف فلسفي و/أو ابيستمولوجيا ذات مركزية أوروبية تحمل نظرة الغرب الذي انتجها للعالم، وإن حاولت أن تخفي مواقعها الجغرافية والتاريخية والبيوغرافية، في الكثير من الأحيان.  والحال، أن منيولو يمثل صوتا نقديا بارزا ضمن التيارات ما بعد الكولونيالية، التي وظفت أدواتها النقدية في الاشتباك وفحص طبيعة التقاليد المعرفية الكولونيالية ومناظيرها الفلسفية السائدة والمهيمنة في العلوم الاجتماعية.

تهدف هذه الورقة إلى تناول المفاهيم الرئيسية في فكر منيولو مثل العصيان المعرفي وفك الارتباط وتحليل نقده للحداثة، ومنظوره حول الفرق بين مفهومي الاستعمار والكولونيالية. وكذلك محاولة فهم مقاربته حول فك هذا الارتباط مع المعرفة الكولونيالية. ومن ثم، تقييم أهمية طروحاته في سياق فهم أشكال الهيمنة وأدوات الانعتاق كنقاش مركزي ومهم يجري في سياق الفكر الديكولونيالي بشكل واسع.

المنهج

تعتمد هذه الدراسة على منهج تحليلي–نقدي يقوم على قراءة مفاهيمية معمّقة لنصوص والتر منيولو الأساسية، ضمن إطار دراسات الديكولونيالية ونقد المعرفة الحديثة. ولا يهدف البحث إلى تقديم عرض وصفي لأطروحات منيولو، بقدر ما يسعى إلى تفكيك مفاهيمه المركزية، وفي مقدمتها مفهوما العصيان الابستيمي وفك الارتباط، من خلال وضعها في سياقها التاريخي والفلسفي، ومساءلة افتراضاتها المعرفية وحدودها النظرية.

كما يستأنس البحث بالمقارنة الضمنية بين المشروع الديكولونيالي ومقاربات نقدية أخرى للحداثة، خاصة في الفلسفة السياسية ونظرية المعرفة، دون ادعاء بناء مقارنة نسقية كاملة، وذلك بهدف إبراز خصوصية طرح منيولو، وكذلك إشكالاته الداخلية. ويستند التحليل إلى نصوص أصلية للمفكر، إلى جانب قراءات نقدية معاصرة، مع الحرص على الحفاظ على مسافة نقدية بين الباحث و النصوص المدروسة.

يمكن تحديد إشكالية هذه الورقة في تحليل المنظور الفلسفي للمعرفة الكولونيالية في أعمال والتر منيولو، ومحاولة توضيح الأسس التي أسس لها في بنائه منظوره الخاص للحداثة. وطروحاته حول النزعة الكولونيالية والامبريالية للمعرفة الحداثية وإشكالاتها المفاهيمية. وانطلاقا من هذه الإشكالية، تحاول الورقة الإجابة عن مجموعة التساؤلات المتعلقة بالمنظور الفلسفي للحداثة عند منيولو وأطروحاته المرتبطة بالعصيان وفك الارتباط مع المعرفة الكولونيالية، مثل: ما الطبيعة المعرفية للحداثة؟ وماذا يعني فك الارتباط مع المعرفة الكولونيالية؟ وماذا يُقصد بالعصيان المعرفي؟ وفي النهاية، إلى أي مدى أسهم منيولو في الدفع باتجاه براديغم معرفي جديد لا تهيمن عليه التقاليد و النزعة المركزية الأوروبية؟

  1. الديكولونيالية

تحاجّ هذه الورقة بأن الاشتباك الجاد مع الإسهامات النظرية لوالتر منيولو لا يمكن أن يتم بمعزل عن فهم عام للاتجاه الديكولونيالي الذي برز بوصفه حراكًا فكريًا وأكاديميًا في أمريكا اللاتينية، بما يشمله ذلك من تاريخه، ومفاهيمه، و انشغالاته المعرفية. وعليه، تُعنى هذه الجزئية من الورقة بتناول الديكولونيالية بوصفها محاولة نقدية مكثفة لفهم العالم، ولمساءلة نظرتها إلى بنية المعرفة السائدة، وذلك انطلاقًا من كون إسهامات منيولو النظرية ومقارباته الفلسفية تقوم، في جوهرها، على تطوير مجموعة من المقولات التي طرحها عدد من المفكرين المنتمين إلى هذا الاتجاه، الذي يصفه منيولو نفسه باعتباره رابطًا فريدًا يجمع أطيافًا فكرية متعددة سعت إلى تفكيك الاستعمار وآثاره الممتدة[3].

ومن منظور تاريخي، يمكن القول إن تطور النظرية الديكولونيالية جاء نتاجًا للنقاشات الفلسفية والأكاديمية التي دارت حول سياقات الجنوب العالمي، أو الدول التي نالت استقلالها عن الاستعمار الأوروبي في أعقاب الحرب العالمية الثانية. ففي أروقة جامعات أمريكا الشمالية، سعت عدة تيارات نقدية جديدة، إن صح التعبير، إلى تحليل التفاعلات الثقافية والاقتصادية والسياسية التي تشكلت بين أوروبا ومستعمراتها السابقة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، فضلًا عن قياس التأثيرات العميقة والممتدة، وأنماط علاقات القوة والسلطة التي أفرزتها حقبة الاستعمار. وانطلاقًا من فرضية اختلال العلاقات البنيوية بين شعوب الشمال والجنوب العالمي، انتقل النقد الديكولونيالي من مجرد التشابك مع الاستعمار التقليدي، إلى مساءلة مظاهر متعددة من التحولات الحديثة، مثل العولمة الاقتصادية والثقافية، التي ضمنت هيمنة المفاهيم الغربية ونظرياتها[4].

وبوجه عام، تشير الديكولونيالية إلى محاولات التشابك النقدي مع المفاهيم والتمثيلات وعمليات إعادة الاختراع والتعميم التي سعت أوروبا من خلالها إلى تشكيل عالم تُهيمن فيه تصوراتها الذاتية. وفي هذا الإطار، تزعم هذه الورقة أن لحظة إدوارد سعيد، التي تصدى فيها للغرب وللصور التي أنتجها عن الشرق، شكّلت نقطة انطلاق لجهود فكرية مكثفة، وتيارات معرفية امتدت عبر الوطن العربي، والصين، والهند، وأمريكا اللاتينية، وأفريقيا، سعت إلى تفنيد ما صاغه “شعراء، وروائيون، وفلاسفة، وأصحاب نظريات سياسية، واقتصاديون، ومديرون إمبرياليون” عن الشعوب الأصلية، وعاداتها، وقيمها، وأساليب عيشها، وطرائق تفكيرها. ورغم أن كل تيار من هذه التيارات انتهى إلى مسار خاص به، فإن القاسم المشترك بينها كمشاريع فكرية تمثل في سعيها إلى إعادة النظر في الارتدادات المعرفية التي نجمت عن تعميم التقاليد المعرفية ونظريات الحداثة الغربية، وهو ما يتبدى بوضوح في الاتجاه الديكولونيالي[5].

نظريًا، ينطلق الاتجاه الديكولونيالي من فرضية أساسية مفادها أن مشروع الاستعمار لم ينته بانتهائه كنظام سياسي مباشر؛ إذ ظلت أشكال الهيمنة والتمييز والاستبعاد قائمة بوصفها أسسًا حاكمة للعلاقات بين شعوب الدول المُستعمِرة وتلك التي خضعت للاستعمار سابقًا، ولم يتغير سوى الإطار الذي تجلت فيه، والذي أُطلق عليه مفهوم “الكولونيالية”. وقد استدعى ذلك ضرورة مراجعة معمّقة لما اعتُبر انتهاءً لحقبة السيطرة الأوروبية. وفي مقالته المعنونة بـ«الكولونيالية والحداثة/العقلانية»، التي قدّم فيها رؤية نقدية للعلاقة بين الاستعمار الأوروبي والحداثة والمعرفة العقلانية، يشير أنيبال كيخانو إلى الديكولونيالية بوصفها عملية تهدف إلى تحرير العلاقات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية من السيطرة التي تأسست مع ما أسماه بالاستعمار الحداثي العقلاني، الذي وضع الأوروبيين في مرتبة أعلى من شعوب سائر القارات. وبعبارة أخرى، تسعى الديكولونيالية إلى تحطيم أواصر السلطة الأوروبية التي لم تتشكّل بإرادة الشعوب الخاضعة لها، وإنما فُرضت تحت ذرائع عنصرية وأيديولوجية[6]

وفي السياق ذاته، دفعت تناقضات الحداثة الأوروبية إلى البحث عن مفاهيم ونماذج بديلة يمكن أن تتجاوز الأطر الغربية السائدة. ومن هنا، يذهب نيلسون مالدونادو توريس إلى وصف الديكولونيالية بوصفها منعطفًا إبستيمولوجيًا يفتح أفق إعادة بناء تقليد معرفي جديد ذي منطلقات مختلفة. فهي محاولة لتجاوز السائد في الطروحات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الغربية، لا سيما على مستوى التقاليد المنهجية والنظرية. ومن خلال البناء على المحاجّات التي قدمتها النسويات السوداء واللاتينيات، ودراسات التابع، يشكّل الاتجاه الديكولونيالي دعوة أخرى لإعادة التفكير في الإبستيمولوجيا المهيمنة، وفي ما تنطوي عليه من علاقات سلطة. وبهذا المعنى، تمثل الديكولونيالية إطارًا نظريًا بديلًا لفهم الجذور المعرفية للعنصرية، والطبقية، والهيمنة، وأنماط السلطة السائدة في العالم المعاصر[7].

ومع ذلك، تبرز إشكالية الطرح الديكولونيالي في الأسس التاريخية التي يبني عليها محاجاته. فعلى الرغم من وجاهة التأكيد على التأثيرات السلبية العميقة للاستعمار الأوروبي في تاريخ وثقافة وبنية النظم السياسية في المجتمعات غير الأوروبية، إلا أن النظر إلى هذه التأثيرات ينبغي أن يكون أكثر تعقيدًا وشمولًا من اختزالها في الاستعمار بوصفه نقطة البداية والنهاية، أو المرجعية الوحيدة لكل أشكال الاستغلال والقهر والعنف والعنصرية خارج أوروبا. إذ إن التواريخ والمؤسسات المحلية، بدورها، شهدت أنماطًا من الاستغلال والقهر والعنف، لا يزال أثر بعضها ممتدًا إلى الحاضر.

ومن جهة أخرى، يثير تقديم العلاقات الاستعمارية ضمن ثنائية صارمة بين الشمال والجنوب العالمي إشكالات سياسية وتاريخية في آن واحد، لأنه يُغفل بعض التفاعلات المعقدة التي شهدتها فترة الاستعمار، ويتجاهل أشكال التداخل التي تتطلب تحليلًا على المستوى الكلي (الماكرو). فمثلًا، تحالفت مصر، وهي بلا شك ضمن دول الجنوب العالمي، مع بريطانيا في استعمار السودان ضمن ما عُرف بالحكم الثنائي. وعلى الرغم من أن الاتجاه الديكولونيالي يحاول تجاوز هذه الثنائية عبر إدراج اليابان ضمن القوى الإمبريالية، إلا أنه لا يمنح اهتمامًا كافيًا لتجارب استعمارية غير أوروبية، مثل الإمبراطورية العثمانية، وتتبع آثارها الممتدة.

على المستوى المفاهيمي، نجح الاتجاه الديكولونيالي في إنتاج منظومة مفاهيمية استندت إلى قراءاته النقدية للحداثة العقلانية بوصفها إطارًا مهيمنًا على الفكر الاجتماعي والسياسي، ليس في الغرب فحسب، بل في العالم بأسره، رغم تمركز تفسيراته حول أوروبا. وقد شكّل هذا الطرح تحديًا لبنية الأنظمة المعرفية السائدة التي عُمّمت أساسًا لتكريس المشروع الاستعماري وتبرير ممارسات أوروبا العنصرية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الورقة لا تدّعي الإحاطة بجميع مفاهيم الاتجاه الديكولونيالي، بل تكتفي بتناول بعضها، سواء تلك التي صاغها مفكروه مباشرة، أو التي أعادوا تقعيدها عبر اشتباكهم مع تقاليد فلسفية أخرى.

يُعدّ مفهوم «الكولونيالية» الإطار النظري المركزي في الاتجاه الديكولونيالي، إذ يشكّل الجذر الأساسي للمشكلات التي يسعى هذا الاتجاه إلى معالجتها. وقد جرى تطوير هذا المفهوم ليتجاوز الاستعمار بوصفه ممارسة سياسية واقتصادية مباشرة، ليشمل أنماط علاقات السلطة الطويلة الأمد التي خلّفها في مختلف أنحاء العالم. وتفاوتت حدة هذا الأثر من سياق استعماري إلى آخر؛ ففي الأميركيتين، أفضى الغزو الأوروبي إلى بناء واقع اجتماعي وثقافي وسياسي جديد على حساب السكان الأصليين، وهو واقع لا تزال آثاره قائمة. أما في آسيا وأفريقيا، ورغم اختلاف السياق، فقد استمرت اختلالات توازن القوة لصالح الدول الاستعمارية، سواء على مستوى الثقافة أو الاقتصاد أو السياسة أو إنتاج المعرفة.

ويُظهر مفهوم الكولونيالية أهميته التحليلية ليس فقط في الأدبيات الديكولونيالية، بل أيضًا في طروحات معظم التيارات السياسية والفلسفية والأدبية غير الأوروبية. ففي الأدب العربي، والنقد الإفريقي، والفكر السياسي الآسيوي، استُخدم المفهوم لفهم تحولات الهويات المحلية والآثار الاجتماعية لسياسات الاستعمار، فضلًا عن تحليل الهيمنة الثقافية الأوروبية التي استمرت بعد نهايته الرسمية.

ومن جهة أخرى، تزامن صعود الحداثة العقلانية في أوروبا مع بروز الرأسمالية، وهو تزامن لا يمكن فهمه دون إدراج الاستعمار ضمن سياقه التاريخي. فقد لعب الاستعمار دورًا محوريًا في تشكيل المنهج الأوروبي للمعرفة العقلانية، سواء عبر توظيف الحداثة لتبرير التفوق الحضاري المزعوم، أو من خلال استثمار الموارد المستخرجة من المستعمرات في دعم الرأسمال الصناعي والتطورات العلمية والتكنولوجية، التي أسهمت في تسريع مسار الحداثة الأوروبية مقارنة بغيرها، وفقًا للإطار الفلسفي لتشارلز تايلور حول الحداثة[8].

انطلاقًا من ذلك، يجادل الاتجاه الديكولونيالي بأن التسلط الاستعماري لم يكن مجرد غزو عسكري أو احتلال قسري، بل اقترن بقهر كولونيالي من نوع آخر، هو القهر الثقافي، الذي تجلّى في توظيف مفاهيم الحداثة العقلانية الأوروبية لتقويض الافتراضات الثقافية للشعوب المستعمَرة، والتحكم في إنتاج المعرفة والمعنى لديها. ومن هنا، يبرز مفهوم «الكولونيالية الثقافية» بوصفه مفهومًا مركزيًا يضع الاستعمار ضمن شبكة متداخلة من العمليات المعرفية والاستراتيجيات السياسية والإدارية، ويتيح تتبع جذوره الاجتماعية والتاريخية[9].

وعلى الرغم من أهمية التحليل الديكولونيالي للعلاقة العضوية بين الكولونيالية والحداثة العقلانية، فإنه يظل من الضروري الإقرار بتعدد العوامل والتواريخ التي أسهمت في نشأة الحداثة الأوروبية وتطورها[10]. كما أن بعض المساجلات الديكولونيالية تُهمل دور المقاومات المحلية والتمردات الاجتماعية ضد الاستعمار، التي أفضت بدورها إلى نشوء توترات اجتماعية وأشكال ثقافية هجينة في كثير من السياقات الاستعمارية.

ولا شك أن الفكر الديكولونيالي قد أفرز مفاهيم أخرى مركزية لم يتسن تناولها هنا، مثل «فك الارتباط»، و«العصيان الإبستيمي»، و«الجرح الكولونيالي»، و«الاستعمار الحداثي»، و«مقاومة التغريب»، وهي مفاهيم ستُناقش بتفصيل أوسع في الجزئية الأخيرة من الورقة المخصصة لفكر والتر منيولو.

وكما أُشير سابقًا، شكّل تلازم الاستعمار الأوروبي مع تطور الحداثة العقلانية منطلقًا أساسيًا لنقد الحداثة ومزاعمها ومناهجها، لا بدافع إنكار منجزاتها، بل بهدف تحديد حدودها وأقلمتها، والكشف عن مواقع إنتاجها المعرفي[11]. إذ إن المعرفة، بحسب الطرح الديكولونيالي، تُنتج دائمًا من موقع محدد داخل بنية السلطة، وضمن سياق اجتماعي معيّن، ما يجعلها مشروطة بتحيزات منتجيها وامتيازاتهم.

تحتل مسألة تعدد الأصوات والمنظورات موقعًا مركزيًا في انشغالات الديكولونيالية، من خلال الدعوة إلى تضمين التجارب والخبرات غير الأوروبية في كتابة التاريخ ودراسة الثقافة، بما يضمن قراءات أكثر شمولًا وعمقًا للظواهر الإنسانية. ويستهدف هذا التوجه تفكيك النزعة المركزية الأوروبية في مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية، وفضح علاقات المعرفة والسلطة التي أنتجتها، ورفض التعامل مع الغرب بوصفه صانعًا وحيدًا لتاريخ عالمي ذي صلاحية شاملة[12].

وخلاصة القول، تعيد الديكولونيالية، في هذه الجزئية من الورقة، توجيه النظر إلى جذور الاستعمار وآثاره الممتدة في بنية العلاقات بين الشمال والجنوب العالمي، وتكشف الجانب الوظيفي للحداثة العقلانية في تبرير الهيمنة الأوروبية، وفي الوقت ذاته، تسعى إلى تقديم بدائل معرفية غير غربية، تفتح أفقًا جديدًا لفهم العالم وإعادة التفكير في علاقات القوة القائمة فيه[13].

  1. فك الارتباط بالمعرفة الكولونيالية

ككل الديكولونياليين، تتمحوَّر الطروحات الفكرية لمنيولو حول “نقد الحداثة الغربية”. حيث تكمن حُجَّته الأساسية في اعتراضه على تقديمها كنموذج يُفترض أنه الأمثَّل للتقدم والتطور، والأهم من كل ذلك، تنكُّرها في شكل حداثة عالمية، ذلك على الرغم من حقيقة تمركز سرديتها حول أوروبا، وتاريخها الاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي. حيث يجادل منيولو في الصدد بأن فرض الحداثة ذات المركزية الأوروبية هذه كمعيار، أدى إلى تجاهل وإنكار معارف وثقافات وكذلك خبرات اجتماعية غير غربية، وبالتالي تهميش أشكال بديلة أو حداثات أخرى حول العالم.[14]

في حقيقة الأمر، يؤسس منيولو موقفه من الحداثة الغربية من واقع ارتباطها التاريخي الوثيق بالاستعمار بكل نتائجه الوخيمة. فلم تكن أوروبا قادرة، في اعتقاده، على تحقيق حداثتها والحفاظ على مسار تقدمها دون قيامها باستعمار واستغلال شعوب ودول أخرى، وبالتالي، فقد بات الاستعمار جزءً لا يتجزأ من بنية هذه الحداثة. أكثر من ذلك، من غير الممكن اليوم فهم الحداثة الغربية دون فهم وتحليل عميق لبنية الاستعمار، ليس فقط كمجرد نظام سياسي واقتصادي، كما سبق ذكره، بل كعلاقات قوى متداخلة وعمليات مركبة ومعقدة.[15]

المثير في هذه المداخلة، أنه بدلاً من تناول الحداثة كنموذج برّاق، فإن منيولو يقوم بقلب الصورة من خلال التركيز على جذور تشكُّلها وما أفرزتها الأسس النظرية التي قامت عليها من علاقات قوة وسلطة. إن ما يمكننا وصفه هنا بإلقاء الضوء على الجوانب المظلمة للحداثة الأوروبية وتأثيراتها السلبية في تشكيل العالم الحديث وعلاقات الشعوب والدول والثقافات، يقدم فهما أكثر شمولاً لها ولديناميتها، ويكشف عن كيفية اشتغالها كأداة للسيطرة والقمع الاستعماري فيما سبق، والهيمنة الكولونيالية في وقتنا الحالي.

يكشف الطرح النقدي لمنيولو – وعموم الديكولونياليين تحريا للدقة – عن التناقضات الكامنة في قلب الحداثة الغربية. مثل التناقض بين انتاج قيم الحرية والديمقراطية على المستوى التنظيري والتأملي من جهة، وممارسة الاستعمار والقمع في الواقع المعيش من جهة أخرى. بالإضافة إلى أنه يُظهر الكيفيات التي تمت من خلالها استخدام مفاهيم مثل “الحضارة” و”التقدم” لتبرير استغلال وسحق شعوب أخرى وتدمير ثقافات مغايرة[16].

في المقابل، إذا كانت الحداثة الغربية تستبعد الآخر وتهيمن عليه من خلال احتكار الحقيقة والتقدم ومزاعم القيم الكونية، فإن منيولو يقترح الاستعاضة عن هذا النموذج بمفهوم “الفكر الحدودي” أو “العقلانية الحدودية”. ويعني هذا النموذج التفكير خارج الإطار الابيستمولوجي الغربي والتفكير في الفضاء والزمن الذي صاغته الحداثة لتبرير منطقها الاستعماري. وبالتأكيد على ما طرحه بارثا شاترجي، لا يحرّض منيولو فقط على استعادة حداثات خاصة بالمجتمعات المستبعدة والتابعة من خلال “إعادة توجيه الحداثة ذات المركزية الأوروبية”، بل ويدافع عن أن الحداثة ليست الطريقة الوحيدة للتقدم. ومن ثم، يقترح بدلا عن ذلك طريق آخر هو “الديكولونيالية” التي ترتكز على العصيان المعرفي والتفكير خارج حدود المناظير الغربية وفك الارتباط.[17]

أولا، تشير الديكولونيالية في فلسفة منيولو إلى ذلك المسار المنفصل عن التغريب، والذي يؤدي إلى إنشاء مجتمع سياسي عالمي غير خاضع لعملية إعادة غربنة أو أوّروبة. وبالنسبة إليه، فإن الغاية الأساسية للديكولونيالية تكمن في تعزيز المساواة العالمية والعدالة الاقتصادية. والمهم أنها ترتبط بالفكر الحدودي كشرط ضروري لوجود مسارات مقاومة التغريب ونزع آثاره وفي هذا السياق، “تعني مقاومة التغريب، في نطاق الاقتصاد الرأسمالي، أن قواعد اللعبة والطلقات لم تعد تُسمى أو تعيّن من قبل اللاعبين الغربيين والمؤسسات الغربية.”[18]

الحال أن موضوع الديكولونيالية في طرح منيولو يتركز حول ما أسماه ب”الجُرح الكولونيالي”. أي تلك الندوب والآثار العميقة التي خلّفها الاستعمار في الجسد الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي للشعوب المُستَعمرَة، حتى وإن بدا أنه انتهى في صورته التقليدية. هذا، ومع مهمة تفكير غاية في الوضوح تتمثل في أولا، التشابك مع أشكال السكوت الإبيستيمي للمعرفة الغربية: أي الصمت المتعمد والتغييب القصدي للأصوات والخبرات غير الغربية في منظومة المعرفة السائدة. وثانيا، في الاعتراف بالحقوق الإبستيمية لأولئك الذين تم استبعادهم والحط من قدرهم على أسس عنصرية.[19]

إذن، هنا يُمكن القول إن ما يميز الكولونيالية عن الاستعمار التقليدي، بناءً على ما يحاج به منيولو وجميع الديكولونياليين. هو أنه في حين أن الاستعمار يشير إلى عملية السيطرة والتحكم المادي على الأراضي والشعوب، تشير الكولونيالية بدورها، إلى تلك النتائج السلبية والتأثيرات النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي ترتبط بالاستعمار. بمعنى آخر، الاستعمار يعبر عن احتلال سياسي تقوم به دول ضد دول أخرى، بينما الكولونيالية عملية معقدة من الاستراتيجيات غير المادية التي تعيد من خلالها هذه الدول إنتاج أشكال سيطرتها وهيمنتها، منها الابستمولوجيا.[20]

هناك مفاهيم غربية مثل الحداثة وما بعد الحداثة تجد جذورها في عصر التنوير والثورة الفرنسية، فإن منيولو يُرجع أصول الفكر الديكولونيالي إلى مؤتمر باندونج عام 1955، والذي ضم 29 دولة من آسيا وأفريقيا. كان هدف هذا المؤتمر الذي شهد ولادة الديكولونيالية هو إيجاد أرضية مشتركة ورؤية مستقبلية تتجاوز ثنائية الرأسمالية والشيوعية التي فرضتها توازنات القوى العالمية. بعبارة أخرى، التحرر من السرديات الغربية الكبرى المهيمنة، وليس إيجاد “طريق ثالث” على غرار ما طرحه أنتوني جيدنز. ثم، تلاه مؤتمر “عدم الانحياز” عام 1961 ببلغراد، وانضمت له دول من أمريكا اللاتينية جنب إلى جنب مع دول آسيا وأفريقيا، دون نسيان صدور كتاب “معذبو الأرض” لفرانز فانون أيضا عام 1961. على هذا النحو، تم وضع الأسس السياسية والمعرفية للديكولونيالية.

يؤكد منيولو بأن الموقف الديكولونيالي هو خيار وليس نموذجا عالميا جديدا يحل محل كل الذي سبقه. وواقع الحال، يفتح طرح الديكولونيالية كخيار المجال أمام طريقة تفكير جديدة ولا ترتبط بالإطار الزمني لتطور معارف ونماذج مثل: الحداثة وما بعد الحداثة، ونظريات مثل نسبية ألبرت أينشتاين والنظرية الكمية. لكن، يجب أن نعلم أن الموقف الديكولونيالي لا ينفي أهمية هذه النماذج والمعارف والنظريات، ولكنه بالمقابل، لا يعتبرها المرجع الأساسي والوحيد للمشروعية الأبستمولوجية. كما أن الديكولونيالية لا تقتصر على المساواة العالمية والعدالة الاقتصادية، بل حملت طروحاتها توكيدا على أن دول وشعوب الجنوب العالمي يجب ألا تفكر من خلال ما يراد فرضهما كنموذجين وحيدين لتوجيه الأفكار وقياس الأفعال، وهما: الديمقراطية والاشتراكية، خصوصا في اللحظة التي شهد فيها العالم انقساما أيديولوجيا حادا بين معسكر غربي رأسمالي وآخر شرقي شيوعي.[21]

بهذا المعنى، يبدو أن من الواضح أن موقف منيولو الديكولونيالي من الحداثة ونماذج تفكيرها ينبني على فكرة التجاوز وليس القطيعة. صحيح أنه ينطلق من فرضية مؤداها أن زمن الحداثة يرتكز على تجارب أوروبا التاريخية وذاتيتها المكثفة، أي ببعديها الجغرافي والاجتماعي. لكن رؤيته حول لا موضوعية نفي أهميتها كُليّاً يقيم الدليل على أنها قد – أو تحتوي فعلا – على عناصر قيّمة يمكن إعادة صياغتها واستخدامها في سياقات جديدة. بعبارة مختصرة، لا يمكننا التخلص من الحداثة، لكن يمكننا الكشف عن موقعها (أقلمتها)، ونقد تحيزاتها ومن ثم تجاوزها.

ثانيا، على ذلك النحو، يضع منيولو إطارا نظريا للتشابك النقدي مع الأبستمولوجيا الغربية يبدأ من فكرة “العصيان المعرفي”. والذي يشير إلى الرفض الكامل للأفكار ونماذج المعرفة التي فُرضت على الشعوب والثقافات الأخرى من خلال الاستعمار الغربي ومنطقه ومناهج تفكيره. وهو ما معناه، التحريض على ضرورة التفكير خارج إطار الحضارة الغربية وتاريخها – الذي عادةً ما تصوره المركزية الأوروبية على أنه المسار الأوحد للتطور البشري – والبحث عن مصادر معرفة ومناهج تفكير بديلة قد تكون – أو بلا شك – مختلفة عن تلك المهيمنة في العلوم والفلسفة الإنسانية.[22]

في هذا السياق، تجادل هذه الورقة بأن فكرة العصيان عند منيولو هي في الأساس فصل من فصول عملية نزع المركزية الأوروبية. فسعي منيولو في أطروحاته حول هذه الثيمة يبدو متمحورا حول تحقيق تغيير في الطريقة التي يتم بها فهم التوتر بين المعرفة والقوة والهيمنة الأوروبية. لذا، يمكننا تصوُّر العصيان كمنفستو لرفض شعوب ودول الجنوب السماح للغرب بتحديد مسارها السياسي والثقافي وتحديد ما يُعتبر قيّما ومقبولا أو معترفا به على مستوى المعرفة. إنها محاولة تمرد على الهيمنة الثقافية والفكرية للغرب الذي يموضع نفسه في مكان أفضلية ابستمولوجية مقابل الآخرين، وعليه يؤسس سلطته في تحديد معايير الحضارة والتقدم والمعرفة.[23] ومن ثم فهي، في تقديرنا، إعادة تأكيد الحق في الاعتراف بالخبرات الاجتماعية والثقافات دون الإشارة إلى أولوية أو عُلوية الابستمولوجيا الغربية. بالإضافة إلى أنها تمثل ذروة اللحظة التصادمية بين المركزية الأوروبية والتيارات النقدية التي لطالما قاومتها.

وفي الحقيقة، تجسد مقاربة منيولو حول العصيان الابستيمي مسارا فلسفيا جديرا بالاهتمام، والذي يتم فيه وضع سؤال التنوع الثقافي والحضاري وتعدد المسارات التاريخية – وسوف لن نبالغ إن قلنا عموم التجربة الإنسانية – في ضوء جديد. ذلك لأنه عندما يحثنا منيولو على التفكير خارج القالب الابستمولوجي التقليدي الذي وُضع مع التنوير والحداثة وتواصل مع ما بعد الحداثة – وهي كما نلحظ تجارب أوروبية بالكامل – والبحث في منابع المعرفة الأخرى، فإنه يفعل ذلك انطلاقا من تفكيره حول تنوع الثقافات في العالم الذي يجب التسليم بحقيقة تعدد تواريخه وخبراته الاجتماعية، بناءً على اختلافات الشعوب ومسارات تجاربها ضمن حدودها جغرافياتها.

مع ذلك، فإن الثقافات والخبرات الاجتماعية المستبعدة من خطاب الحداثة الغربية ومناهجها المعرفية، هي نفسها حصيلة تداخلات وربما صدامات ثقافية محلية أو داخلية. بالتالي، يمكن القول إن تناول الثقافات والخبرات الاجتماعية المحلية هذه ككل منسجم هو طرح يقوم على نوع من التبسيط الشديد، والذي صحيح أنه يساعد في عملية وضعها مقابل خطاب الحداثة الغربية[24]، لكنه في الوقت نفسه، يتجاهل، إن بقصد أو بغير قصد، حقيقة تنوعها وتناقضاتها الداخلية هي نفسها. وربما تحتاج الديكولونيالية في هذه الحالة توسيع منظورها أو العمل على تشابكها مع الظاهرة الواحدة نفسها من عدة أبعاد وفي أكثر من مستوى.

ثالثا، مثلها ومثل رواية الحداثة، تتسم عملية التأريخ لأصول الحضارة الحديثة وكتابة فصوله، من وجهة نظر ديكولونيالية بطبيعة الحال، بنزعة استبعادية للمساهمات غير الغربية. ما أدى إلى تشويه الصورة وتقديم رؤية مغلوطة ومحدودة لهذا التاريخ. وبالتالي، يظهر الحاجة الملحّة إلى إعادة كتابة التاريخ العالمي، وفهمه من منظور نقدي يشمل المساهمات الثقافية والحضارية من جميع أنحاء العالم وانطلاقا من تجارب مختلف الشعوب. وهو الحال نفسه مع بنية وطبيعة المعرفة السائدة ومناهجها وتقاليدها.[25]

وهنا، يمثل مفهوم “فك الارتباط” الذي يمكن اعتباره أحد أضلاع مشروع منيولو الفكري، وطرح فلسفي تحرري، إطار نظري يساعد في تحليل وفهم عملية التأريخ بطريقة تتجاوز التفضيلات الغربية وتقوم على مناظير أكثر شمولا وعدالة. ويعني منيولو بفك الارتباط تحرير الذات والفكر من طرائق ومناهج التفكير والمعرفة السائدة التي فُرضت مع حداثة أوروبا في زمن الاستعمار واستمرت مع الكولونيالية في وقتنا الحالي. بعبارات أخرى، تفكيك الاستعمار في مجال المعرفة من خلال الإنفصال عن المركزية الأوروبية ونماذج تفكيرها عبر الذاتيات والتوابع التي تم تهميشها في الفكر الغربي المهيمن.[26]

والحال أن الهدف من فك الارتباط كان ولا يزال، هو إزالة القيود التي وُضعت على طرائق الفهم وفي مناهج المعرفة. ومن ثم، تقديم رؤية متجاوزة تشمل تعدد العوالم وإمكانية تعايشها، حتى في ظل اختلافاتها. ويتضمن فك الارتباط أيضا، تغيير الإطارات الفكرية المستخدمة حاليا في فهم الاقتصاد وتنظيم المجتمع وتصور الإنسان أو الفرد لنفسه. والشرط الأساسي أن يكون القيام بذلك من خلال تنويع المصادر المعرفية والفلسفية والأخلاقية. ذلك انطلاقا من حقيقة أنها تنطلق أساسا من الخبرة الاجتماعية الأوروبية، وبالتالي يصعب عليها، بل وليس من الموضوعية بمكان أن تُفسَر خلالها كل الظواهر. بالإضافة إلى التشديد على فكرة أن مسار تقدم شعوب جنوب العالم، لا يجب أن يتطابق بالضرورة مع نظرائهم في الشمال.

خاتمة

إن الديكولونيالية منهج أو بالأحرى طريقة لإعادة التفكير حول الحداثة والمعرفة وبنية نظام التصورات التي تحكم العلاقة بين شعوب ودول العالم. وكذلك إنها استجابة لجرح كولونيالي لم يندمل ولا تزال آثاره باقية في العالم المعاصر. أكثر من ذلك، تحولا فكريا يقود إلى تأسيس مواقع جديدة في الزمن الاجتماعي والهوية الإنسانية، بحيث يتم فتح المجال أمام الفروق والاختلافات الثقافية والتاريخية للتفاعل فيما بينها بنوع من السلاسة.

أما والتر منيولو، فيمكن اعتباره لحظة نقدية مهمة، تسعى من خلال الطروحات المقدمة حول “فك الارتباط” و”العصيان الابستيمي” إلى تحرير المعرفة والوجود من تأثيرات الاستعمار والحداثة. بالتالي تمهيد الطريق نحو عالم متعدد الأبعاد ومتنوع الاتجاهات، ويستطيع تجنب الوقوع في فخ نماذج التفكير الكلية والاختزالية. والأهم أنه عالم بلا مشاريع تقوم على التمييز والاستبعاد والإقصاء بمبررات العرق واللون أو النوع الاجتماعي.

في نهاية المطاف، نستخلص من طروحات منيولو الفكرية ومواقفه الفلسفية أن الخيار الديكولونيالي ومقاومة التغريب ليس مجرد خيار فردي، بل هي قضية حاسمة تتعلق بمكانة الفرد والمجتمع في العالم، أفراد وجماعات الجنوب العالمي على وجه الخصوص. كذلك، أن هذه القضية لا يمكن مناقشتها أو تجاهلها فحسب، بل يجب التصدي لها بقوة وتحديد مواقف حاسمة بشأنها.

 

المراجع | References

 

  • باومان، زيجمونت. الحداثة السائلة، ترجمة حجاج أبو حجر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2016.
  • بريسون، توماس. انزياح المركزية الغربية نقد الحداثة لدى مثقفي ما بعد الكولونيالية الصينيين والعرب والهنود، ترجمة جان ماجد جبور. بيروت: مؤسسة الفكر العربي، 2019.
  • سعيد، إدوارد. الاستشراق المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة محمد العناني، القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2006.
  • منيولو، والتر. العصيان المعرفي، التفكير المستقل والحرية الديكولونيالية، ترجمة فتحي المسكيني، مجلة “ألباب”، العدد 8، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.
  • ميتشل، تيموثي. دراستان حول التراث والحداثة، ترجمة بشير السباعي، القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب، 2016.
  • Bayat, Asef. Life as Politics: How Ordinary People Change the Middle East. Stanford: Stanford University Press, 2010.
  • Bayly, C. A. The Birth of the Modern World, 1780–1914. Oxford: Blackwell Publishing, 2004.
  • Bhabha, Homi K. The Location of Culture. London: Routledge, 1994.
  • Castro-Gómez, Santiago, and Ramón Grosfoguel, eds. El giro decolonial: Reflexiones para una diversidad epistémica más allá del capitalismo global. Bogotá: Siglo del Hombre Editores, 2007.
  • Chakrabarty, Dipesh. Provincializing Europe: Postcolonial Thought and Historical Difference. Princeton: Princeton University Press, 2000.
  • Collins, Patricia Hill. Black Feminist Thought: Knowledge, Consciousness, and the Politics of Empowerment. New York: Routledge, 2000.
  • Cooper, Frederick. Colonialism in Question: Theory, Knowledge, History. Berkeley: University of California Press, 2005.
  • Dirlik, Arif. “The Postcolonial Aura: Third World Criticism in the Age of Global Capitalism.” Critical Inquiry 20, no. 2 (1994).
  • Eisenstadt, Shmuel N. “Multiple Modernities.” Daedalus 129, no. 1 (2000): 1–29.
  • Escobar, Arturo. “Worlds and Knowledges Otherwise: The Latin American Modernity/Coloniality Research Program.” Cultural Studies 21, no. 2–3 (2007).
  • Fanon, Frantz. The Wretched of the Earth. Translated by Constance Farrington. New York: Grove Press, 1963.
  • Go, Julian. Postcolonial Thought and Social Theory. Oxford: Oxford University Press, 2016.
  • Grosfoguel, Ramón. “The Epistemic Decolonial Turn.” Cultural Studies 21, no. 2–3 (2007).
  • Guha, Ranajit. Dominance without Hegemony: History and Power in Colonial India. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1997.
  • Lugones, María. “The Coloniality of Gender.” Worlds & Knowledges Otherwise 2 (2008).
  • Maldonado-Torres, Nelson. “On the Coloniality of Being.” Cultural Studies 21, no. 2–3 (2007): 240–270.
  • Maldonado-Torres, Nelson. Against War: Views from the Underside of Modernity. Durham: Duke University Press, 2008.
  • Mamdani, Mahmood. Citizen and Subject: Contemporary Africa and the Legacy of Late Colonialism. Princeton: Princeton University Press, 1996.
  • Mignolo, Walter D. “Epistemic Disobedience, Independent Thought and De-Colonial Freedom.” Theory, Culture & Society 26, no. 7–8 (2009): 159–181.
  • Mignolo, Walter D. Local Histories/Global Designs: Coloniality, Subaltern Knowledges, and Border Thinking. Princeton: Princeton University Press, 2000.
  • Mignolo, Walter D. The Darker Side of Western Modernity: Global Futures, Decolonial Options. Durham: Duke University Press, 2011.
  • Mignolo, Walter D., and Arturo Escobar, eds. Globalization and the Decolonial Option. London: Routledge, 2010.
  • Mignolo, Walter D., and Catherine E. Walsh. On Decoloniality: Concepts, Analytics, Praxis. Durham: Duke University Press, 2018.
  • Ngũgĩ wa Thiong’o. Decolonising the Mind: The Politics of Language in African Literature. London: James Currey, 1986.
  • Quijano, Aníbal. “Coloniality and Modernity/Rationality.” Cultural Studies 21, no. 2–3 (2007): 168–178.
  • Quijano, Aníbal. “Coloniality of Power and Social Classification.” Journal of World-Systems Research 6, no. 2 (2000).
  • Quijano, Aníbal. “Coloniality of Power, Eurocentrism, and Latin America.” Nepantla: Views from South 1, no. 3 (2000).
  • Said, Edward W. Orientalism. New York: Vintage Books, 1978.
  • Spivak, Gayatri Chakravorty. “Can the Subaltern Speak?” In Marxism and the Interpretation of Culture, edited by Cary Nelson and Lawrence Grossberg, 271–313. Urbana: University of Illinois Press, 1988.
  • Taylor, Charles. Modern Social Imaginaries. Durham: Duke University Press, 2004.
  • Wallerstein, Immanuel. The Modern World-System. New York: Academic Press, 1974.
  • Walsh, Catherine. “Interculturality and Decoloniality.” Cultural Studies 21, no. 2–3 (2007).
  • Wolfe, Patrick. “Settler Colonialism and the Elimination of the Native.” Journal of Genocide Research 8, no. 4 (2006): 387–409.
  • Young, Robert J. C. Postcolonialism: An Historical Introduction. Oxford: Blackwell, 2001.

[1] والتر منيولو، العصيان المعرفي، التفكير المستقل والحرية الديكولونيالية، ترجمة فتحي المسكيني، مجلة “ألباب”، العدد 8، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.

[2] زيجمونت باومان، الحداثة السائلة، ترجمة حجاج أبو حجر، (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2016)، ص 50.

[3] Mignolo, Walter D. The Darker Side of Western Modernity: Global Futures, Decolonial Options. Durham: Duke University Press, 2011.

[4] Escobar, Arturo. “Worlds and Knowledges Otherwise.” Cultural Studies 21, no. 2–3 (2007), p.  179–210.

[5] Quijano, Aníbal. “Coloniality of Power, Eurocentrism, and Latin America.” Nepantla 1, no. 3 (2000), p. 533–580.

[6] Grosfoguel, Ramón. “The Epistemic Decolonial Turn.” Cultural Studies 21, no. 2–3 (2007), p.  211–223.

[7] ينظر إلى : Castro-Gómez, Santiago, and Ramón Grosfoguel, eds. El giro decolonial. Bogotá: Siglo del Hombre, 2007.

[8]  ينظر  إلى : Taylor, Charles. Modern Social Imaginaries. Durham: Duke University Press, 2004.

[9] يمكن العودة إلى : Bayat, Asef. Life as Politics. Stanford: Stanford University Press, 2010.

[10] ينظر  إلى : Mignolo, Walter D. Local Histories/Global Designs. Princeton: Princeton University Press, 2000.

[11] Eisenstadt, Shmuel N. “Multiple Modernities.” Daedalus 129, no. 1 (2000): 1–29.

[12] ينظر إلى : Chakrabarty, Dipesh. Provincializing Europe.

[13] ينظر إلى: Mignolo, Walter D., and Arturo Escobar, eds. Globalization and the Decolonial Option. London: Routledge, 2010.

[14] Walter D. MIgnolo, Geopolitics of sensing and knowing on (de)coloniality, border thinking and epistemic disobedience, Postcolonial Studies, Vol. 14, No. 3, pp. 273-283, 2011.

[15] Walter D. Mignolo and Catherine E. Walsh, On Decoloniality concepts, analytics, and praxis, duke university press Durham and London 2018.

[16] يمكن العودة إلى: Young, Robert J. C. Postcolonialism: An Historical Introduction. Oxford: Blackwell, 2001.

[17] يمكن للقارئ الاتجاه إلى : Mignolo, Walter D., and Catherine Walsh. On Decoloniality. Durham: Duke University Press, 2018.

[18] ينظر إلى : Mamdani, Mahmood. Citizen and Subject. Princeton: Princeton University Press, 1996.

[19] يمكن الرجوع إلى : Ngũgĩ wa Thiong’o. Decolonising the Mind. London: James Currey, 1986.

[20] Fanon, Frantz. The Wretched of the Earth. New York: Grove Press, 1963.

[21] يمكن العودة إلى : Spivak, Gayatri Chakravorty. “Can the Subaltern Speak?” In Marxism and the Interpretation of Culture, edited by Cary Nelson and Lawrence Grossberg, 271–313. Urbana: University of Illinois Press, 1988.

[22] Mignolo, Walter D. ‘DELINKING’, Cultural Studies, 21:2, p. 449 -514.

[23] Ibid.

[24] يمكن العودة إلى : Santos, Boaventura de Sousa. The End of the Cognitive Empire: The Coming of Age of Epistemologies of the South. Durham: Duke University Press, 2018.

[25] Mignolo, Walter D. “Epistemic Disobedience, Independent Thought and De-Colonial Freedom.” Theory, Culture & Society 26, no. 7–8 (2009): 159–181.

[26] يمكن النظر الى : Mignolo, Walter D., and Arturo Escobar, eds. Globalization and the Decolonial Option. London: Routledge, 2010.

المقال التالي

جذور الصراع بين الدين والدولة في التجربة الأوروبية: نهايات الاتصال وبدايات الانفصال

جذور الصراع بين الدين والدولة في التجربة الأوروبية: نهايات الاتصال وبدايات الانفصال

Scroll to Top