لماذا يجب علينا الانخراط في مشروع الموسوعة العربية -أرابيكا؟
تعيش الإنسانية اليوم لحظة تاريخية فارقة في مسار إنتاج المعرفة وتداولها وحفظها؛ لقد انتقلت المعرفة تدريجيا من فضاءات الكتب والمكتبات والأرشيفات والموسوعات الورقية إلى فضاء رقمي مفتوح، أصبحت فيه شبكة الإنترنت وقواعد البيانات والمنصات المعرفية ومحركات البحث والنماذج اللغوية الكبيرة(LLMs) من أهم الوسائط التي تشكل وعينا بالعالم وتعيد إنتاج علاقتنا بالمعلومة والمعرفة. تتسم اللحظة الراهنة بارتباطها المباشر بموقع المجتمعات في منظومة إنتاج المعرفة الإنسانية، وبقدرتها على توثيق ذاكرتها وتمثيل ذاتها والمشاركة في صناعة المفاهيم والسرديات التي ستشكل وعي الأجيال القادمة. ومن هذا المنطلق، ترى حلقة عابرون أن النقاش حول مشروع الموسوعة العربية -أرابيكا يكتسب أهمية فكرية ومعرفية تتجاوز حدود أي مشروع موسوعي بعينه، لأنه يطرح سؤالًا جوهريًا يتعلق بمستقبل المعرفة باللغة العربية وموقعها في البيئة الرقمية الجديدة. فعلى الرغم من الانتشار الواسع للغة العربية وعدد الناطقين بها، فإن حجم المحتوى العربي المتخصص والموثوق لا يزال، في مجالات عديدة، دون المستوى الذي يتناسب مع ثقلها الديموغرافي والحضاري والتاريخي.
ويظهر ذلك بوضوح في مجالات العلوم والفلسفة والتاريخ والعلوم الاجتماعية والإنسانية والتقنية وغيرها، حيث يجد المستخدم العربي نفسه في كثير من الأحيان مضطرًا إلى البحث بلغات أخرى، أو الاعتماد على ترجمات ومصادر متفاوتة في جودتها، الأمر الذي يجعل الفجوة بين الحضور الديموغرافي للغة العربية وحضورها المعرفي الرقمي مسألة تستحق التفكير الجاد. من هذا المنطق، تنظر الحلقة إلى موسوعة أربيكا باعتبارها مبادرة معرفية تستحق الدعم والتشجيع، لما يمكن أن تسهم به في توسيع نطاق المحتوى العربي، وإتاحة المعرفة باللغة العربية، وبناء فضاء موسوعي قادر على جمع المعلومات وتنظيمها وتوثيقها وإتاحتها أمام أوسع شريحة ممكنة من القراء والباحثين والطلاب.
إن القضية في جوهرها هي الانتقال من حضور عربي رقمي محدود ومجزأ إلى حضور معرفي أكثر تنظيما وعمقا وفاعلية، يجعل العربية لغة منتجة للمعرفة وقادرة على المشاركة في تشكيل المجال المعرفي العالمي.
إن دعم مشروع موسوعي عربي من هذا النوع يرتبط كذلك بسؤال الذاكرة والهوية، باعتبارهما جزءًا من حق المجتمعات في أن تشارك في إنتاج المعرفة المتعلقة بتاريخها وثقافتها وتجاربها. لقد كان من طبيعة المعرفة الإنسانية “الحقة” أن تُكتب من مواقع متعددة(بشكل أفقي لا عمودي)، وأن تتعدد فيها وجهات النظر والسرديات، غير أن اختلال التوازن بين من ينتج المعرفة ومن يكون موضوعًا لها قد يؤدي إلى غياب أصوات كاملة أو اختزال تجارب تاريخية واجتماعية وثقافية معقدة في تمثيلات جزئية، وهنا ترى الحلقة أهمية أن يشارك الباحثون والمثقفون العرب في توثيق تاريخ مجتمعاتهم ومدنهم وشخصياتهم وأفكارهم وتحولاتها،و أمكنته … لا من أجل إقصاء الكتابات الأخرى، وإنما من أجل ضمان تعدد الأصوات وإغناء المعرفة الإنسانية بوجهات نظر نابعة من داخل التجربة نفسها.
فحين نوثق سيرة عالم أو مفكر أو أديب، أو تاريخ مدينة أو مؤسسة أو حركة اجتماعية، أو نرصد عادة ثقافية أو فنًا شعبيا أو تحولًا اجتماعيًا، فإننا لا نضيف معلومة معزولة إلى شبكة الإنترنت، بل نساهم في بناء ذاكرة رقمية يمكن أن تعود إليها الأجيال القادمة، إنها عملية يكتسب أهمية استثنائية في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت محركات البحث والنماذج اللغوية وأنظمة توليد المحتوى أدوات أساسية في الوصول إلى المعرفة وتشكيل التصورات عنها.
إن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط: ماذا يقرأ الإنسان العربي على الإنترنت؟ وإنما: ما المادة التي ستتعلم منها الآلات فهم اللغة العربية وتاريخ المجتمعات الناطقة بها وثقافتها ومفاهيمها؟ إن غياب المحتوى العربي الموثوق والمنظم يعني أن مساحة كبيرة من تمثيل التجربة العربية ستظل رهينة بمصادر أخرى، إن التاريخ لا يرحم، فإما أن نكتب ونواكب متطلبات العصر عبر رقمنة معارفنا من خلال سردياتنا، وتصورتنا ورؤيتنا للعالم، وإما أن يكتبها الآخرون قريبيين منا أو بعيدين، فعندما ترقمن معارفناـ فنحن نجيب عن أسئلة ثلاث : من نحن؟ من أين جئنا؟ وإلى أين نسير؟ إذا لم نعرف من نحن فالآخرون هم من سيعرّفوننا، وبالتالي من سيخبرونا من أين اتينا وإلى أين نسير!!
ومن هذه الزاوية، فإن دعم موسوعة أربيكا هو دعم لفكرة أوسع تتمثل في الحق في إنتاج المعرفة عن الذات والمجتمع والتاريخ من داخل سياقاته، مع الانفتاح الكامل على المعرفة الإنسانية المشتركة. ونحن نحتاج معرفة عربية قادرة على الحوار والنقد والمقارنة والانفتاح، وفي الوقت نفسه قادرة على التعبير عن خصوصية التجارب العربية وتنوعها وتعقيدها.
إن اتاحة المعرفة باللغة العربية أمام الطالب والباحث والقارئ العام تمثل شكلًا من أشكال دمقرطة المعرفة، وتساعد على تقليص المسافة بين المعرفة الأكاديمية والمجتمع وهو ما نسميه ضمن فلسفة عبور التخصصات ب “الأثر الاجتماعي للمعرفة”. هكذا ترى حلقة عابرون أن الباحث والأستاذ والمثقف لا ينبغي أن تنحصر مسؤوليته في إنتاج المعرفة داخل المؤسسات المتخصصة، وإنما يمكن أن تمتد إلى المشاركة في بناء المعرفة العامة وإتاحتها للمجتمع.
على أساس أن سس أن يكون كل بحث موثق، وكل معلومة يتم التحقق منها، وكل مصدر يضاف، وكل خطأ يصحح، وكل مفهوم يعاد شرحه بصورة دقيقة، يمثل لبنة في بناء بيئة معرفية عربية أكثر جودة، ذلك في عصر في عصر تنتشر فيه الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة والمحتويات السطحية.
إن ترك هذا المجال دون مشاركة واسعة من أهل الاختصاص قد يسمح بتوسع المعلومات غير الدقيقة ويضعف ثقة المستخدم العربي في المحتوى المكتوب بلغته. ولذلك فإن دعم المشاريع الموسوعية يعني تشجيع ثقافة البحث والتحقق والتوثيق والمراجعة والنقد. كما يمكن لمثل هذه المشاريع أن تتحول إلى فضاء تعليمي مفتوح، يتعلم فيه الطلاب مهارات البحث عن المصادر، والمقارنة بين المعلومات، والتمييز بين الرأي والحقيقة، واحترام حقوق الملكية الفكرية، وصياغة النصوص بطريقة واضحة ومنهجية. الانخراط في مشاريع المعرفة المفتوحة ينبغي أن يُفهم باعتباره استثمارًا في الإنسان العربي نفسه (المعرفة كرأسمال)، وفي بناء مجتمع من الباحثين والمحررين والقراء القادرين على المشاركة الفاعلة في إنتاج المعرفة.
كما أن الحاجة إلى الترجمة والتعريب تظل جزءًا أساسيًا من هذا المشروع؛ فإذا أسهمت حركة الترجمة في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية في نقل علوم الأمم الأخرى وتطويرها، فإن الترجمة اليوم يمكن أن تساهم في ربط القارئ العربي بالمعرفة الإنسانية المعاصرة، وفي الوقت نفسه تطوير المصطلحات العربية وتعزيز قدرة اللغة على استيعاب العلوم والفلسفات والتقنيات الجديدة.
بناء على هذه الرؤية، تنظر حلقة عابرون إلى مشروع الموسوعة العربية -أرابيكا باعتباره:
- أولا: على أنه مبادرة معرفية جديرة بالاهتمام والدعم، انطلاقًا من إيمانها بأن بناء المحتوى العربي الموثوق والمفتوح يمثل إحدى القضايا الأساسية في مستقبل المعرفة العربية.
- ثانيا: موقف الحلقة من المشروع هو بالأساس موقف فكري ومعرفي يقوم على دعم كل جهد جاد يسعى إلى تعزيز حضور العربية في الفضاء الرقمي، وإنتاج المعرفة بها، وتوسيع نطاق الوصول إليها، وتوثيق التاريخ والثقافة والمجتمع، وفتح المجال أمام الباحثين والمثقفين والطلاب للمشاركة في بناء هذا الرصيد المعرفي المشترك.
- ثالثا: إن أهمية موسوعة أربيكا ينبغي أن تُقاس بما يمكن أن تفتحه من أفق أمام بناء ثقافة جديدة للتعاون المعرفي (أفرادا وجماعات علمية وحلقات فكرية)، تجعل إنتاج المعرفة مسؤولية مشتركة بين الباحث والمؤسسة والطالب والمثقف والقارئ.
- رابعا: تشجع حلقة عابرون الباحثين والأكاديميين والمهتمين على التعرف إلى المشروع والمساهمة فيه كل من موقعه وتخصصه، بما يثري المحتوى العربي ويعزز مستواه العلمي والمنهجي.
أخيرا نقول:
أن حضور العربية في المستقبل لا يمكن أن يتحقق إلاّ بالكتابة والتوثيق والترجمة والتحرير والنقد وإنتاج المعرفة.
صادر عن: حلقة عابرون
التاريخ: 10-09-2026
