زارا يعقوب.. رائد العقلانية الإفريقية خارج المركزية الغربية في القرن السابع عشر

7 دقائق
    ولد زارا يعقوب، سنة 1600، بالقرب من مدينة أكسوم في شمال إثيوبيا، لعائلة فقيرة تعمل بالزراعة، ونشأ في بيئة دينية تقليدية أتاحت له منذ طفولته الالتحاق بنظام التعليم الكنسي الإثيوبي، بدأ مساره العلمي بحفظ كتاب المزامير، ثم انتقل إلى دراسة قواعد اللغة والشعر والخطابة، قبل أن يقضي ما يقرب من عشر سنوات في دراسة تفسير الكتاب المقدس والجدل اللاهوتي داخل المدرسة الكنسية.

    خلال هذه المرحلة المبكرة بدأ يكوّن حسّه النقدي الأول، إذ وجد أن كثيرا من التأويلات الدينية والمناقشات اللاهوتية التي تلقاها لا تنسجم مع مقتضيات العقل، وهو ما زرع في نفسه ميلا مبكرا إلى مساءلة الموروث وفحصه بدل قبوله على نحو تسليمي.

العزلة : لحظة اكتشاف الذات

    عاش زارا يعقوب شبابه في فترة اضطراب ديني وسياسي رافقت محاولة الملك سوسينيوس فرض الكاثوليكية على المجتمع الإثيوبي في الربع الأول من القرن السابع عشر، وهي المرحلة التي شهدت انقسامات مذهبية واضطهادا للمعارضين؛ و في هذه الظروف تعرّض زارا يعقوب للوشاية والاتهام بالتحريض على التمرد بسبب استقلاليته الفكرية ومكانته العلمية، فاضطر إلى الفرار سنة 1630 هربا من بطش السلطة، مصطحبا معه بعض الذهب وكتاب المزامير فقط.

زخارف المخطوطات على طراز “جوندارين”، أواخر القرن السابع عشر.

    شكّل هذا الحدث نقطة تحول مركزية في حياته، إذ لجأ إلى كهف في منطقة أمهرة وعاش فيه منعزلًا عن الناس قرابة عامين، متفرغا للصلاة والتأمل والتفكر في أحوال البشر ونظام العالم؛ وتمثل هذه المرحلة لحظة التبلور الحاسمة في مشروعه الفكري؛ ففيها أعاد النظر في الأديان والتقاليد والمعتقدات السائدة، وانتهى إلى بناء تصور فلسفي يجعل العقل المعيار الأعلى للحقيقة والوسيلة الأساسية للتمييز بين الصواب والخطأ.

    بعد وفاة الملك سوسينيوس سنة 1632 وانتهاء مرحلة الاضطهاد، خرج زارا يعقوب من عزلته واستقر في منطقة إنفراز، حيث عمل ناسخا للكتب وكاتبا بفضل مهارته في الخط، كما تولّى تعليم أبناء أحد وجهاء المنطقة المدعو هابتو. وفي هذه المرحلة دخل حياة الاستقرار الاجتماعي، فتزوج من امرأة تُدعى هيروت، وقد وصف زواجهما بوصفه علاقة قائمة على المحبة والمساواة والاحترام المتبادل، في صورة تعكس رؤيته الأخلاقية الخاصة لمكانة المرأة والعلاقة الزوجيةK كما رُزق بابن واحد وواصل نشاطه التعليمي والفكري، فكان من أبرز تلامذته ولدا حيوات، الذي أصبح لاحقًا ناقلا لتراثه الفكري ومطوّرا لبعض أفكاره.

    في سنة 1668، وقد بلغ الثامنة والستين من عمره، دوّن زارا يعقوب أفكاره في نصه الشهير “هتاتة زارا يعقوب”، وهو عمل فلسفي يجمع بين السيرة الذاتية والتأمل العقلي والنقد الديني، ويعد من أهم النصوص الفلسفية الإفريقية في العصر الحديث المبكر، عرض فيه تأملاته حول وجود الخالق، وطبيعة الحقيقة، ونقد التعصب الديني، وضرورة إخضاع المعتقدات كافة للفحص العقلي الحر.

   استمر زارا يعقوب يمارس التعليم والتأمل حتى وفاته سنة 1693 عن عمر ناهز ثلاثة وتسعين عاما، بعد حياة طويلة ترك خلالها أثرا فكريا عميقا في الفكر الإثيوبي والإفريقي، ورسّخ اسمه بوصفه أحد أبرز ممثلي العقلانية النقدية خارج السياق الأوروبي في القرن السابع عشر.

الهتاتة: لحظة ميلاد السؤال الفلسفي

    تقوم فلسفة زارا يعقوب على مبدأ مركزي يمكن وصفه بـ سيادة العقل، وهو ما يعبر عنه بمفهوم “لِبونا” (ləbbunna) في اللغة الجعزية، ويقصد به ذلك النور العقلي أو البصيرة الداخلية التي أودعها الخالق في الإنسان، لتمكينه من التمييز بين الحق والباطل.

اللوحة 1:افتتاحية لمخطوطة هتاتا، باريس، المكتبة الوطنية الفرنسية،، انظر  https://gallica.bnf.fr/view3if/ga/ark:/12148/btv1b525184250، تم الوصول إليه آخر مرة في 20 ماي 2026.

    إن العقل عند زارا يعقوب نور إلهي باطني يجمع بين الإدراك العقلي والوعي الوجداني، ويشكّل الأداة المعرفية العليا التي بها يهتدي الإنسان إلى الحقيقة؛ وبذلك يرفض كل أشكال الاتباع غير النقدي للتقاليد والموروثات، ويرى أن الإنسان الذي يسلّم بما ورثه عن آبائه دون فحص أو استقصاء إنما يعطّل أعظم نعمة وهبها الله له، وهي العقل.  ولذلك يصف العقول التي تستسلم للتقليد بأنها عقول جامدة “متخثرة”، لأنها آثرت الراحة الذهنية على مشقة البحث والاستقصاء الحر. وبناءً على ذلك يجعل من “الهتاتة”أي التحقيق والاستقصاء، منهجا معرفيا أصيلا، إذ لا سبيل إلى بلوغ الحقيقة إلا عبر البحث الفردي الحر الذي يتحرر من ضغط الجماعة وسلطة الموروث.

    وانطلاقا من هذا التأسيس العقلي، يطوّر زارا يعقوب نقدا جذريا للمذاهب الدينية والمؤسسات الشرعية السائدة؛ فقد لاحظ أن كل جماعة دينية تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، في حين تكفّر غيرها وتعدّ نفسها وحدها على صواب، وهو ما دفعه إلى استنتاج أن التعدد المتناقض بين العقائد يكشف عن طابعها البشري التاريخي أكثر مما يدل على أصلها الإلهي، لأن الحقيقة في جوهرها واحدة لا يمكن أن تتناقض مع نفسها، ومن هنا يرفض التسليم المطلق بالنصوص أو السلطات الدينية، ويخضعها جميعا لمحك العقل والطبيعة.

    كل تشريع يناقض ما يسميه “نظام الخالق” أو النظام الطبيعي الذي أودعه الله في العالم، لا يمكن أن يكون صادرا عن الله، هو اختراع بشري. ولهذا انتقد الرهبنة والتبتل لأنهما يناقضان الغاية الطبيعية من خلق الإنسان واستمرار النوع.

    أخلاقيا، تؤسس فلسفة زارا يعقوب لرؤية إنسانية قائمة على المساواة الجوهرية بين البشر، إذ يعتبر أن جميع الناس أبناء لخالق واحد، وقد خلقوا متساوين في الكرامة والعقل، ولا يحق لأي جماعة أن تدعي التفوق على غيرها بسبب الدين أو الأصل أو الانتماء. هكذا يرفض العبودية رفضا مطلقا، ويرى أن استعباد الإنسان لأخيه الإنسان يتناقض مع الطبيعة العاقلة المشتركة بين البشر، ويحوّل الكائن العاقل إلى شيء أو حيوان، وهو ما يناقض العقل والعدل معا.

     كما تمتد رؤيته المساواتية إلى المرأة، حيث يؤكد أن العلاقة الزوجية ليست علاقة سيادة وخضوع، بل وحدة وجودية وأخلاقية تجعل الزوجين “جسدا واحدا” متساويين في الكرامة والحقوق. وهو يؤكد في ذلك على أن المحبة والتعاون يمثلان الأساس الحقيقي للنظام الاجتماعي الذي أراده الخالق، وأن الإنسان لا يحقق إنسانيته إلا عبر العيش المشترك المبني على الصدق.

الخلق: لحظة تشكل الميتافيزيقا

    تقوم الميتافيزيقا عند زارا يعقوب على تأسيس عقلي صارم لفكرة وجود الخالق، حيث ينطلق من مبدأ السببية بوصفه قاعدة أولية في فهم الوجود؛ إذ يرى أن وجود الإنسان والعالم لا يمكن تفسيره ذاتيا، لأن الموجود لا يخلق نفسه بنفسه، ولأن كل موجود حادث يستلزم علة سابقة عليه، ومن ثمّ فلا بد من الانتهاء إلى موجد أول أزلي غير مخلوق يكون مصدرا لكل الموجودات وعلتها الأولى.

    وينطلق زارا يعقوب من هذا البرهان العقلي ليؤسس تصورا لاهوتيا يجعل من الخالق أصل الوجود ومنبع النظام الكوني، لا بوصفه مجرد فاعل أول، بل باعتباره مبدأ الحكمة المطلقة و”ينبوع كل عقل”. فبما أن الإنسان يمتلك العقل والقدرة على التفكير والنطق، فإن علة وجوده لا بد أن تكون متصفة بدرجة أكمل وأسمى من هذه الصفات، لأن العلة لا يمكن أن تعطي ما لا تملك. ومن هنا يربط زارا يعقوب بين وجود الله وكمال العقل، ليجعل من الإله مصدرا لكل نظام ومعقولية في الكون.

    يعتقد زارا يعقوب أن الخلق ليس وجودا اعتباطيا أو فوضويا، وإنما هو نظام محكم تحكمه قوانين دقيقة أودعها الخالق في كل شيء؛ فلكل موجود في العالم مكانه الطبيعي ووظيفته المحددة ضمن بنية كونية متناسقة، وهو ما يسميه بـ النظام التأسيسي للخليقة، ولا تنفصل في نظره الحكمة الإلهية عن انتظام العالم، بل تتجلى مباشرة في انسجام الطبيعة ودقة قوانينها؛ الأمر الذي يجعل من النظام الطبيعي دليلا دائمًا على عقلانية الخالق وحكمته. ويربط زارا يعقوب دائما بين الحقيقة والعقل والطبيعة، لأن الثلاثة جميعًا تنتمي إلى مصدر واحد هو حكمة الله.

الإنسان: لحظة اكتشاف جوهر الفرد

    أما في تصوره للإنسان، فيتبنى زارا يعقوب فهمًا ثنائيا للوجود البشري يقوم على التمييز بين الجسد والنفس، حيث يرى أن الإنسان مركب من بعد مادي فانٍ وبعد روحي خالد. وتمثل النفس عنده جوهر الإنسان الحقيقي، بينما يشكل العقل أعلى تجلياتها وأصفى خصائصها.  ان العقل نور داخلي أو “ضياء مشرق” ينبثق من جوهر الخالق نفسه، ولذلك لا يخضع للفناء الذي يلحق بالمادة، بل يحتفظ بطبيعته المفارقة التي تؤهله للخلود. ومن هذا المنطلق، يعدّ زارا يعقوب الموت ، انتقالا للنفس من حالتها الجسدية المؤقتة إلى أصلها الروحي الأعلى وليس نهاية للوجود الإنساني .

   الكائن الإنساني، في نظره، لا تشبع رغباته نهائيا بأي لذة دنيوية أو خير مادي، مما يدل على أن وجوده لا يمكن أن يكون محصورًا في هذا العالم الزائل، لو كانت النفس مخلوقة للفناء وحده، لاكتفت بما هو زمني ومحدود، غير أن توقها الدائم إلى الكمال واللامحدود يكشف عن أنها موجهة نحو غاية تتجاوز الوجود الأرضي. كما يرى أن قدرة الإنسان على تصور الأبدية والخلود ليست قدرة عبثية، بل تشير إلى وجود واقع حقيقي يقابل هذا الإدراك، لأن الخالق الحكيم لا يزرع في النفس ميلا طبيعيا نحو شيء لا وجود له.

لحظة الجدل حول هتاتة زرا يعقوب

    في الوقت الذي لم يكن يُكتب فيه شيء يذكر في العالم العربي، حول فيلسوف يشكل إحدى أهم الظواهر الفكرية في تاريخ إفريقيا الحديث.

أثارت فلسفة زارا يعقوب جدلا واسعا داخل الأوساط الأكاديمية الغربية؛ إذ سعى بعض الباحثين إلى ربطه بديكارت، وآخرون بهيغل، وغيرهم بكانط.

غير أن هذا الربط لا يبدو بريئا تماما، إذ اعتدنا في كثير من الأدبيات الغربية على ردّ كل فكرة فلسفية خارج المركزية الغربية إلى ما يسميه عبد الله العروي بـ”النهر الخالد”، أي إرجاعها دائما إلى الأصل الأوروبي ومركزيته. وينطلق هذا التوجه من خلفية ضمنية مفادها أن الإنسان غير الغربي لا يستطيع أن ينتج فلسفة مستقلة، وإن فعل، فلا بد أن يكون ذلك داخل الأطر التي صاغها الغرب سلفا. وهي الفكرة التي يرفضها زارا يعقوب نفسه ضمنيًا من خلال مشروعه الفكري القائم على استقلال العقل وكونية الحقيقة.

المقال التالي

مراجعة كتاب: الذكاء الاصطناعي وأبحاث الدماغ: الشبكات العصبية، والتعلم العميق، ومستقبل الإدراك

مراجعة كتاب: الذكاء الاصطناعي وأبحاث الدماغ: الشبكات العصبية، والتعلم العميق، ومستقبل الإدراك

Scroll to Top