جذور الصراع بين الدين والدولة في التجربة الأوروبية: نهايات الاتصال وبدايات الانفصال
ملخص
لم تتخلص أوروبا من الصراع بين الدين والدولة، الذي احتد لقرون طويلة، إلا مع عصر النهضة. غير أن التأمل في السيرورة التاريخية والأحداث التي رافقتها يكشف أن جذور هذا الصراع تعود إلى مرحلة احتضان أوروبا للديانة المسيحية وتخليها عن الوثنية؛ إذ دخلت منذ ذلك الحين في حالة شد وجذبٍ مستمرين بين رجال الكنيسة ورجال السياسة. ويروم هذا البحث رصد أبرز المحطات التاريخية التي وسمت هذا الصراع، بغية الوقوف على سياقات الاتصال بين الدين والدولة ومآلاته، وكذلك تتبع البدايات الأولى لمسار الانفصال بينهما، الذي كان يتشكل تبعا للأوضاع السياسية وموازين القوة بين الطرفين. ويعتمد البحث في ذلك على المنهج التاريخي الوصفي.
الكلمات المفتاحية: الصراع بين الدين والدولة؛ نهايات الاتصال؛ نهايات الانفصال؛ التجربة الأوروبية.
Abstract
Europe did not free itself from the conflict between religion and the state, which had intensified over centuries, until the Renaissance. However, a close examination of the historical process and the events that accompanied it reveals that the roots of this conflict date back to Europe’s adoption of Christianity and its abandonment of paganism. From that moment onward, Europe entered into a continuous struggle between churchmen and political authorities. This study seeks to trace the major historical stages of this conflict in order to understand the outcomes and contexts of the relationship between religion and the state, as well as to identify the earliest beginnings of separation between them, which unfolded according to political circumstances and the balance of power held by either side. The study relies on the historical and descriptive method.
Keywords: the conflict between religion and State ; the end of connection ; the starts of separation; European Experience
مقدمة
عرفت أوروبا قبيل عصر النهضة بروز عدة عوامل أسهمت في انفصال الدين عن الدولة بعد أن كانا متجانسين، وفي الكثير من المحطات التاريخية أضحت الدولة جزءاً من حركة السلطة الدينية، وفي بعضها الآخر تتعرض السلطة الدينية لنوع من الخضوع للسلطة السياسية، ويعتبر احتضان الإمبراطورية الرومانية للمسيحية، منعطفا عظيما في إعادة السلطة الدينية للكنيسة، وقيادتها الروحية تحت هيمنة الإمبراطورية، وسيطرتها إلى حدود القرن الثامن الميلادي، عندها بدأت بوادر التنافس بين السلطتين السياسية والدينية تظهر في سعي كل منهما للتحكم في مصائر الناس، مما سيفرز جدالا وصراعاً طاحناً ومحتدماً داخل الكنيسة، وبين الكنيسة والسلطة الدنيوية من جهة أخرى، وبما أن العلاقة بين السلطة السياسية والكنيسة الدينية في أغلب حالاتها علاقة تنافسية نحو الحكم، أردنا أن نبرز في هذا المقال الأسباب الممهدة لهذا الصراع، وتشخيصه في فترة النزاع، والنتائج التي ترتبت عنه، وذلك من أجل الإحاطة بأهم اللحظات التاريخية التي نشأ فيها الصراع، واحتدم وامتد إلى حدود عصر النهضة الأوروبي.
أولا: جذور النظام الكنسي وطبقاته
يقصد بالكنيسة جماعة المؤمنين الذين يجتمعون معا للصلاة والعبادة؛ هكذا كانت الكنيسة في العصور الأوروبي القديمة التي امتدت من القرون الأولى للميلاد إلى حدود القرن الخامس الميلادي بمثابة مجلس للصلاة والعبادة يرتاده المسيحيون المؤمنون بالعقيدة المسيحية، أما الكنيسة في العصور الوسطى المبكرة الممتدة من القرن الخامس إلى القرن العاشر الميلادي فقد كانت قوة حضارية رئيسية في أوروبا الغربية، وكادت أن تقوم مقام الدولة في كل كبيرة وصغيرة، حتى أرباب الملك والسيادة كانوا أحيانا لا يقطعون أمرا إلا بمشورتها وإرادتها[1].
وقد أدى التطور في النظام الكنسي إلى توحيدها تحت نظام واحد بعد أن كانت متفرقة، وكان هذا التوحيد للكنيسة يسير تحت مركزية الكنيسة الرومانية؛ أي أن الكنيسة الغربية هي التي كانت تمتلك زمام الأمور، وعليها تحتكم الشرائح المجتمعية والطبقات السياسية، وكانت تؤمن وتطبق قانون التسلسل الإداري فيها ابتداء بالأبرشية، فمرورا بالأقلمة الكنسية، ثم انتهاء بالكنيسة العظمى ألا وهي كنيسة روما[2].
وبعد تدخل الكنيسة في الحياة الدنيوية واحتفاظها بالسلطة الدينية انقسمت مهام رجال الكنيسة إلى إدارتين رئيسيتين: الإدارة الدينية، والإدارة الدنيوية؛ فبالنسبة للإدارة الدينية، فقد كان يمثلها الشماسة، والشماس هو خادم الكنيسة الذي يقوم بمعاونة الكاهن في أداء الخدمات الدينية والصلوات الكنسية، ويأتمر بأمر الرهبان، والرهبان كانوا يتحلون بالكمال الروحي، ويعيشون في جماعات خاصة محكومة بنظام إداري ديني بحت[3].
وكان أول من أنشأ الرهبنة القديس مارتن 316-397م في فرنسا، وأنشأ فيها الأديار الأولى، ثم ظهر في القرن السادس ميلادي، النظام البندكتي، الذي أسسه الراهب بندكت 529م حيث وضع للرهبان مجموعة من القواعد الثابتة التي كانت البذرة الأولى لحركة الإصلاح الشامل[4]، وللإشارة فإن النظام الإداري الديني لا يتدخل في شؤون الإدارة الدنيوية[5]، بخلاف النظام الإداري الدنيوي الذي يجيد مهام الإدارتين معاً.
وبالنسبة للإدارة الدنيوية فقد كانت الأبرشية[6] فيها هي المحرك الأول لوحدة التنظيم الكنسي، فمنها انطلق التكوين الدستوري للكنيسة، حيث كان قسيسُ الأبرشية الممثل الأبرز في عالم الكهنوت الدنيوي للكنيسة، وكانت تعاونه طبقة أقل منه منزلة من الرهبان، وكان فوق رئيسِ الأبرشية طاقم إداري متكامل يدير شؤون الأبرشيات الواقعة تحت إدارته والكنائس التابعة لتلك الأبرشيات، والتي كانت منتشرة بالمئات[7].
وقد تكونت هيكلة الإدارة الكنسية من القساوسة أو الكهنة في أسفل السلم الإداري، وهم مختصون في تطبيق القوانين الإدارية للكنائس والأبرشيات، وتأدية المهام الدينية في الكاتدرائية أو الأسقفية، تحت إشراف الأسقف الأكبر[8]، ثم يتبعه الأسقف وهو شخص ذو منزلة رفيعة في الكنيسة، يدير منطقة تحتوي على مجموعة من الكنائس يتلقى تعليماته مباشرة من البابا[9] وهو يمثل قمة الهيكل الإداري للكنيسة، كما أنه المسؤول في كل ما يتعلق بالكنيسة من الناحية الإدارية والروحية[10]، وتعني كلمة البابا في اللغة اللاتينية الأب، وتستخدم للدلالة على المحبة، والبابا هو أسقف روما ورأس الكنيسة الكاثوليكية، وكانت كلمة البابا تطلق على كل أسقف، ولكن مع بداية القرن الخامس الميلادي، أصبح المصطلح يستخدم في الكنيسة الغربية للدلالة على أسقف روما خاصة، ووفق العقائد الكاثوليكية، ويعتبر البابا خليفة القديس بطرس، وله سلطة إدارية وتعليمية على الكنيسة الجامعة، وذلك عندما يعلن أنه يشرح العقيدة انطلاقًا من كرسي القديس بطرس[11].
ثانيا: جذور الاتصال بين الدين والدولة في أوروبا الغربية
بالرجوع إلى ما بين القرنين الرابع والسابع الميلاديين لا يوجد ثمة قيام حكومة مدنية قوية في غرب أوروبا يحسب لها حساب، وعلى إثر تقسيم الإمبراطورية إلى شرقية وغربية، ونتيجة لضعف الإمبراطورية الغربية تم الفصل بين سلطان الدولة والكنيسة، ومن هنا زادت سلطات أسقف روما، الذي كان يمارس اختصاصات الحاكم السياسي، بالإضافة إلى رئاسته الدينية، وتحوَّل كرسيه إلى بابوية لها السيادة العليا على الكنيسة في بلدان العالم المسيحي الغربي روما – قرطاجة، وقد قام البابا داماسوس الأول 366– 384م، بدور مهم في إبراز مكانة كرسي روما الأسقفي، ثم تبعه خلفه البابا سيرى كيوس384– 399م، في تأليف المراسم البابوية[12].
وقد استغلت الكنيسة في روما ضعف الإمبراطورية الغربية؛ بسبب الانقسام في العالم الروماني أدى إلى الانفصال لكيانين ضعيفين، وتسبب هذا في اضطراب سياسي، وأزمات اقتصادية، بعد أن حوصرت روما من قبل القوط الغربيين والوندال الذين دخلوا روما سنة 455م، وقضوا فيها أربعة عشر يوما، وسلبوا منها الكنوز والأموال، وحملوا معهم الآلاف من الأهالي عبيدا عند انصرافهم، عندها أدبر مجد روما، واضمحل نفوذها السياسي، وبالتالي أصبح مصير الناس فيها بيد الكنيسة، فالتف الناس حولها ورأوا فيها الزعامة والقيادة[13].
وبذلك زرع أساقفة روما هيبتهم، وفرضوا سيطرتهم الدينية على العالم المسيحي مع مرور الوقت، إلى أن عُين البابا غريجوري الأول gregorius primus540(م-604م) ، بوصفه خليفة القديس بطرس، الذي تطلع إلى جعل الكنيسة والدولة وحدة مشتركة، بذلك اتسع نشاط المحكمة البابوية في روما، حتى صار الكثيرون يلجؤون إليها، في كل صغيرة وكبيرة، مما جعل القانون الكنسي يتخذ الصفة العالمية من جهة، ومن جعل الكنيسة على صلة وثيقة بالعالم المسيحي من جهة أخرى، فعينت مندوبين لها في كل جهات العالم المسيحي لحل مشاكل الناس[14]، وهذا التشتت لم يجمعه سوى بروز إحدى أهم الشخصيات في العالم الأوروبي؛ حيث ظل منصب الإمبراطور شاغرا منذ بداية سنة 476م إلى تتويج كارلوس ماغنوس شارلمان carolus magnus charlemagne سنة 800م، فرُغم هذا التغلغل للكنيسة في السلطة الدنيوية لم تسلم من بعض المحاولات، غرضها زعزعة استقرار الكرسي البابوي على الملك، حتى مطلع القرن الحادي عشر ميلادي، عندها انفجرت العلاقة المتوترة بين البابا غريجوري السابع (1020-1085) والإمبراطور الألماني هنري الرابع (1050-1106) [15].
وكانت الكنيسة في حكومة الإمبراطورية الرومانية البيزنطية التي اتخذت من القسطنطينية عاصمة لها، وهي استمرار للإمبراطورية الرومانية في شرق البحر الأبيض المتوسط، وقد سلمت زمامها للأباطرة، فصاروا يتدخلون في سياسة الكنيسة الخارجية والداخلية، حتى غدا إمبراطور القسطنطينية يمثل نوعا من القيصرية البابوية؛ أي جمع بين السلطتين السياسية والدينية، ومن المعلوم أن هذه السياسة وضع معالمها وأسسها قسطنطين الأول (272-337م) منذ اعترافه بالمسيحية سنة 325م في مجمع نيقية، وإنشاء القسطنطينية، كما استن أتباعه من الأباطرة الشرقيين، بعقد مجامع دينية لبحث مختلف المشاكل المتعلقة بالكنيسة والعقيدة المسيحية[16].
ويعد مجمع خلقدونيا سنة 451م مجمعاً مهمّاً، بحيث أُكد فيه مسألة المساواة بين روما والقسطنطينية في المركزية الدينية؛ لكن البابا ليون الأول Leo Magnus (391-461) عارض هذا المبدأ، واستشهد ببعض قرارات مجمع نيقية على أسبقية كرسي روما[17]، وتمسك بشدة بابا روما بفكرة أنه خليفة القديس بطرس، وفي المقابل عاندت الكنيسة الشرقية وتشبثت برأيها، وانضافت إلى هذه النزاعات خلافات عقدية، مما أدى إلى انشقاق عظيم في عهد بطريك القسطنطينية ميخائل الأول سيرولاريوس (1000-1054م) سنة 1054م، حيث انقسمت الكنيسة إلى قسمين: الكنيسة الغربية الرومانية الكاثوليكية والكنيسة الرومانية الشرقية الأرثوذكسية[18]، وقد استمرت سيطرة البيزنطيين على الإمبراطورية الرومانية الشرقية حتى عام 1453م حيث استطاعت الدولة العثمانية فتح القسطنطينية، عندها تحول ثقل الكنيسة إلى روسيا، فأصبحت قائدة العالم الأرثوذكسي[19].
ثالثا: بدايات الانفصال بين السلطة السياسية والسلطة الدينية في أوروبا[20]
بإحياء الإمبراطورية الرومانية المقدسة وتتويج شارلمان إمبراطورا لها في مستهل القرن التاسع، كانت الباباوية قد ثبتت دعائمها، ولم يبق أمام الباباوات إلا مواصلة الجهود الجبارة التي كان قد بدأها جريجوري العظيم الأول، وكان هذا إيذانا ببداية الدور الثاني في تاريخ البابوية الذي يتمثل في الصراع العنيف بينها وبين الإمبراطورية على الأمور العلمانية، وقد شغل هذا الصراع أكثر من ثلاثة قرون، وهو أبرز ما يميز القسم الثاني من تاريخ العصور الوسطى[21].
اقتسم الإمبراطور شارلمان (748-814) المُلكَ مع أخيه كارلومان الأول (751-771) بعد وفاة أبيهما الملك بيبين القصير سنة768م، ولكن سرعان ما نشب نزاع بين الأخويين، حتى كاد هذا النزاع أن يؤدي بالقضاء على مملكتهم الفرنجية، إلا أن النزاع انتهى بوفاة كارلومان سنة 771م، مما أتاح لأخيه فرصة توحيد جميع ممالك الفرنجة تحت سيادته، فما أن لبث شارلمان قليلا؛ حتى دخل في حروب ضد اللمبارديين، وضد السكسونيين، ومسلمي اسبانيا، والسلافيين المقيمين على نهر الألب، ونجح فيها بشكل كبير، وسيطر على معظم ممالكهم، مما أدى إلى حماية أوروبا من العناصر الوثنية المجاورة، فضلا عن انتشار المسيحية بين هذه العناصر، كما نجح في حماية البابوية، وإحياء الحضارة الرومانية.
في ظل هذه الإنجازات كانت رعاية البابا تحُفُّ الأسرة الكارولنجية التي ينتمي إليها شارلمان، والتي كانت بدورها مرتبطة في جميع مسائلها وممارساتها بالسلطة الدينية، وهذا الارتباط كان له أثر قوي في نجاح أعمال شارلمان الإصلاحية، وحروبه، وعلاقاته بين الرعية.
إن ما حققه شارلمان من نجاحات كانت في أعين أنصاره ومحبيه، إنجازات عظيمة يستحق من خلالها لقب الإمبراطور، لتحيا الإمبراطورية الرومانية من جديد بعد أن غابت لثلاثة قرون متتالية، إلا أن البابا تماطل في تحقيق حلم المحبين وحلم شارلمان حتى تآمر عليه أعداؤه، فوضعوا خطة ترمي إلى فقع عينيه وقطع لسانه لإبعاده عن منصبه، فلما سمع شارلمان بذلك أرسل إلى البابا ليو الثالث يستدعيه لحمايته، فلما قدم رحب به أشد ترحاب، ثم أرسله إلى روما مدعما بالقوة، بعدها لحق بشارلمان[22].
فما كان للبابا ليون الثالث أفضل شيء يكافئ به شارلمان من تتويجه إمبراطورا، وكان ذلك في سنة800م، في حفل كبير أقيم بكنيسة القديس بطرس، وبتتويج شارلمان إمبراطورا قُطعت تلقائيا الروابط الواهية التي كانت بين الإمبراطورية الشرقية، وهذه الأخيرة كانت ترى على أن الغرب تابع لها من الناحية السياسية والدينية، فصُدمت بهذا الحدث؛ لأن تتويج شارلمان إمبراطورا في الغرب، يعد تهديد خطيرا لزعامتها، إذ في اعتقادهم لا يمكن الجمع بين رأسين في إمبراطورية واحدة، مثلها مثل البابوية، فرُفض تتويج شارلمان من قبلهم، وبعد وفاة شارلمان أخذ يتغير عندما عجز حلفاؤه من فرض سيطرتهم على الكنيسة ورجالها مما أدى إلى اصطدام السلطتين فيما بعد.
بعد وفاة كونراد الثاني (990- 1039) وتولي ابنه هنري الثالث (1117-1056) العرش بدأ بنهج سياسة جديدة مضادة لسياسة أبيه، الذي كان يدعم النبلاء الإقطاعيين؛ ولاحظ أن مركز البابوية انحطّ في ذلك العصر إلى الدرجة التي جعلته يتّخذ تدعيم البابوية مفتاحا لسياسته الإمبراطورية؛ وأصبح البابا ألعوبة في أيدي أمراء روما بل أصبح المنصب البابوي يباع ويشترى بالمال، من ذلك أنّ أحد هؤلاء الأمراء تولى منصب البابوية تحت اسم بندكت التاسع سنة 1033م، ثم لم يلبث أن باع منصبه إلى بابا آخر هو جريجوري السادس، مما أدّى بهنري الثالث إلى عقد مجمعين في كل من سوتري قرب روما، وآخر في روما، عزل فيهما الجميع البابا، وزادت حدة المتنازعين، وانتهى الأمر بتعيين سودجار أسقف بامبيرج، تحت اسم البابا كليمنت الثاني(1005-1048م)؛ الذي قام بدوره بتتويج هنري الثالث وزوجته بالتاج الإمبراطوري[23].
وبعد وفاة كليمنت الثاني سنة 1048م، تعاقب على منصب البابوية كل من البابا داماموس الثاني(1000-1048م) ثمّ ليون التاسع 1048- 1054، وهذا الأخير رفض قبول البابوية على طريقة التوظيف الإمبراطوري؛ وطالب بانتخابات يشترك فيها الكهنة والشعب الروماني بأكمله، لهذا دخل إلى روما على هيئة حاج بسيط رافضا التشريفات البابوية إلى أن يصبح بابا منتخباً رسمياً.
فرغم انتقاد البابا ليون التاسع الطريقة التي تولى بها هذا المنصب، لم يُقَصِّر في عمله الإصلاحي داخل الكنيسة، فجلب العديد من الرجال المسيحيين المحنّكين في السياسة والتدبير، الذين تربوا على سياسة الإصلاح، وكان من أبرزهم؛ الأسقف هامبيرد والراهب هيدلبراند الذي سيعيَّن فيما بعد بابا باسم جريجوري السابع.
إن الخلاف الذي كان بين ليون التاسع وهنري الثالث كان بشكل خفي وغير ظاهر، لهذا لم تسجل مواجهة مباشرة حقيقية بينهما، بعد وفاة البابا ليون التاسع سنة 1053م استمر تنصيب البابا تحت إشراف الإمبراطور، فانتخب فيكتور الثاني1054- 1057، بمباركة من هنري الثالث وباختياره؛ فتمادت سيطرته على الكنيسة؛ وذلك بتعيين وعزل من يشاء من الباباوات، ومن الواضح أنّ هدف هنري من ذلك كان سلب نبلاء روما سيطرتهم على البابوية.
هكذا أدّت سيطرت الإمبراطورية على الكنيسة ورجالها من جهة، ومحاولة الكنيسة التحرر من هذه السيطرة من جهة أخرى، إلى نزاع حادّ بين الإمبراطورية والبابوية، ظهرت أولى فصوله على مسرح العصور الوسطى بعد وفاة الإمبراطور هنري الثالث 1056م[24].
رابعا: احتدام الصراع بين رجال السلطة السياسية والدينية
مات هنري الثالث في عام 1056م، فورث العرش ابنه هنري الرابع 1056-1105 الذي كان في سن الخامسة من عمره، وفي عام 1059م، أًصبح هيلدبراند رئيس الشمّاسة في روما ليصبح من ذلك الوقت المحرك الأول لحملة الإصلاح الكنسي، حيث ثم انتخابه بابا في عام 1073م تحت اسم جريجوري السابع، بإجماع مجلس الكاردينالات، ونال رضا الشعب الروماني بأكمله.
بدأ جريجوري عمله بعقد اجتماعا في روما عام 1074م لمعالجة مشاكل الكنيسة كالسميونية، وزواج رجال الدين، والتقليد العلماني، وإعادة نظرية السمو البابوي من خلال اعتقاده بضخامة مهمة البابوية وعظم رسالتها[25].
وهذا ملخص لآراء البابا الخاصة بعظمة الوظيفة البابوية وسموها وسلطانها الروحي العالمي؛ فالبابا وحده هو الذي يتمتع بسلطة علمية، وهو وحده يمتلك سلطة تعيين الأساقفة أو عزلهم، وجميع الأمراء العلمانيين يجب أن يقبلوا قدم البابا وحده، وللبابا الحق في عزل الأباطرة، ولا يجوز عقد أي مجمع ديني عام إلا بأمر البابا، وليس لأي فرد أن يلغي قرارا بابويا، في حين أنه يحق للبابا أن يُلغي قرارات بقية الناس، ولا يُسأَل البابا عما يفعل ولا يحاكَم عل تصرفاته، وللبابا أن يُجيز لرعايا أيّ حاكم علماني التحلل من العهود وأيمان الولاء التي أقسموها لحاكمهم[26]، وأن أسقف روما إذا تم اختياره حسب القانون الكنسي يكون مقدساً بخصائص بطرس نفسه، ومن حق البابا استخدام الشارات الإمبراطورية.
إن جلّ هذه القوانين مستمدة من مجموعة من القوانين الكنسية الموجودة في الكتب الكنسية التي استندت إلى مجموعة من الوثائق المزورة في القرن الثامن والتاسع، وبغض النظر عن مصداقية تلك القوانين فقد آمن البابا إيماناً راسخاً بأنّ له السلطة العليا في حكم المجتمع المسيحي، وأنّه يعزل الأباطرة والملوك بوصفه نائب القديس بطرس.
إن هذه القوانين كانت في نظر السلطة الدنيوية تشددا وغلوا في استخدام السلطة الدينية، لهذا رفضها كل من ملك انجلترا وليام الفاتح 1066-1087م، وملك فرنسا فيليب الأول philippe ler 1060 -1108م، لأن ذلك مس بسيادتهم وإشرافهم على رجال الدين، خصوصا وأن رجال الدين كانت لهم ثروة كبيرة، فكان معنى تنفيذ ذلك القرار خروج تلك الأموال من قبضة الإمبراطور ودخولها تحت سيطرة البابا[27].
إن هذه الآراء سرعان ما تبلورت إلى اصطدام بين البابا جريجوري والإمبراطور هنري الرابع إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة 1056-1105م حول شغل بعض الأسقفيات الشاغرة في شمال إيطاليا، ثم تأزم الموقف بشكل خطير عندما عين هنري الإمبراطور أسقفا جديداً لميلان هو الأسقف تدالد tedal في عام 1075م وحينئذ أدرك البابا أنه لابد من العمل السريع.
ويبدو أن جريجوري السابع كان مستعداً عندئذ للتحدي والصراع، فأرسل رسالة شديدة اللهجة إلى هنري الرابع في أواخر عام 1075م أنذره فيها بالعزل وهدده بالويل والعذاب إن هو لم يخضع لرأي البابوية، وفي ذلك الوقت ثارت ثائرة الإمبراطور، فعقد تجمعاً في ورمز worms” في يناير 1076م قرر فيه بطلان انتخاب البابا جريجوري السابع بل وعزله من منصبه، وأرسل للبابا رسالة مطلعها: من هنري الملك الشرعي الذي اختاره الله إلى هيلدبارند الذي لا يعتبر البابا بل راهبا مزيفا[28].
وعندما سمع البابا بذلك قابله بهدوء، ودعا هو الأخر بعقد مجمع في الفاتيكان في فبراير 1076م قرر فيه توقيع الحرمان على هنري الرابع، وعزله من منصبه، وتحرير جميع رعاياه وأتباعه من إيمان الطاعة والتبعية التي اقسموها له، وبذلك بدأت الحرب بينهما ووجد كل طرف نفسه في موقف حرج وصعب؛ إلا أنّ هنري الرابع كان في موقف أصعب من خصمه؛ لأن البابا كان يستطيع أن يعتمد على عطف كثير من أبناء العالم المسيحي بوصفه الأب الروحي للكنيسة، في حين كان هنري الرابع لا يستطيع الاعتماد على ولاء رعاياه بعد أن وقع عليه البابا قراره بالحرمان بوصفه مسيحياً، وعقوبة العزل بوصفه ملكاً[29].
فبعد صدور هذا القرار، إرتاع رجال الدين الألمان، فاتجه بعضهم إلى البابا يعلن ولاءه، كما عقد الأمراء الألمان اجتماعا في مدينة تتريبور سنة 1076م، انحازوا فيه إلى جانب البابا.
بعد هذا الخذلان وجد هنري نفسه في كفة غير راجحة مع الكنيسة، لأن سلطته العلمانية لم تكن تطغى على سلطة البابا الروحية، لذلك لم يجد الإمبراطور حلّاً أمامه إلا أن يرحل سرا إلى البابا لموالاته والخضوع له.
وقف الإمبراطور هنري أمام باب قلعة البابا في جبال الألب، لمدة ثلاثة أيام في برد يناير لعام1077م؛ إلى أن عطف عليه البابا وسمح له بالمثول بين يديه على شرط أن يسلم للبابوية بكل ما تطلبه بدون أي قيد[30]، وقد استطاع هنري أن ينقذ عرشه على حساب كرامته الشخصية، بقبول البابا توبته، لكن هذا لم يكن للبابا انتصارا كاملا.
إن عطف البابا عليه أدى إلى تعاطف الألمان تجاه هنري الرابع وأخذ ذلك يتزايد بسرعة حتى أصبحت معظم ألمانيا إلى جانبه، إلا أن هنري الرابع لم يكن صادقا في توبته، فعاد إلى ألمانيا ليثأر لنفسه من النبلاء، الذين ضاقوا ذرعا من هجماته، فقاموا بعزل هنري الرابع من ولاية فراكونيا، واختاروا والي سوابيا رودولف من راينفلدن Rudolf von Rheinfelden (1025-1080)، وكانت أول مرة تحدث في ألمانيا أن يعلن النبلاء خلع ملكهم، ونشب النزاع واستمرت الحرب الأهلية بين الطرفين قرابة ثلاثة أعوام 1077- 1080، وهذه الحرب فتحت باب النزاع من جديد بين كل من هنري الرابع وجريجوري السابع؛ ذلك أن البابا اختار أن يقف موقف الحياد في المرحلة الأولى من مراحل هذه الحرب بين هنري الرابع ورودولف من راينفلدن حتى يحصل هو من الطرفين على اعتراف بسيادته[31].
اغترَّ البابا بظهور بوادر النصر لصالح رودلف على خصمه في يناير 1080م، فأعلن البابا رأيه صراحة في أنه يؤيد رودلف، وعقد مجمعاً دينياً في نفس العام قرر فيه إعادة توقيع الحرمان على هنري الرابع وإقصائه من العرش الإمبراطوري[32].
تم اختيار رودولف من راينفلدن حاكم سوابيا كملك، وكان ذلك الدوق الأشد عداء لهنري، وفي المقابل اجتمع مجلس الأساقفة الألمان وأعلنوا خلع البابا جريجوري السابع، وتعيين أسقف جديد مناهض للبابا وهو جيل برت Gilla bert الذي كان زعيما للأسقفية اللمباردية سنة 1106م خلال ثورتها ضد السلطة البابوية الرومانية، وقد عرف باسم كليمنت الثالث، وأمّا رادولف فقد هُزم وذُبح في نفس العام[33].
أسرع هنري الرابع بعد هذا ليعبر جبال الألب ويقابل خصمه الثاني جريجوري السابع، وفي هذه المرحلة الحاسمة لم يجد البابا جريجوري إلا الاعتماد على حليفته الإسكتلندية ماتيلدا (1080-1118) الذي أصيبت قواته بهزيمة ساحقه من هنري الرابع، ثم قام هذا الأخير بعقد مؤتمر ديني في مارس1084مقررا فيه عزل جريجوري السابع وحرمانه من الكنيسة، وأعقب ذلك اعتلاء كلمنت كرسي البابوية في روما، وتتويج هنري الرابع إمبراطورا في كنيسة القديس بطرس، أما جريجوري السابع فقد احتمى بقلعة سانت إنجيليو في روما، ومن هناك جعل يستحث حلفاءه في جنوب إيطاليا للإسراع لنجدته.
جاء المدد من النورمان ولكن على حساب روما، التي عاشت لمدة ثلاثة أيام متواصلة من الشناعة والفظاعة التي ارتكبت على أيدي أنصار البابوية النورمان ما لم تشهده من قبل ولا بعد، ولم يكن بمقدور جريجوري السابع النجاة من غضب الجماهير الرومانية؛ لذلك حمله النورمان معهم إلى سالرينو حيث مات هناك في العام1085م[34].
لم تكن وفاة البابا جريجوري السابع حلاً لمشكلة التقليد العلماني، سيما وأنّ هناك بابا نصبه الأباطرة هو البابا كلمنت الثالث الذي كان يوافقهم على كل ما يرون، بينما ظل كرسي روما بعد وفاة جريجوري شاغراً لمدة سنة، ثم تناوب عليه فكتور الثالث في مايو 1086م الذي مات بعد سنة، فاختار الكرادلة أوربان الثاني الذي سار على نهج جريجوري في الإصلاح الكنسي، معتمداً على التحالف بين البابوية وماتيلدا في جنوب إيطاليا، وبسبب هذا التحالف نشب الصراع بين البابا أوربان الثاني وبين والإمبراطور هنري الرابع من جديد في ألمانيا وإيطاليا، فأرسل هنري جيشاً هزم جيش ماتيلدا والإيطاليين، واستولى على قلاعها ما عدا قلعة كانوسا التي كانت شديدة الأحكام، فظن ابنه كونراد أن هذا عمل إلهي فخرج على أبيه، وأعلن الثورة ضده في عام 1093 م حيث قام رئيس أساقفة جنوب إيطاليا بتتويجه ملكاً على إيطاليا[35].
خامسا: الصراعات بين السلطة البابوية والسلطة السياسية
بعد وصول البابا أدريان الرابع Pope Adrian IV إلى كرسي البابوية، ووصول الإمبراطور فردريك الأول إلى كرسي الإمبراطورية، جعل كل منهما يسعى لتقوية مركزه خصوصًا وأن كلا منهما كانت له شخصية قوية، بدأ الإمبراطور يجور على حقوق البابا حتى أنه حبس كبير أساقفة لوند الذي كان صديقًا حميمًا للبابا أدريان الرابع، وعندما دخل مندوب البابا على الإمبراطور عام 1157 م حيّاهُ بعبارة غريبة هي “أنّ البابا يحيِّيك كوالد والكرادلة يُحيّونك كإخوة”([36]).
اندهش فردريك من هذه التحية التي جعلت من الكرادلة أخوة مساويين للإمبراطور، فثار لكرامته وأيده الأساقفة الألمان في ذلك؛ حيث أدرك أن قبوله لهذه الرسالة هو تنازل عن حقه وإعلان تبعيته لهذا البابا، ولذلك رد مدافعًا عن حقه “أنّنا نتسلّم الإمبراطور من الله عن طريق انتخاب الأمراء، فإن شريعة الله تقضي بأن يكون حكم العالم بواسطة سيفي الإمبراطورية والبابوية، كما قضت تعاليم القديس بطرس، بأنه يجب على الناس أن يخافوا الله ويُكرّموا الملك (رسالة بطرس الأولي الآية 17)، وعلى هذا فإنّ كلّ من يقول بأننا تسلّمنا التاج الإمبراطوري إقطاعاً من البابا، ويعتبر باطل العقيدة لأنه يخالف أوامر الله وتعاليم بطرس الرسول.
وقع هذا الرد كالصاعقة على رأس البابا، وكان عليه أن يتجنب سوء الصدام بينهما، وأن هذا الحادث قد كشف النقاب عن حقيقة شعور كل منهما تجاه الأخر، ومهّد الطريق لصدام قريب بينهما؛ فالإمبراطور بدأ يدخل بنفوذه في منطقه نفوذ البابا في شمال إيطاليا، وساعده على ذلك ضعف البابا نفسه لكبر سنّه، وتوفي في 1159 م وخلفه الكاردينال رولاند باسم البابا اسكندر الثالث، وظلّ في منصبه قرابة 22 سنة 1159- 1181م تمسك أثناءها بحقوق الباباوية، ودخل النزاع إلى مرحله العنف بين الإمبراطور وبينه، لاسيما وأنه كانت تحكمهما علاقات سيئة قديمة، فاستعمل البابا في روما سلاح الحرمان ضد بابا ألمانيا مما أثار الإمبراطور، وأراد أن يكسر أنيابه حتى بالسلاح لو استطاع، إلا أنّ أساقفة ألمانيا أنفسهم وهم التابعون له لم يوافقوا على أن يشهر السلاح ضد الكنيسة مهما كان الأمر، فتألّف حلف علماني بزعامة الإمبراطور الذي ثار لكرامة الإمبراطورية، وعقد رجال الإكليروس في روما حلفًا واحد برئاسة البابا اسكندر قرارًا بحرمان الإمبراطور من رحمة الكنيسة([37]).
وهكذا نفّذ الإمبراطور فكرته وهي استعمال القوة العسكرية فزحف على روما بجيش جرار، إلاّ أن تفشي مرض الطاعون في جيشه وفتكه برجاله، وحصار النورمان له من جهة الجنوب، ومن الشمال بتحالف دويلات شمال إيطاليا أدى إلى إضعافه وهزيمته[38].
أخيراً لم يجد الإمبراطور فردريك مفرًا من الخضوع والتسليم، فدخل البندقية منكّس الأعلام حيث كان البابا إسكندر الثالث في انتظاره يحيط به جموع حافلة من الكرادلة تلمع عيونهم بالفرحة بهذا الانتصار الذي عدوه انتصارا إلهيا، وارتمى بين قدمي البابا باكيًا طالباً منه الصفح والغفران، مثلما فعل سلفه العظيم هنري الرابع مع البابا جريجوري السابع 1077م[39].
سادسا: النموذج الفرنسي للانفصال بين السلطة السياسية والسلطة الدينية في أوروبا الغربية
وقعت معاهدة فردان سنة 843م، فقسم بموجبها أبناء لويس الورع الثلاثة الإمبراطورية الكارولنجية إلى ثلاثة ممالك، وكان لهذا التقسيم أهمية في ظهور بعض الدول مثل فرنسا وألمانيا، إذ هما في الجزء الغربي من الإمبراطورية الكارولنجية، التي حكمت فرنسا وألمانيا من سنة 753م إلى 911م، وقد كانت فرنسا مقسمة إلى أقسام إدارية تتبع نظام الأسقفيات، ويحكم كل كونت جهة معينة نائبا عن الملك الكارولنجي، وهكذا بقي الحال حتى تحطمت الأسرة الحاكمة، فارتقت إلى الحكم أسرة كابييه سنة 987م، فورثوا حقوق الكارولنجيين، وامتيازاتهم من جهة، كما أصبحوا السادة الكبار لجميع الإقطاعيين في المملكة من جهة أخرى، ويــعد وصول كابييه إلى حكم فرنسا انتصارا للأمراء الإقطاعيين على الملكية الكارولنجية، لأن فرنسا عند قيام حكمها كانت عبارة عن حشد ضخم من الإقطاعيين من أسر مختلفة[40]، وكان رجال الدين يخضعون لسيطرة الأمراء الإقطاعيين، إذا كانوا يمدونهم بالثروات والأموال الطائلة[41]، وقد توج كابييه الملِك ابنَه هيو كابييه في حياته ليضمن الملك له، وسار على هذا النهج خلفاؤه في توريث الملك، واستمروا على هذا النهج إلى أن جاء الملك لويس السادس 1108-1137م، الذي سجل التاريخ في عهده حدثاً كبيراً؛ هو إغارة ملوك إنجلترا على الحدود الفرنسية من جهة النورمان، ورغم ذلك حافظ على مُلكه ليرثه من بعده لويس السابع 1137- 1180م المعروف بالرجل التقي[42]، ثم الملك فليب أوغسطس، الذي استطاع عن طريق القوة أن يجعل من فرنسا دولة عظمى، لهذا لم يتوّج ابنه في حياته ليضمن له العرش من بعده، فخلفه ابنه لويس الثامن1232-1226م، ثم لويس التاسع سنة1226-1270م الذي كانت سياسته تجاه الكنيسة قائمة على أساس حمايتها من جشع الأمراء والموظفين الملكيين، كما فرض عليها دفع الأموال المفروضة عليها بانتظام، ثم جاء بعده ابنه فليب الثالث الذي كان عهده مرحلة انتقالية من الملكية الإقطاعية إلى الملكية القومية، التي ستبرز في عهد فليب الرابع 1285-1314م، وهذا الأخير كان منهجه واضحا في محاربة الإقطاعيين، وذلك بسد السبل والمنافذ التي يتوصلون من خلالها بالثروات، فمنع دخول الأجانب إلى فرنسا، وخروج رجال الدين منها، ليحرمهم من الموارد الإقطاعية[43]، فتضررت بهذا الإجراء مصالح الكنيسة التي كانت لها النصيب الأكبر في هذا الاستبداد.
عندها قام البابا بونيفيس الثامن يحتج على هذا الإجراء فدعا إلى عقد مجمع، لاتخاذ القرار ضد الملك، ولكن الملك حال دون خروج رجال الدين إلى روما، حتى عُقد بعد سنوات من قبل بعض رجال الدين الفرنسيين الذين صودرت أملاكهم، فقرروا عقد محاكمة للملك الفرنسي، بينما كان بونيفيس يتأهب لإصدار القرار ضد فليب تمكن أتباع الملك من القبض على البابا فأهين أشد إهانة، إلى أن مات في روما سنة 1303م، وبوفاته طويت آخر صفحة في تاريخ البابوية بمعناها العظيم الذي عرفته العصور الوسطى[44].
سابعا: النموذج الإنجليزي للانفصال بين السلطة السياسية والسلطة الدينية:
عرفت أراضي انجلترا انقسامات كثيرة، وهجمات عديدة من شعب الفايكنج، الذين سيطروا على معظم أراضيها، وكادوا أن يحتلوا مدينة اسكس آخر معقل المسيحية، لولا شجاعة ملكها ألفريد العظيم 871-899م؛ الذي استطاع صد هذه الغارات، وقد كان الملك ألفريد مهتمّاً بنشر المسيحية، وارتبط كثيرا بالبابوية، وزار روما عدة مرات، وإلى جانب ذلك اهتمّ بالتعليم؛ حيث قام بتأسيس مدارس وأولها مدرسة القصر، وحضّ فيها على تعلّم الديانة المسيحية، وكذلك الأمور العلمانية، وتحبيب الناس في لغتهم، كما تعلم هو بدوره اللغة اللاتينية، من أجل أن يترجم بعض الكلاسيكيات إلى اللغة الإنجليزية.
استطاع خلفاء ألفريد السيطرة على الممالك المجاورة وتوحيد مُلك انجلترا، بعد سنة 955م على يد إدوارد اسكس، واستمرّ ذلك إلى أن جاء الملك اثلرد الذي لم يستطع صد هجمات الفايكنج، فاستولوا عليها سنة1013م، وفي ظل حكم الملك كانوت الدنماركي الأصل والذي اعتنق المسيحية، وزار البابا في روما فأصبح ابنا بارّا للكنيسة، لكن علاقته معها لم تكن على وتيرة واحدة في الإصلاح، بل راع بعض الحيطة لئلا يثور عليه أغلب الجيش الدنماركي من الوثنيين[45]، ولم يستمر حكم الفايكينج طويلا، بحيث احتلت انجلترا من قبل النورمان سنة 1066- 1096م، بقيادة وليام الفاتح وكان دخول النورمان إلى انجلترا له أثر قوي في تطوير مناح الحياة فيها، فبتغلغل وليام في الحكم سيطر على جميع مجالات الدولة السياسية والعسكرية والاقتصادية، كما سلب الأموال من الأمراء وتوزيعها على رجال النورمان المخلصين، وتأجيرها لهم، وبذلك كانت انجلترا بلد الإقطاع الحقيقي، وعلى رأس الإقطاعيين الملك وليام الذي ملك كل الأراضي، وبذلك أصبحت انجلترا البلد المركزي للنظام الإقطاعي.
أما سياسته تجاه الكنيسة فقد عمل بجد في إصلاحها، وأعلن منذ البداية أنه يعتبر نفسه رأس الكنيسة الأول في انجلترا، لذا قام بتعيين الأساقفة والرهبان واستثمرهم في العمل الكنسي، وترأس المجالس الكنسية بنفسه، وقد أراد أن يعامل رجال الدين كما يعامل باقي رجال الدولة الآخرين الذين هم تحت سيطرته، ولم يكن وليام يتحاشى استبدال رجال الدين بآخرين من النورمان، إلى أن استبدل جلّ رجال الدين الإنجليز من المهام الدينية إلا اثنان منهم، ولم يضع حدّاً لحكم للإنجليز فقط، وإنما وضع كذلك الحدّ للثقافة الأنجلوسكسونية، فهُدمت الكنائس المبنية على الطريقة الأنجلوسكسونية، وبُنيت الكنائس بتصاميم جديدة أخرى، أما وضع الكنيسة في عهد وليام الثاني 1085-1100م كانت متوترة؛ بسبب التقليد العلماني الذي كان يفرضه، على البابوية والكنيسة[46].
خاتمة
من خلال ما سبق يتضح أن العلاقة التي امتدت لقرون من الزمن بين الدين الذي كانت تمثله الكنيسة المسيحية والسلطة السياسية، تأثرت بجملة من العوامل التي كان لها الأثر في الإقدام والإحجام نحو السلطة، إذ لكل منهما له منطلقاته وأسبابه؛ فالكنيسة استمدت قوتها من النفوذ الروحي، لأنهم يسيطرون على مصير الناس في الآخرة، أما الأباطرة فيستندون إلى أمجادهم وأسلافهم القدامى وأحلام الماضي، مما نشبت معه قرون من الصراع.
ثم إن هذا الصراع عاد بالفائدة الكبرى على البابوية برمتها حيث نالت استقلالها من نفوذ السلطة الإمبراطورية، وواصلت بناء وتحصين أركان الدولة الدينية وترسيخ سطوتها السياسية، وهذا ما تجسد بشكل واضح في سياسة البابا إنوسنت الثالث 1198-1216، والبابا بونيفاس الثامن 1235-1303 آخر الباباوات الذين رعوا هذا التمشي؛ حيث تبنى نظرية السيفين التي تقضي أن تخضع السلطة الزمنية للسلطة الروحية؛ إلاّ أن هذا الفوران والاستبداد وهذا التطلع للإمساك بالسيفين أدخلا الكنيسة في طور جديد وتجربة عسيرة، قادت الكنيسة ورجالها إلى الانعزال والانحصار والاحتكار، وستتعمق ضراوته مع دخول رجال الدين في كل مناحي الحياة، ووصايتهم الشمولية على الناس، مما سيعرف انقلابا جذريا في ثنائية الاتصال والانفصال بين الدين والدولة، وستنطلق حركة المحتجين في القرن الخامس عشر الميلادي التي ستفرز ما سيعرف في التاريخ بعصر النهضة وبحركة الإصلاح والإصلاح المضاد، وهو ما سيدشن طوراً جديداً سيُعيد تشكيل دور الكنيسة وحجمها في المجتمع الغربي منذ ذلك الحين إلى العصر الحالي.
المراجع | References
- مرقص، بواقيم رزق. محاضرات في تاريخ الكنيسة الغربية، مصر، المجلة اللاهوتية، كراسة موجهة للصف الرابع ابتدائي، 2013
- نسيم، يوسف. تاريخ العصور الوسطى الأوروبية وحضارتها، القاهرة، مؤسسة شباب الجامعة، 1984.
- عاشور، عبد الفتاح سعيد. حضارة ونظم أوروبا في العصور الوسطى، دار النهضة العربية، بيروت، 2007.
- المسيري، عبد الوهاب. موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، القاهرة، دار الشروق، 1999.
- عجيبة، أحمد علي. أثر الكنيسة على الفكر الأوروبي، القاهرة، دار الأفاق العربية، 2004.
- الكردي، نيفين. الأوضاع الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في الغرب الأوروبي من القرن التاسع إلى القرن الحادي عشر، فلسطين، بحث لنيل درجة الماجستير، الجامعة الإسلامية بغزة، كلية الآداب، قسم التاريخ والآثار، 2011.
- Lamonte, The World of the middle, Ages A reorientation of medieval, history France, 1949.
- Sellery, George Clarke medieval civilization, Dana Carleton, Munro (translator), Century New York.
- Dawson, Christopher Medieval essays, Shed and ward, New York, 1954.-
- Bartlet, J, Vernon and Carlyle Christianity in History A study of religious development Macmillan London, 1917.
- Singman, Daily life in medieval, Europe Green Wood press, Westport CT 1999.
[1] Dawson, Christopher Medieval essays, Shed and ward, New York, 1954, P. 33.
[2] يواقيم رزق مرقص، محاضرات في تاريخ الكنيسة الغربية، (مصر: المجلة اللاهوتية، كراسة موجهة للصف الرابع ابتدائي، 2013)، ص 33.
[3] Bartlet, J, Vernon and Carlyle Christianity in History A study of religious development Macmillan London, 1917. p. 361-363.
[4] يوسف نسيم، تاريخ العصور الوسطى الأوروبية وحضارتها، (القاهرة، مؤسسة شباب الجامعة، 1984)، ص 171.
[5] Singman, Daily life in medieval, Europe Green Wood press, Westport CT 1999, p. 11.
[6] تعتبر الأبرشية (باللاتينية: Episcopates) في بعض أشكال المسيحية أصغر وحدة في النظام الكنسي، وهي جزء من أجزاء المركز، ويرأس أسقف الكنيسة الخاصة بالأبرشية، نقلا عن موسوعة ويكيبيديا.
[7] Singman, Daily life in medieval, p. 75.
[8] عبد الفتاح سعيد عاشور، حضارة ونظم أوروبا في العصور الوسطى، (بيروت: دار النهضة العربية، 2007)، ص 364.
[9] Singman, Daily life in medieval, Europe Green, Wood press, Westport CT 1999, p. 11.
[10] Bartlet, J, Vernon and Carlyle, Christianity in History, A study of religious development, Macmillan, London, 1917, p361.
[11]المسيري عبد الوهاب، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (القاهرة: دار الشروق، 1999)، ج1، ص 451.
[12] يواقيم رزق مرقص مرجع سابق، ص، 22.
[13] عبد الفتاح سعيد عاشور، مرجع سابق، ص 234.
[14] مرجع سابق، ص 235.
[15] مرجع سابق، ص 235.
[16] يواقيم رزق مرقص، مرجع سابق، ص27.
[17] مرجع سابق، ص 28.
[18] عاشور، مرجع سابق، ص 238.
[19] يوسف نسيم، مرجع سابق، 176.
[20] سعيد عبد الفتاح عاشور، مرجع سابق، ص 204 إلى 208.
[21] تعدّدت الآراء حول بداية العصور الوسطى ونهايتها، فالبعض حدد 284 م بداية العصور الوسطى باعتبارها أنها السنة التي تولى فيها دقلديانوس حكم الإمبراطورية الرومانية، وبعضهم اعتبرها سنة 323م وهي التي تولى فيها قسطنطين الكبير عرش الإمبراطورية هي البداية الحقيقية للعصور الوسطى. وأغلب المؤرخين حددها في سنة 476 آخر عهد الإمبراطورية الرومانية القديمة في الغرب، وكذلك اختلفوا حول تحديد تاريخ نهايتها، وأغلب المؤرخين اعتبروا أن سنة 1453 هي التي تحدد نهاية العصور الوسطى وبداية عصر النهضة، ففي تلك السنة انتهت حرب المائة عام بين انجلترا وفرنسا (1338 – 1453) هذا إلى جانب أن القسطنطينية انتقلت إلى يد العثمانيين في تلك السنة. أحمد علي عجيبة، أثر الكنيسة على الفكر الأوروبي (القاهرة: دار الأفاق العربية، 2004)، ص 6.
[22] سعيد عبد الفتاح عاشور، مرجع سابق، ص 209.
[23] مرجع سابق، ص281.
[24] مرجع سابق، ص 282.
[25] نيفين الكردي، الأوضاع الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في الغرب الأوروبي من القرن التاسع إلى القرن الحادي عشر، بحث لنيل درجة الماجستير، (فلسطين، الجامعة الإسلامية بغزة، كلية الآداب، قسم التاريخ والآثار، 2011)، ص 50.
[26]عاشور، مرجع سابق، ص 305.
[27] يوسف نسيم، مرجع سابق، ص 180.
[28]عاشور، مرجع سابق، ص 306.
[29] بواقي مرزق مرقص، مرجع سابق، ص 34.
[30] مرجع سابق، ص35.
[31] عاشور، مرجع سابق، ص316.
[32] عاشور، مرجع سابق، ص316.
[33] نيفين الكردي، مرجع سابق، ص 58.
[34] الكردي، مرجع سابق، ص58.
[35]يواقيم رزق مرقص، مرجع سابق، ص37.
[36] مرجع سابق، ص37-38.
[37] نيفين الكردي، مرجع سابق، ص58.
[38] يواقيم رزق مرقص، مرجع سابق، ص38.
[39] مرجع سابق، ص39.
[40] نيفين الكردي، مرجع سابق، ص60.
[41] يواقيم رزق مرقص، مرجع سابق، ص45.
[42] سُمي بذلك لأنه شن حملة صليبية للتكفير عن ذنبه العظيم، وهو إحراقه لكنيسة “فترى” وقد مات فيها ألف شخص بينهم الأطفال والنساء.
[43] نيفين الكردي، مرجع سابق، ص62.
[44] عاشور، مرجع سابق، ص320.
[45]– مرجع سابق، ص 381.
[46] نيفن الكردي، ص155.
