ما السؤال؟ تأملات فلسفية في أصل المعرفة وقلق الإنسان الوجودي

9 دقائق

ما السؤال؟ أهو لفظ يخرج من الفم طلبا لجواب، أم حيرة تسكن الروح وتدفع العقل إلى مغادرة مألوفه، أم أنه النداء الخفي الذي يوقظ الإنسان من سباته، ويضعه وجها لوجه أمام العالم وأسراره؟ وما الذي يجعل المرء يسأل، وهو يعلم أن بعض الأسئلة قد تفتح عليه أبوابا من القلق الوجودي، وأن بعض الأجوبة قد تهدم من يقينه ما أقامه في سنوات من الاعتقاد؟ ألسنا نسأل لأن في الوجود أسرارا تستعصي على الفهم، ولأن النفس البشرية، مهما أوتيت من علم، تظل مأخوذة بما تجهل، ومشدودة إلى أفق يتجاوز حدود معرفتها؟ إن السؤال أقدم من الجواب في سيرة الإنسان في هذا العالم، فقد وجد الإنسان نفسه منذ فجر وعيه محاطا بأشياء لا يدرك كنهها، وظواهر لا يعرف أسبابها، ومصائر تتنازعه بين الخوف والرجاء. رفع بصره إلى السماء فسأل عن النجوم، وتأمل تعاقب الليل والنهار فسأل عن الزمن، ووقف أمام الموت فسأل عن الحياة، ثم التفت إلى نفسه فسأل: من أنا؟ ولماذا جئت إلى هذا العالم؟ وإلى أين أمضي؟ وقد عبّر أرسطو عن الصلة بين العجب والتفلسف في كتابه ” ما وراء الطبيعة” (Metaphysics)، حينما كتب أن “الناس جميعا يبدؤون التفلسف من العجب”، فالعجب يوقظ السؤال، والسؤال يستنفر الفكر، والفكر يفتح للإنسان سبيلا إلى تجاوز ظاهر الأشياء واستكشاف عللها. ومنذ ذلك الحين، ظل السؤال رفيقا للإنسان في رحلته الطويلة نحو المعرفة، وشاهدا على أن الوعي لا يكتفي بوجود الأشياء، وإنما يطلب فهمها، ولا يطمئن إلى ما تراه العين حتى يستنطق ما وراء الظاهر.

وأول ما يستحق التأمل في السؤال أنه اعتراف بحدود الذات، لأن الذي يسأل يقر، صراحة أو ضمنا، بأن معرفته ناقصة، وأن العالم أوسع من أن تحيط به تجربته الفردية. وفي هذا الاعتراف ضرب من التواضع العقلي الذي يحرر الإنسان من دعوى الإحاطة بكل شيء، ويجعله قابلا للتعلم والمراجعة. وقد تجلى هذا المعنى في التجربة السقراطية التي جعلت من الاعتراف بحدود المعرفة مدخلا إلى الحكمة، فسقراط، كما يصوره أفلاطون في محاورة دفاع سقراط، لم يدّع العلم بما يجهله، وإنما أدرك أن معرفة الإنسان بحدود علمه تمنحه قدرة على التمييز بين المعرفة الحقيقية والوهم المتستر وراءها. أما الذي يظن أنه أحاط بالحقيقة من جميع أطرافها، فقد أغلق على نفسه بابا من أعظم أبواب المعرفة، إذ كيف يطلب من يرى أنه يملك الحقيقة كاملة أن يتعلم شيئا جديدا؟ وكيف ينصت من اعتقد أن رأيه خاتمة الآراء إلى حجة تخالف ما استقر في ذهنه؟

إن السؤال، بهذا الفهم السقراطي، فضيلة من فضائل العقل، لأنه يذكرنا بأن الجهل قد يتخفى في صورة يقين، وأن الوهم قد يلبس ثوب الحقيقة، وأن كثرة المعتقدين بفكرة ما لا تكفي لإثبات صحتها. وقد عرف تاريخ الفكر الإنساني رجالا جعلوا من السؤال طريقا إلى تحرير العقل من سلطان المألوف.

كان سقراط يحاور أهل أثينا، ويختبر دعاواهم في المعرفة والفضيلة والعدل، حتى يتبين لهم مقدار ما يجهلون، ولم يكن غرضه أن يملأ الأذهان بأجوبة جاهزة، وإنما أن يوقظ فيها القدرة على الفحص، وأن يرد الإنسان إلى نفسه، حيث تبدأ الحكمة من إدراك الحاجة إلى المعرفة، لأن السؤال الذي يوقظ العقل أقدر على تغيير صاحبه من جواب يتلقاه دون تمحيص، لأنه يدعوه إلى المشاركة في بناء المعرفة، ويجعله مسؤولا عن الطريق الذي يسلكه نحو الحقيقة.

وفي تراثنا العربي الإسلامي، احتل السؤال منزلة رفيعة في طلب العلم والنظر، حيث دعا القرآن الكريم إلى التدبر والتفكر والاعتبار، وجعل النظر في النفس والآفاق سبيلا إلى فهم دلائل الوجود، إذ يقول تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ (سورة النساء، الآية: 82)، وهي دعوة إلى تجاوز القراءة التي تقف عند ظاهر الألفاظ، نحو قراءة تستنطق المعاني وتتفحص الدلالات. وقد تجلت قيمة السؤال كذلك في تجربة أبي حامد الغزالي، الذي عرض في كتابه المنقذ من الضلال مساره في البحث عن اليقين، وما خاضه من مراجعة للمعتقدات والمناهج، ووصف رحلته بقوله: “ولم أزل في عنفوان شبابي – منذ راهقت البلوغ، قبل بلوغ العشرين إلى الآن، وقد أناف السن على الخمسين – أقتحم لجة هذا البحر العميق، وأخوض غمرته خوض الجسور، لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل مظلمة، وأتهجّم على كل مشكلة، وأتقحم كل ورطة، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة، لأميز بين محق ومبطل، ومتسنن ومبتدع، لا أغادر باطنياً إلا وأحب أن أطلع على باطنيته، ولا ظاهرياً إلا وأريد أن أعلم حاصل ظاهريته، ولا فلسفياً إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته”، ففي هذه التجربة الفكرية لـ”حجة الإسلام” نلمس أن طلب الحقيقة يحتاج إلى شجاعة تتيح للمرء فحص ما ألفه، وإلى نزاهة تحرره من الخوف من نتائج البحث، لأن السؤال الصادق يزيد صاحبه يقظة، والاعتراف بعدم العلم أمانة فكرية تسبق تحصيل العلم نفسه.

لكن، إذا كان السؤال بابا للمعرفة، فهل كل سؤال جدير بأن يطرح؟ وهل تكفي صيغة الاستفهام حتى نعد ما وراءها فعلا من أفعال التفكير؟ إن الأسئلة تتفاوت في مقاصدها كما تتفاوت العقول في مناهجها، فمنها ما يطلب الفهم، ومنها ما يلتمس البرهان، ومنها ما يبتغي كشف المستور، ومنها ما يتخذ هيئة السؤال وهو يضمر حكما سابقا، أو يسعى إلى إحراج الخصم وإدانته. وقد يسأل المرء كي يعرف، وقد يسأل كي ينتصر، وقد يطرح سؤاله دون رغبة حقيقية في سماع الجواب، وإنما سعيا إلى تثبيت ما اعتقده قبل أن يبدأ الحوار. وبالتالي، فإن قيمة السؤال لا تقاس بجرأته وحدها، ولا بما يثيره من ضجيج، وإنما تتصل بصدقه ومقصده وقدرته على فتح أفق للفهم، لأن السؤال الذي يستبطن اتهاما قد يحول الحوار إلى محاكمة، والسؤال الذي يرفض سلفا كل جواب مخالف قد يغدو حيلة لإخفاء التعصب. أما السؤال الفلسفي، فيقتضي استعدادا حقيقيا لمراجعة الذات، وقبولا بأن ينتهي البحث إلى نتيجة لم تكن في الحسبان. فهل نملك الشجاعة الكافية لنطرح السؤال على أفكارنا كما نطرحه على أفكار الآخرين؟ وهل نقبل أن تكشف لنا رحلة البحث عن أخطائنا، أم أننا نريد من المعرفة ما يطمئن معتقداتنا ويؤيد اختياراتنا؟

إن أشد الأسئلة خطرا تلك التي نتجنب طرحها على أنفسنا، نسأل عن فساد الآخرين، ونادرا ما نسأل عن نصيبنا من المسؤولية، نبحث عن أسباب تخلف مجتمعاتنا، وقد نغفل عن العادات والأفكار التي نعيد إنتاجها كل يوم، نتحدث عن الحرية والعدل والكرامة، ثم ننسى أن نسأل عن حضور هذه القيم في سلوكنا وعلاقاتنا.

كأن السؤال، عندما يتجه إلى الخارج، يبدو أمرا يسيرا، بينما يشتد وقعه عندما يعود إلى صاحبه، فينزع عنه أقنعة الألفة، ويضعه أمام تناقضاته. فهل نطلب الحقيقة حقا، أم نطلب صورة حسنة عن أنفسنا؟ وهل نريد إصلاح العالم، أم نرغب في أن يتغير العالم من حولنا دون أن نمس شيئا من عاداتنا ومصالحنا؟ إن السؤال الصادق يزعزع السكون الذي تتكئ عليه الأفكار الموروثة، ويفتح الشقوق في الجدران التي بنتها العادة والتكرار. وقد أدرك رينيه ديكارت أهمية إخضاع المعارف للفحص، فاتخذ من الشك المنهجي وسيلة للبحث عن أساس متين لليقين، وقد قال في تأملات في الفلسفة الأولى، متحدثا عن منهجه: “قررت أن أرفض بوصفه باطلا كل ما يمكنني أن أتصور فيه أدنى سبب للشك”، إن ديكارت لم يكن مراده الاستقرار في الشك، وإنما اتخاذه طريقا لاختبار المعارف وتمييز ما يصمد أمام النقد مما يستند إلى الظن والتقليد. وهكذا يغدو السؤال أداة لتنقية الفكر من الأحكام المتعجلة، وإعادة بناء المعرفة على أسس أكثر رسوخا.

ولذلك كثيرا ما تنظر السلطات المستبدة إلى السؤال بعين الريبة، وتضيق بالمجتمعات التي يتعلم أبناؤها مساءلة القرارات والخطابات والمسلّمات، لماذا؟ لأن العقل الذي يسأل لا يكتفي بتلقي الأوامر، وإنما يبحث عن أسبابها ومشروعيتها وغاياتها، والإنسان الذي يسأل عن العدل لا يرضى أن يحل ادعاء العدالة محل ممارستها، والذي يسأل عن الحرية لا يكتفي بالشعارات ما دامت حياته محكومة بالخوف والإذعان. وقد لخّص إيمانويل كانط جوهر الاستقلال الفكري في عبارته الشهيرة: “تجرأ على استعمال عقلك بنفسك!”، الواردة في مقالته جواب عن سؤال: ما التنوير؟ الصادرة سنة 1784، فهذه الدعوة تضع الإنسان أمام مسؤوليته في فحص ما يتلقاه من أفكار، وتمييز الحجة من الادعاء، والبرهان من التقليد. ولا تتحقق حرية العقل بإعلان الاستقلال وحده، بل بممارسته في مساءلة المألوف، ومراجعة الأحكام، والإنصات إلى الرأي المخالف.

وبهذا، تتضح الصلة الوثيقة بين السؤال والحرية، فالحرية الفكرية تعني أن يستطيع الإنسان التفكير دون إكراه، وأن يفحص الموروث دون خوف، وأن يناقش الرأي السائد دون أن يتحول اختلافه إلى تهمة. ولا يزدهر السؤال في بيئة تعاقب المخالف، أو تجعل الطاعة معيارا للحقيقة، أو تخلط بين نقد الفكرة والإساءة إلى صاحبها، لأن المجتمع الذي يخشى أسئلة أبنائه يهيئ لهم أجوبة محفوظة، ثم يستغرب عجزهم عن الإبداع، ويطلب منهم أن يجددوا واقعا حرمهم من حق التفكير فيه. ومع ذلك، يحمل السؤال في أعماقه وجها آخر، وجه القلق الذي لا ينتهي. فقد يسأل الإنسان عن معنى الحياة، فلا يجد جوابا يطفئ حيرته، ويسأل عن العدالة، فيرى المظلوم يرحل دون إنصاف، ويسأل عن الحكمة من الألم، فيقف أمام معاناة الأطفال والفقراء وضحايا الحروب عاجزا عن العثور على تفسير يرضي ضميره. وفي مثل هذه المواقف، يصبح السؤال امتحانا للقدرة على العيش مع ما نجهل، وللتمييز بين الرغبة في الفهم والحاجة إلى تعزية النفس بأي جواب.

فبعض الأسئلة تظل مفتوحة، وبعض الحيرة تعبر عن يقظة العقل أكثر مما تعبر عن عجزه، وقد يكون الاعتراف بحدود المعرفة أصدق من جواب متعجل، وقد تكون مواصلة البحث أكرم للعقل من الاستسلام إلى يقين مصطنع، لأن الإنسان يحتاج إلى ألا يخون الحقيقة طلبا للراحة، وألا يجعل من خوفه من المجهول ذريعة لإغلاق أبواب التفكير. وربما كانت الحكمة أن نعرف متى نجيب، ومتى نتوقف، ومتى نقول بصدق: لا أعلم. وللسؤال، فوق ذلك، بعد إنساني لا يقل شأنا عن بعده المعرفي، فكم من إنسان يحيط به الآخرون بالكلام، ولا يجد من يسأله عن ألمه، وكم من فقير يرى الناس حاجته، ولا يسأله أحد عن كرامته، وكم من مهمش يعيش على أطراف المجتمع، ولا يخطر لأحد أن يسأل عن الحكاية التي قادته إلى ذلك المصير. إن السؤال قد يكون فعلا من أفعال الاعتراف بالآخر، وطريقة لفتح نافذة في جدار الصمت الذي يفصل البشر بعضهم عن بعض. وعندما نسأل إنسانا عن تجربته بإصغاء صادق، فإننا نمنحه فرصة للكلام، ونقر بأن لحياته معنى يستحق أن يُروى، وأن معاناته جديرة بأن تُفهم. وهكذا، فالسؤال الإنساني لا يطلب المعلومة وحدها، بقدر ما يطلب الإنسان الكامن وراءها، يصغي إلى صوته، ويحاول أن يفهم ألمه، ويمنحه من الاهتمام ما قد حُرم منه طويلا.

في الأخير، ما السؤال؟ إنه حركة العقل نحو ما يجهل، وجرأة الروح على مواجهة ما يقلقها، واستعداد الإنسان لأن يعيد النظر في نفسه والعالم، كما إنه بداية المعرفة، وامتحان اليقين، وأحد الشروط التي تحفظ للحرية معناها، وللحوار إمكانه، وللإنسان قدرته على تجاوز ما ألفه من أفكار وأحكام. وقد لا ينتهي السؤال إلى جواب شاف، وقد يقودنا جواب إلى أسئلة أخرى، لكن هذه الحركة الدائمة هي التي تمنح الوعي حياته، وتحول الوجود من إقامة ساكنة في العالم إلى رحلة متجددة لفهمه.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن نختم به: ماذا يبقى من الإنسان إذا كف عن السؤال؟ قد تبقى له معلومات جمعها، ومعتقدات ورثها، وعادات اكتسبها، لكنه يفقد شيئا من قدرته على أن يكون شريكا في بناء معناه الخاص، لكن الإنسان الذي يسأل يظل قادرا على البدء من جديد، وعلى مراجعة الطريق، وعلى اكتشاف أن وراء الأفق الذي بلغه أفقا آخر ينتظر خطاه. وما دام في القلب قلق يدفع إلى الفهم، وفي العقل استعداد للنظر، وفي الضمير حساسية تجاه آلام الآخرين، فإن السؤال سيظل ذلك النور الذي لا يبدد ظلمة العالم دفعة واحدة، لكنه يمنح الإنسان القدرة على أن يرى، وأن يفكر، وألا يستسلم للعتمة.

كاتب

  • عبد الرحمن حسنيوي

    أستاذ التعليم الثانويّ التأهيليّ، وباحث ومدوّن من المغرب، حاصل على الإجازة في التاريخ والحضارة من جامعة المولى إسماعيل بمكناس، وعلى ماجستير التاريخ في العلوم الاجتماعيّة – التاريخ من معهد الدوحة للدراسات العليا بالدوحة. تنصبُّ اهتماماته البحثيّة على التاريخ السياسيّ الحديث والراهن في المغرب.

المقال التالي

الذكاء الاصطناعي الخليجي.. السباق بين المستقبل وقيود المياه والأمن

الذكاء الاصطناعي الخليجي.. السباق بين المستقبل وقيود المياه والأمن

Scroll to Top