التقرير الختامي للندوة الدولية الأولى للشباب الإفريقي-2026-

4 دقائق

نظّمت حلقة عابرون للدراسات العابرة للتخصصات الندوة الدولية الأولى للشباب الإفريقي تحت عنوان: “إفريقيا في مفترق القرن الحادي والعشرين: آفاق التحرر وإعادة رسم الخريطة المعرفية”، وذلك بشراكة مع مؤسسة حوارات جيل الثورة، ومؤسسة جيسكا، ومنظمة Bizim Afrika، خلال الفترة الممتدة من 28 إلى 29 مارس 2026. وقد انعقدت هذه الندوة ضمن سياق فكري وجيوسياسي يتسم بتصاعد النقاش حول موقع إفريقيا في النظام العالمي، وبروز اتجاهات نقدية تسعى إلى تفكيك البنى المعرفية التي تشكّلت في ظل المرحلة الاستعمارية، وإعادة بناء أدوات إنتاج المعرفة انطلاقا من الشروط التاريخية والثقافية الخاصة بالقارة.

إنطلقت الكلمة الافتتاحية من فرضية مفادها أن التحدي الإفريقي الراهن لم يعد مقتصرًا على قضايا التنمية أو بناء الدولة، بل امتد ليشمل إعادة تعريف “المخيال” وأدوات التفكير، بما يسمح بإنتاج معرفة تنبع من السياقات المحلية بدل الاكتفاء باستيراد النماذج الجاهزة. ويأتي هذا الطرح منسجمًا مع أدبيات ما بعد الكولونيالية ونزع الاستعمار المعرفي التي طوّرها باحثون مثل Walter Mignolo وAchille Mbembe، والتي تؤكد على ضرورة إعادة توزيع سلطة إنتاج المعرفة عالميًا.

أكدت الندوة أن الاستعمار لم يعد مجرد حدث تاريخي انتهى، بل بنية ممتدة تُعيد إنتاج نفسها عبر آليات معرفية وثقافية، وهو ما يستدعي مشروع “تصفية الاستعمار المعرفي” الذي لا يقتصر على إنهاء الهيمنة السياسية، بل يمتد إلى تحرير البنى الذهنية. في هذا السياق، يتم استلهام أطروحات مفكرين مثل Felwine Sarr حول “الأفروتوبيا”، التي تدعو إلى بناء نموذج حضاري إفريقي يستند إلى الذاكرة التاريخية والإمكانات الذاتية، مع الانفتاح على المستقبل دون الوقوع في التبعية للنماذج الغربية.

من الناحية التقنية والتنظيمية، استقطبت الندوة نحو 200 مشارك، وهو عدد يعكس طابعًا مهم يتناسب مع طبيعة الفعاليات الفكرية التي تركز على التفاعل والنقاش العميق. وقد تميز الحضور بتنوع جغرافي يشمل دول من: السودان، مصر، نيجيريا، السنغال، المغرب، والجزائر، والصومال وغيرها من الدول العربية و الافريقية  وهو توزيع يعكس حضورًا متوازنًا بين إفريقيا العربية وإفريقيا جنوب الصحراء، إضافة إلى تنوع لغوي وثقافي بين الفضاءين الأنغلوفوني والفرانكوفوني. هذا التنوع لم يكن مجرد معطى إحصائي، بل شكل عنصرًا بنيويًا في بناء النقاشات، حيث أتاح مقارنات بين تجارب سياسية واجتماعية مختلفة، وأسهم في إثراء المداولات الفكرية.

امتدت الندوة على يومين، وتضمنت جلسات متعددة موزعة على مسارات متوازية، مع اعتماد نموذج الجلسات التفاعلية التي تتيح فتح باب النقاش بعد كل مداخلة. وقد شملت المحاور قضايا متنوعة، من بينها التمثيل الرقمي للهوية لدى جيل “زد” عبر منصات مثل تيك توك، وتحليل التحولات في الوعي الرقمي، بما يعكس إدراكًا متزايدًا لدور الفضاء الرقمي في إعادة تشكيل الهويات. كما تناولت الندوة إشكالية “السيادة الرقمية” بوصفها امتدادًا لمفهوم السيادة في العصر الحديث، حيث لم تعد الهيمنة مقتصرة على المجال العسكري أو الاقتصادي، بل أصبحت تشمل الفضاء الرقمي والخوارزميات.

في جانب آخر، خصصت الندوة محورًا مهمًا لتحليل الحالة السودانية من منظور تاريخي وبنيوي، حيث تم استعراض مسار البلاد منذ أواخر القرن التاسع عشر مرورًا بثورات 1964 و1985 وديسمبر 2019، وصولًا إلى الحرب الحالية. وقدم الطرح تحليلًا يربط بين تعقيدات البنية الاجتماعية، وصراع النخب، والتدخلات الخارجية، معتبرًا أن الأزمة السودانية تعكس نمطًا أوسع من أزمات الدولة في إفريقيا، حيث تتداخل العوامل الداخلية والخارجية بشكل معقد. كما تم طرح مفهوم “التحرر الناقص” للإشارة إلى أن الاستقلال السياسي لم يتحول بالضرورة إلى سيادة كاملة، وهو ما يتقاطع مع نقاشات أوسع حول حدود الدولة الوطنية في الجنوب العالمي.

وتناول محور آخر قضية التطبيع من زاوية تحليلية، باعتبارها مؤشرًا على استمرار أنماط التبعية السياسية والاقتصادية، مع ربطها بالقضية الفلسطينية بوصفها اختبارًا أخلاقيًا لمصداقية المشاريع التحررية في العالم العربي والإفريقي. وقد تم تقديم هذا الطرح في إطار فكري وليس عاطفي، حيث يُنظر إلى القضية الفلسطينية كجزء من منظومة أوسع من صراعات الهيمنة في النظام الدولي.

كما ناقشت الندوة موضوع الدولة الاجتماعية في إفريقيا من منظور نقدي، حيث تم تحليل مدى قدرتها على تحقيق العدالة الاجتماعية في ظل هيمنة السياسات النيوليبرالية. وتم استلهام مقاربات “الأفرو-مستقبلية” لإعادة تصور الدولة، بما يسمح بالانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء القدرات، مع إدماج القيم المحلية في السياسات العامة.

وفي ما يتعلق بالهوية الثقافية، تم تناول تمثلات الهوية الأمازيغية في السرد المغربي من خلال تحليل أدبيات معاصرة، مع التركيز على دور الأدب في إعادة كتابة التاريخ واستعادة الذاكرة الجماعية، في إطار مقاربة ما بعد كولونيالية. كما تم التطرق إلى اقتصاد المعرفة، حيث ناقشت إحدى الأوراق سبل انتقال إفريقيا نحو اقتصاد قائم على الابتكار، مع الاستفادة من تجارب دول مثل الصين والهند، والتأكيد على أهمية الاستثمار في البنية التحتية الرقمية ورأس المال البشري.

وفي الإطار النظري الأوسع، طرحت الندوة مفهوم “الأفريكولوجيا” بوصفه إطارًا إبستمولوجيًا يسعى إلى بناء تعددية معرفية تنطلق من إفريقيا، مع رفض الاحتكار الغربي للمعرفة. ويستند هذا الطرح إلى أعمال فكرية تدعو إلى “العصيان الإبستمولوجي” وتبني رؤية كونية منفتحة، تقوم على الاعتراف بتعدد طرائق فهم العالم.

من حيث التقييم العام، تعكس الندوة محاولة جادة لبناء خطاب معرفي إفريقي بديل، يقوم على إعادة تعريف العلاقة بين المعرفة والسلطة، وربط المحلي بالكوني، والتأكيد على دور الشباب كفاعلين في إنتاج المعرفة. إلا أن التحدي الأساسي يظل في الانتقال من المستوى النظري إلى التطبيق العملي، أي تحويل هذه الرؤى إلى سياسات وبرامج قادرة على إحداث أثر ملموس في الواقع السياسي والاجتماعي داخل القارة.

المقال التالي

منطق العصيان: نقد والتر منيولو للحداثة وفك الارتباط بالمعرفة الكولونيالية (دراسة تحليلية)

منطق العصيان: نقد والتر منيولو للحداثة وفك الارتباط بالمعرفة الكولونيالية (دراسة تحليلية)

Scroll to Top