مراجعة كتاب: الذكاء الاصطناعي وأبحاث الدماغ: الشبكات العصبية، والتعلم العميق، ومستقبل الإدراك
مراجعة كتاب
اسم المؤلف :باتريك كراوس|عنوان الكتاب: الذكاء الاصطناعي وأبحاث الدماغ: الشبكات العصبية، والتعلم العميق، ومستقبل الإدراك| الناشر: Springer Berlin, Heidelberg،|السنة:2024، عدد الصفحات:260 ISBN [978-3-662-68980-6].
Authors: Patrick Krauss | Book Title: Artificial Intelligence and Brain Research: Neural Networks, Deep Learning and the Future of Cognition | Publisher: Springer Berlin, Heidelberg| Published: 2024 | Number of Pages : 260 |eBook ISBN: 978-3-662-68980-6.
أدى الصعود المتسارع لنماذج التعلم العميق والذكاء الاصطناعي التوليدي إلى إحياء واحد من أقدم الأسئلة في العلوم المعرفية، وهو: ما الذي يمكن أن تعلمنا الآلات الذكية عن العقل البشري؟ يتناول د. باتريك كراوس في كتابه “الذكاء الاصطناعي وأبحاث الدماغ: الشبكات العصبية والتعلم العميق ومستقبل الإدراك”، هذا السؤال من خلال الجمع بين مجالين تطورا بتوازٍ في الفترة ما بعد خمسينيات القرن الماضي، وهما الذكاء الاصطناعي وعلم الأعصاب. في هذا الكتاب ذي الصبغة البينية التخصصات يسعى د. كراوس إلى عرض قضايا الذكاء الاصطناعي المعاصر وتلخيص أبحاث الدماغ الآنية، بالإضافة إلى مساهمته المهمة في توضيح سبب اعتماد مستقبل كلا التخصصين على تكاملهما، وضرورة الانتباه إلى حاجة العلم إلى الفلسفة لتوسيع سبل النقاش حول القضايا الإبستيمولوجية للعلم والتقنية.
يقدم د. كراوس كتابه على أنه محاولة للربط بين الذكاء الاصطناعي وعلم الأعصاب. في مقدمة الكتاب، يطرح حجة فحواها أن أهداف هذين المجالين متكاملة في جوهرها؛ إذ يسعى الذكاء الاصطناعي إلى بلوغ مستوى الإدراك البشري، في حين تسعى علوم الأعصاب إلى فهم هذا الإدراك. وبناء على ذلك، يهدف الكتاب إلى تزويد القراء بالأسس المفاهيمية الضرورية لفهم تقارب المجالين. وقد تعمد د. كراوس التركيز على ما يصفه بـ “الحد الأدنى النظري” الضروري لفهم الأسئلة الكبرى، والتحديات، والفرص الناشئة عند نقطة التقاء هذين المجالين، بدل الإغراق في الاستفاضة التقنية والتفاصيل النظرية المتخصصة، وهي نقطة تعد من مزايا هذا الكتاب.
جاء الكتاب إلى أربعة أقسام رئيسة؛ حيث يعرض القسم الأول الأسس البيولوجية للإدراك، كبنية الجهاز العصبي، والذاكرة، واللغة، والوعي، والإرادة الحرة. أما القسم الثاني فقد ركز على الذكاء الاصطناعي، متناولا الشبكات العصبية، والتعلم بالتعزيز (reinforcement learning)، والذكاء الاصطناعي التوليدي، والنماذج اللغوية الضخمة مثل نموذج (ChatGPT). أما القسم الثالث فيتناول التحديات التي تواجه كلا من الذكاء الاصطناعي وعلم الأعصاب، في حين يستكشف القسم الأخير سبل التكامل بينهما، باحثا عن كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي أداةً لخدمة أبحاث الدماغ، وكيف يمكن لعلم الأعصاب أن يفيد في عملية تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، وكيف يمكن لكل مجال منهما أن يُسهم في تفسير الآخر.
من أبرز السمات المميزة للكتاب، التي لا يجب أن يفوتنا الإشادة بها، سهولة فهمه والتعاطي مع محتواه. إذ أبان د. كراوس عن تمكن في شرح المفاهيم العلمية المعقدة دون الإخلال بجوهرها والمتعارف عليه من حدِّها داخل التخصص. حيث عُرِضت المفاهيم المهمة في الذكاء الاصطناعي وعلم الأعصاب، مثل: العصبونات (neurons)، والمرونة العصبية (neuroplasticity)، والشبكات العصبية (neural networks)، والتعلم المعزز بجلاء، وقد أرفق ذلك بخطاطات تمثيلية للمفاهيم المعروضة في الكتاب. وهذا ما يجعل القراء من خارج التخصصات التقنية قادرين على مواكبة الأفكار، في حين سيجد المتخصصون أفكارا جديدة للربط بين التخصصين.
استخدم كراوس قصة “العميان والفيل” لعرض فكرة ضرورة التفاعل البيني في العلوم المعرفية. هذه الفكرة يمكن اعتبارها، الرافد الأساس الذي بنيت عليه أطروحة أنه لا يوجد تخصص واحد قادر على تفسير الإدراك تفسيرا وافيا بمعزل عن التخصصات الأخرى، وأن تحصيل أي تقدم ملحوظ في فهم الإدراك يقف على ضرورة تضافر الجهود وبين علم الأعصاب، وعلم النفس، واللسانيات، والفلسفة، وعلوم الحاسوب، والذكاء الاصطناعي. ولا تغيب هذه الرؤية متعددة التخصصات عن طيات الكتاب جلِّه، وهو ما يمكن اعتباره ميزة مهمة لهذا الكتاب في حقل الدراسات البينية.

صورة: الرجال العميان والفيل. كل واحد منهم يلمس جزءً مختلفا من الفيل، وبناء على ذلك، يتوقع أن ذلك الشيء الملموس شيئا معينا حيث يكون توقعه مختلفا عما يتوقعه الشخص الآخر الذي لمس جزءً مختلفا من الفيل. يرمز الفيل هنا إلى الذهن/الدماغ، ويمثل العميان الستة العلوم المختلفة التي تدرس الذهن/الدماغ؛ حيث إن الفهم الشامل لا يتأتى إلا من خلال التعاون والتبادل المعرفي بين مختلف التخصصات.
بالنسبة للقراء المهتمين بعلم الأعصاب، يعرض القسم الأول نظرة عامة وموجزة لكنها غير مخلة وغنية بالمعلومات حول بنية الدماغ. يناقش فيها العصبونات، والتشابكات العصبية، والمرونة العصبية، وأنظمة الذاكرة، واللغة، والوعي، بأسلوب يركز على الأسس الحاسوبية من دون الإفراط في التفاصيل البيولوجية. وتُعد مناقشته للمرونة العصبية مهمة جدا؛ إذ يربط مبدأ المرونة العصبية في الدماغ بتطبيقاته الممكنة في بناء أنظمة التعلم الآلي، وهذا الربط، بدون شك، يوضح للقراء كيف يمكن للأسس البيولوجية أن تلهم التقدم العلمي في أبحاث الذكاء الاصطناعي.
الجودة التي ظهرت في الفصول الأولى المخصصة لعلم الأعصاب واكبت الفصول التي تطرق المؤلف فيها للذكاء الاصطناعي، حيث لم يعرض الذكاء الاصطناعي في أسسه التقنية من حيث بنيته الخوارزمية والنمذجة الرياضية، ولكنه تفاعل معه في سياقه التاريخي والفكري مستلهما مبادئه من العلوم المعرفية وعلم الأعصاب. وقد ظهر هذا الأمر جليا في مناقشة بعض المواضيع مثل التعلم المعزز، والذكاء الاصطناعي التوليدي، والنماذج اللغوية، من حيث كونها أدوات لاستكشاف (أو الإجابة “مع ضرورة الحذر في استعمال هذه الكلمة في هذا السياق”) عن تساؤلات حول الإدراك نفسه. وهذا العرض هو ما ميز الكتاب عن العديد من كتب الذكاء الاصطناعي الشائعة التي تركز على التطبيقات الصرفة أو الاتجاهات التقنية.
يمكن اعتبار القسم الأخير من الكتاب أهمَّ إسهاماته؛ وذلك راجع إلى أنه يعرض لفكرة أن الذكاء الاصطناعي وعلم الأعصاب قد دخلا في مرحلة تبادل النتائج المتوصل إليها. فالذكاء الاصطناعي يعد أداة لتحليل البيانات العصبية وبناء نماذج حاسوبية للإدراك (computational models of cognition)، في حين أن علم الأعصاب، من حيث كونه مصدر فهم البنية البيولوجية للدماغ، يلهم بناء خوارزميات وأساليب جديدة للذكاء الاصطناعي، وما أمر الشبكات العصبية التكرارية (recurrent neural networks) ببعيد، إذ أنها تشابه آلية عمل الدماغ من حيث مبدئ التكرارية. وتتجلى هذه العلاقة التبادلية في مجالات ناشئة وناتجة عن هذا الترابط مثل علم الأعصاب المعرفي الحاسوبي، الذي يسعى الباحثون المختصون فيه إلى دمج المناهج البيولوجية والاصطناعية في منهج مشترك لدراسة الذكاء عند البشر والأنظمة الحاسوبية.
وعلى الرغم من أن الكتاب له سمات مميزة عديدة قد أتينا على بعضها، إلا أننا نجد ما ننتقده عليه، وهو ما نعرضه بإيجاز: أولا، محاولة استيعاب أغلب القضايا في التخصص قد أثرت على التعمق في بعض القضايا المهمة الأخرى. حيث سيجد المتخصصون في علم الأعصاب أو التعلم الآلي عرض بعض القضايا ذا طابع تمهيدي ومبسط في بعض الأحيان. أما القراء الذين يتغيّيون فهم الأسس الرياضية المفصلة للتعلم العميق، أو النمذجات الحاسوبية، أو علم وظائف الأعصاب (neurophysiology)، فلا مناص لهم من الرجوع إلى مصادر أكثر تخصصا.
ثانيا، بعض الأفكار الواردة في الكتاب مازالت محل نظر علمي وفلسفي؛ على سبيل المثال، يشير الكتاب إلى أن (ChatGPT) قد اجتاز اختبار تورينج (Turing test) بنجاح، ويقدم الإنجاز وكأنه الغاية القصوى للذكاء الاصطناعي، إلا أنه لا يزال محل نظر في مجالي الذكاء الاصطناعي والعلوم المعرفية. إذ ما زال النقاش محتدا بين الفلاسفة والعلماء المعرفيين حول أن الإنتاجية اللغوية لا يمكن اعتبارها إثباتا للفهم الحقيقي أو الوعي كما هو مناقش في حجة الغرفة الصينية التي عرضها الفيلسوف جون سورل (John Searle)، والتي مازال صداها يتردد إلى الآن. لا شك أن الكتاب لا يغفل بعض هذه الأفكار إلا أنه يظهر للقارئ أنه يتبنى المنظور الوظيفي بشأن آثار نماذج الذكاء الاصطناعي على نظريات الإدراك.
ثالثا وأخيرا، فيما يتعلق بعرض ومعالجة الأطر النظرية البديلة، يعرض الكتاب “الوظيفية” في الذكاء الاصطناعي بتأييد جلي لما أرساه رائدها الأول آلان تورنغ (Alan Turing) فيما يخص معيار إسناد صفة الذكاء للآلات. إلا أن وجهات النظر الأخرى لا تأخذ حظها من الاهتمام إلا بنسبة محدودة. ولذلك، فإن القراء غير المطلعين على المناقشات النظرية الجارية سيعتقدون أن “الوظيفية” تحظى بإجماع أكثر مما هي عليه في الواقع.
خلاصة عامة، يحقق كتاب “الذكاء الاصطناعي وأبحاث الدماغ” نجاحا مهما في غايته الرئيسة، وهي: إثبات أهمية فهم الذكاء الاصطناعي وعلم الأعصاب باعتبارهما مجالين علميين مترابطين ترابطا ملحا. يجمع د. كراوس بين الدقة العلمية وسهولة الفهم، وهذا ما يجعله يقدم نصا غنيا بالمعرفة العلمية، والتميز الفكري. لا نشك أن هذا الكتاب يعد قيّما للطلاب والباحثين والقراء المهتمين بالعلوم والتكنولوجيا، والذين يهدفون إلى فهم الإدراك والذكاء في الأنظمة البيولوجية والاصطناعية. وسواء كان القارئ ذا معرفة أكاديمية في علم الأعصاب، أو العلوم المعرفية، أو اللسانيات، أو علم النفس، أو الفلسفة، أو علوم الحاسوب، فإنه سيخلص إلى فكرة بعد قراءة الكتاب مفادها أن مستقبل أبحاث الإدراك لا يحصر داخل حدود التخصص الواحد، ولكن ضمن إرساء مبادئ البينية بين التخصصات.
