عن التقليد والتخلف التاريخي: حوار عابر للتخصصات بين عبد الله العروي وعبد العزيز بلال ومحمد جسوس

45 دقائق
العنوان الأصلي للمادة عن التقليد والتخلف التاريخي
المشاركون في النقاش عبد الله العروي، عبد العزيز بلال، محمد جسوس
المصدر الأصلي مجلة بيت الحكمة، العدد الأول، 1 أبريل 1986
إعادة النشر والتقديم عبد الكريم نوار

تقديم

 تنبع أهمية الحوار، الذي جمع المؤرخ والمفكر عبد الله العروي، والاقتصادي عبد العزيز بلال، وعالم الاجتماع محمد جسوس، من كونه يقدم نموذجا للحوار العابر للتخصصات، حيث تتقاطع المقاربات التاريخية والاقتصادية والسوسيولوجية والفكرية في مقاربة إشكالية مشتركة: التقليد والتخلف التاريخي وشروط الانتقال إلى الحداثة.

لا شك أن هذا الحوار يتيح اختبار قدرة هذه التخصصات على إضاءة جوانب متعددة من الإشكال نفسه، والكشف عن العلاقات التي تربط التحولات الاقتصادية بالبنى الاجتماعية، والسياقات التاريخية بالتمثلات الفكرية، وإنتاج المعرفة بمشروعات التغيير؛  تتجلى القيمة العابرة للتخصصات في انتقال النقاش بين مستويات متكاملة من التحليل؛ إذ تتداخل أسئلة التاريخ والوعي بالتأخر التاريخي مع قضايا الاقتصاد والتحول الاجتماعي، كما تتقاطع نقدية الفكر مع مساءلة الموروث الثقافي وشروط استيعاب الحداثة. 

من خلال هذه المقاربة يُنظر إلى التخلف والتقليد باعتبارهما إشكاليتين معقدتين تستدعيان الجمع بين التحليل التاريخي والنقد الفكري وفهم البنى الاجتماعية والاقتصادية. ويتيح هذا التداخل تجاوز التفسيرات الأحادية التي تختزل التحولات التاريخية في عامل واحد، ويفتح المجال أمام فهم أكثر تركيبًا للشروط التي تنتج التأخر وتعيد استمراره.

يكشف الحوار عن أهمية التفاعل النقدي بين التخصصات في بناء معرفة تتجاوز حدود الحقول الأكاديمية المنفصلة؛ العروي لا ينفرد بتفسير المسار التاريخي، و بلال لا يحصر التحليل في المؤشرات المادية، وجسوس لا يعزل الظواهر عن سياقاتها الفكرية والتاريخية؛ بهذا تتشكل قيمة النقاش من الاحتكاك بين هذه المقاربات، ومن إمكان مساءلة كل منها انطلاقًا من الأسئلة التي يطرحها الآخر. 

ولأن قضايا التقليد والحداثة والتأخر التاريخي متشابكة مع أسئلة بناء المعرفة، وتطوير المؤسسات، وتحقيق التحول الاجتماعي، وإعادة النظر في العلاقة بالموروث الفكري، فإن مقاربة هذه القضايا تقتضي تجاوز الحدود الصارمة بين التخصصات، من دون إلغاء خصوصية كل تخصص أو مناهجه؛ إذ لا تتحقق المقاربة العابرة للتخصصات إلا  بالتفاعل، وإعادة صياغة الأسئلة في ضوء ما تكشفه كل مقاربة من حدود المقاربات الأخرى وإمكاناتها.

ومن هنا، فإن محدودية تداول هذا الحوار، على الرغم من القيمة الفكرية والمنهجية التي ينطوي عليها، تطرح سؤالا يتجاوز التعريف بنص مهم إلى مساءلة شروط إنتاج المعرفة وتداولها في المجال العربي.

  • كيف يمكن لحوار يجمع بين التاريخ والاقتصاد وعلم الاجتماع والفكر أن يظل بعيدا عن دائرة الاهتمام الأكاديمي والثقافي؟
  • وما الذي يكشفه ذلك عن طبيعة العلاقة بين المعرفة المتخصصة والنقاش العمومي، وعن قدرة المؤسسات العلمية والثقافية على احتضان الحوارات التي تتجاوز التقسيمات المعرفية المألوفة؟

إن استعادة هذا الحوار تتيح إبراز نموذج في التفكير المشترك، تتكامل فيه التخصصات لفهم إشكالات تتعذر الإحاطة بها من منظور واحد. وتكمن راهنية هذا النموذج في أنه يدعونا إلى التعامل مع القضاينا  بوصفها موضوعات تستلزم حوارا معرفيا متبادلا، يربط بين تشخيص الواقع وفهم جذوره التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية، ويمهد للانتقال من تعدد وجهات النظر إلى بناء فهم أكثر أعمقا لشروط التغيير.

***

نشرت “بيت الحكمة” في عددها الأول هذا “الحوار – الوثيقة” الذي دار منذ أزيد من عشر سنوات قبل نشره لأول مرة بالعربية بين ثلاثة وجوه ثقافية مغربية بارزة، دون أن يعرف طريقه إلى العربية رغم أهميته. لم يكن هذا الحوار مهماً لأنه دار حول “الحداثة والتقليد” فحسب، بل ولأنه جرى، كذلك، بين مثقفين تختلف مجالات اهتمامهم بين: الاقتصاد (عزيز بلال)، والتاريخ (عبد الله العروي)، وعلم الاجتماع (محمد جسوس). ويُعتبر هذا الحوار وثيقة لأنه طرح كثيراً من القضايا التي مازالت تحتفظ بأهميتها إلى اليوم (رغم المسافة الزمنية الفاصلة بين زمن النشر الأول وزمن الترجمة)، وإن كان بعضها قد حصل تجاوزه بفعل حركة التاريخ التي لا تخضع لنوايا الأفراد وأمانيهم. ويبقى الحوار وثيقة، فوق ذلك، لكون المشاركين فيه منهم من غيّر اتجاهه ومنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر. 

“بيت الحكمة”.

***

  • العروي: أود تقديم بعض الملاحظات الأولية :

إن الانتقادات التي توجّه إليّ غالبا ما لا تقيم فرقاً بين مستوى اختياراتي الشخصية ومستوى الاختيارات التي تنفتح موضوعيا أمام المجتمع العربي. وأعتبر أنه من الضروري امتلاك أفق تاريخي: فللفرد أن يملك اختياره الخاص، إلا أنه مرغم على أن يأخذ المستوى الموضوعي بعين الاعتبار، ذلك المستوى الذي يتخذ السكان وأغلب مثقفيهم موقعهم عليه.

هكذا جرى تقديم كتابي الأخير [المقصود “أزمة المثقفين العرب”] وكأنه تقريض للّيبرالية، وانتقُدت على هذا الأساس، والحال أن الأمر لا يتعلق، طبعا، لا بالدعوة الى استعادة الليبرالية الكلية ولا بالدعوة الى المرور بهذه المرحلة، بل بملاحظة أن مكاسب الليبرالية لم يتم قبولها ولا هضمها من طرف الشخصية العربية، الشيء الذي يستلزم أن هذه لا يمكن لها تجاوز تلك المكاسب لاحقا. إلا أنني لست أملك، شخصيا، أي تعاطف مع النظام الليبرالي.

من جهة أخرى، فإن الأفكار التي أعرضها تقوم على نتائج دراستين محددتين حول مغرب القرنين الرابع عشر والخامس عشر ومغرب القرن التاسع عشر ميلادية، وهما حقبتان سجلتا انحطاط المجتمع المغاربي. لكن بما أن هاتين الدراستين لم تنشرا [بعد]، فان الحكم المستند إليهما يمكن أن يبدو شخصيا، في حين أنها نتيجة لأبحاث طويلة.

الملاحظة الثالثة هي أنني قلت، ولعدة مرات، أنني لم أنف قط هيمنة الاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، لكن إذا انطلقنا من تجارب محددة، وخاصة منها تجربة المغرب، فانه لا يمكن لنا ألا نلاحظ أن مفصل التناقضات – نقطة الضعف – انما هو ايديولوجي. ففي مصر عام 1960، والمغرب عام 1956، والجزائر عام 1970، يبدو التخلف في مجال التكوين الايديولوجي واضحا عند أولئك الذين كانوا على رأس حركة الاصلاحات. إن هاهنا واقعة تاريخية، ولو قلنا : إن الأمر لا يمكن أن يكون غير ما كان عليه بفعل الشروط الاقتصادية، وأن الاقتصاد المتخلف لا يمكن أن يعطينا غير ايديولوجية متخلفة، فإنه لن يصير ممكنا التفكير لا في إصلاحات ولا في ثورة ما كأفق.

إن على المثقف أو الزعيم السياسي أن يكونا متقدمين ايديولوجيا على مجتمعهما، وإلا فسيكون ثمة تأخر للايديولوجي على الهيكلي، ونحن نعرف جميعا أننا سنرجع – في هذه الحالة – الى الوراء أبعد من نقطة الانطلاق : إن المهمة الاولى لحزب سياسي أو حركة ثقافية ما هي تهييء الناس ايديولوجيا، والتنظيم وحده ليس كافيا، مثله في ذلك مثل إعداد الشعارات وبرامج العمل. من هنا جاء مفهومي عن النخبة، القابل للنقد. لقد اعتقد [البعض] أنني أقبل بالنظريات الأمريكية عن دور النخب. إلا أن هذا غير صحيح إطلاقا. إنني أنطلق من واقع أن التطور السياسي في البلدان، سواء أكانت متخلفة أم لا، يقع بين أيدي أقلية ما. و إذا أطلقنا على هذه لقب نخبة، أو أي لقب آخر، فإن هذا لا ينطوي على أي حكم قيمة، كما أنه ليس ثمة أي تناقض بين الاهمية التي أضفيت على هذه الأقلية، وبين تحليل طبقي صار مقبولا به اليوم من طرف كل الباحثين الجديين.

  • جسوس: أود صياغة مسألة دور المثقفين، تجاه الشروط الموضوعية، صياغة أخرى. فما لم يتم توضيح الفروقات الدقيقة للتحليل التاريخي المقترح من قبل العروي، وبشكل كافٍ، فإن هذا التحليل يحمل مخاطرة الدفع بالمثقفين التقدميين نحو نمطين من السلوك فيهما، معا، نقاش.

إن بعض المثقفين -وقد غشى عيونهم القمع الذي لا مردّ له يصدر عن القوى التاريخية التي تقود اليوم كل محاولة شمولية لعقلنة المجتمع والايديولوجية العربيين نحو الاخفاق- يستنتجون أنهم لا خيار لهم غير الخضوع لما شاءه الزمن، فينساقون بالضرورة نحو البحث عن تسويات مع تلك القوى التي تسترجعهم الى صفوفها.

كما يمكن لبعض المثقفين الآخرين أن يستنتجوا من التحليل المذكور أنهم لا يستطيعون الحفاظ على معتقداتهم إلا إذا وضعوا أنفسهم على هامش المجتمع، وانفردوا بالعزلة والرفض.

إن نمطي السلوك هذين ليسا ضروريين، في الواقع، ولا مما يمكن تبريره، وذلك أن القمع الذي تمارسه الشروط التاريخية غير آلي ولا أحادي الجانب والمعنى، كما أنه ليس محتوما كلية ولا هو الاختيار الوحيد.

ولكي نتجنب تقاطب المثقفين بين التسوية وبين التهميش، ينبغي التأكيد على أن لعبة القوى التاريخية، الوطنية والدولية، تولّد إمكانيات عديدة، وعلى أنها تتيح عدة اختيارات مع احتمالات نجاح مرتفعة بهذا القدر أو ذاك. وما لم نطرح المشاكل في هذا المنظور الاحتمالي فإننا لن نتمكن من أن نُظهر للمثقفين العرب أنه لازال أمامهم هامش من الاستقلال الذاتي النسبي، أنهم ليسوا مرغمين على الاستسلام لاغراءات التسوية والتهميش، وأن بإمكانهم لعب دور فعّال، بل وحاسم ربما، في توجيه مجتمعاتهم وإعادة هيكلتها.

إن بإمكانهم البرهنة، مثلا، على أن مجتمعاتنا الحالية تتضمن مستقبلات كثيرة ممكنة، وأن الأوراق لازالت لم تُلعب كلها، فيناضلون، بالتالي، من أجل دعم وتعزيز أكثر تلك الامكانات تقبلا للعقلانية ولتحرّر شعوبهم. إن منظورا احتماليا من هذا النوع سيساعدنا كثيرا على تجاوز الطوباوية والقدرية والتلقائية، من أجل النفاذ الى كفاحية واقعية لا تتخلى عن أية إمكانية ملموسة لتحسين شرطنا الجماعي.

  •  العروي: هل يمكن لنا أن نكون نُصَراء للفكر التاريخي ومدافعين، في الوقت ذاته، عن فكرة هامش الحرية المتروك للمثقفين؟ نعم، وذلك أن المجتمعات المتخلّفة لا تملك استقلالا ذاتيا. وليس المثقف فيها نتاجاً للمجتمع الذي وُلد فيه. إنه يتأرجح بين مجتمعين : مجتمع الغرب المهيمن، والمنظور اليه، عموما، بأنه الأسمى، من الناحيتين الموضوعية والذاتية، ومجتمعه الخاص به الذي يعتبره من مستوى أدنى. بحيث يصير وضعه محصّلة لهذه القطيعة. وإنّ مثقف العالم الثالث يعيش اليوم هذه الحالة، المماثلة لما كانت تعرفه “الأنتلجنسيا” الألمانية والروسية في القرن التاسع عشر. هكذا فإن إنجلس لم يكن ألمانيا فحسب، مثله في ذلك مثل ماركس الذي ولد بين فجوات مجتمعات مختلفة. وهكذا يمكن للمثقفين أن يتحركوا باتجاهين : إما باتجاه محاولة استدراك تأخر مجتمعهم عن طريق حركة من الاصلاح أو الثورة، وإما باتجاه المبالغة في تقدير ذلك المجتمع، ومن ثم نفي التأخر التاريخي والدعوة للعودة الى الماضي، مثلما يحصل عندنا.

وعندما نتحدّث عن نظام مغلق ونعتبر المجتمع نسقا من الاحتمالات – وهذا من توجهات الفكر السوسيولوجي – فإن ذلك لا يصدق، في الواقع، على غير المجتمع الأمريكي. وفعلا، فحتى السوفييت أنفسهم ليسوا أحرارا طالما هم يتكلمون عن اللحاق بالنظام الرأسمالي لتجاوزه. فما بالك بنا نحن ؟

 

  • بلال : أودّ الرجوع الى مفهوم التأخر التاريخي هذا، فبسبب الانزياح، والهيمنة، نجد أن مجتمعاتنا لا تتمتع باستقلالها الذاتي، وأنه ينبغي دراسة قوانا الاجتماعية في الوقت الراهن من أجل النظر في امكانات تطوّرها. إن ثمة ضغوطات تعود الى تبعيتنا تجاه الامبريالية والى الارث الثقافي الخاص بنا. وهناك مشكلة تؤرقني كثيرا منذ قرأت كتاب العروي وهي : إذا أردنا أن نخطو إلى أمام، ونخرج من التبعية ونبني اقتصادا ومجتمعا مستقلين ذاتيا، حقاً (وهذا المشروع هو ما يوحدنا جميعا)، فالى أي حد يمكننا الاكتفاء بتبني موقف نقدي تجاه مجتمعنا ذاته ؟ إنني متفق مع كل ما يتعلق بالثقالة والتقلدة. إلا أنني أتساءل: أليس ثمة شيء يمكن استرجاعه من هذا الارث ودمجه في فكر وطني جديد، وفي ثقافة تقوم على أسس علمية؟ الا يمكن الانتهاء الى خلاصة تركيبية، لا على الصعيد النظري وحده، مثلما فعل ذلك المجتمعان الصيني والفيتنامي، مثلا، اللذان يخطوان أماما بطريقتهما الخاصة؟ إنى أطرح السؤال، اذن، وهو: إذا أخذنا الأصالة الثقافية للعالم العربي، والحضارة العربية بعين الاعتبار، فهل بإمكاننا أن نتصوّر تركيباً من هذا النوع، والى أيّ حدّ ؟
  •  العروي : لقد كان هذا هو انشغالي طيلة سنوات. ومن المفروغ منه أن موقفي هذا جدالي، مثله في ذلك مثل مفهوم “التأخر التاريخي” ذاته.

إلا أن الموقف القائل : ” لنسترجع الماضي، ولنبحث عن تركيب” كان يستعاد دائما من طرف قوى اليمين ويُستعمل لتعزيزها. وتلك واقعة ظرفية.

لست أنفي الثقافة العربية، ولا الحضارة العربية، رغم أنه لم يعد بالامكان الحكم عليها تبعا لمزاياها الخاصة. بل لست أعتقد أن بإمكان العرب أن يفقدوا، قط، أصالتهم، لو تبنوا أكثر الايديولوجيات عقلانية، ولو صنعوا بلدانهم. لكن ينبغي كذلك أن نجري تمييزا داخل ميراث الماضي هذا، الذي ليس وحيد الجوهر والشكل مثلما يُقال، والذي ليست ثقافته ثقافة الطبقات المهيمنة فقط، مادام هناك دائما، بهذا القدر أو ذاك، تعبير عن الطبقات المهيمن عليها. هكذا نقول إن ثمة تراثا يمكن استرجاعه في تاريخ الخوارج أو الشيعة في بداياتها، والاسماعيلية وحركة إخوان الصفا.

إلا أنه لا يمكن استعادة هذا التقليد إلا إذا تبنّينا وجهة نظر ليبرالية على الأقل، ذلك أنه اذا لم نتبنّ الليبرالية فلن نعرف ما يمكن أخذه من الماضي. وهذا ما دفعني الى الدعوة لمعاودة تبنّي الليبرالية، أي الفكر العلمي.

إن الحديث عن الاشتراكية الاسلامية لا يمكن أن يكون ذا معنى إلا إذا أوّلناه على ضوء مناهج الفكر المعاصر وتجاربه. لكن الرغبة في العودة الى عمر بن الخطاب أو علي بن ابي طالب هي رغبة مستحيلة، مثلها في ذلك مثل تقديم أحد أشكال الزكاة باعتباره اشتراكيا. وعلى كلّ حال، فإنا ننسى واقع أن ماركس لم يقل قطّ بأنه لم تكن هناك اشتراكية إقطاعية أو ليبرالية. فلكل أن يكون اشتراكيا بطريقته، إلا أن الاشتراكية الاقطاعية ليست عصرية.

إن الماضي لا يمكنه أن يخدمنا في حلّ مشاكلنا ولا في إعادة إعطاء الماضي قيمته الحقيقة.

  •  بلال : ينبغي، إذن، إعادة وضع الأشياء في أماكنها، أنا متفق. لكن ثمة ظاهرة كبح تثيرها الحضارة الغربية، وتظهر على وجه الخصوص في التيار «التقنوقراطي التحديثي» الذي يضر بالأطر التقنية والادراية مثلا. وأعتقد أن ثمة – في مجتمعنا وفي المجتمعات العربية عامة – حصراً على مستوى الابداع الفكري والثقافي والايديولوجي يعود، في جزء كبير منه، الى ذلك الكبح أو الاستلاب. نحن لا نستعمل الماضي من أجل استعادة الثقة في كفاءاتنا، ونقلّد الماضي دون إبداع، وهنا مصدر الكبح.

إلى أيّ حد يمكن للفكر الثوري أن يستند ـ كعامل مساعد ـ على النواة الايجابية لتراثنا الثقافي من أجل التقدم ؟ إن لهذا الموقف حظوظ نجاح ، وذلك لأن الفكر العلمي يتصوّره أناس خاضعون، هم ذاتهم، لتاريخ، ولمجتمع، الخ.

  • جسوس: إن المشكل الأساسي في رأيي، والى حد بعيد، ليس هو معرفة ما إذا كان ينبغي الاستناد الى هذا المكسب التاريخي (وخاصة الى بعض خياراته الاجتماعية والأخلاقية والثقافية)، وإنما المشكل بالأحرى هو استخلاص دراسة إعدادية قابلة لأن تعيننا في التعرّف على كل ما هو إيجابي ومقبول في هذا الماضي. ذلك “أن الشعوب التي تنسى ماضيها محكوم عليها بإعادته” – كما يقول الفيلسوف سانتيانا. يضاف الى ذلك أن أحد أعمق حدوسات سيغموند فرويد كان إظهار أن ماضي الكائن البشري يمكنه أن يعينه في التفتّح والتطوّر، كما يمكن أن يحكم عليه بالشلل والعجز.

إن الانسان المريض، تبعا لفرويد، هو ذلك الذي لم يسوّ حساباته مع ماضيه، هو الذي بقي محصورا داخله، والذي لا يستطيع ـ بالتالي ـ أن يتفرغ كلية للحاضر، ولا أن يهييء المستقبل. فكلما صادف مواقف أو أفكارا جديدة يتدخّل ماضيه لاخفائها أو تشويهها؛ وحيثما ذهب لا يلقى غير ماضيه ـ غير ماضٍ خالد. ومن أجل شفاء» هذه الرجل المريض يهدف التحليل النفسي الى تعريفه على ماضيه، وتشريح إوالياته الجوهرية، قصد تحريره.

هكذا فان الشعوب العربية لم تسوّ بعد حساباتها مع ماضيها.


وإن أحد أكبر أخطاء المثقفين الثوريين، في اعتقادي، كان التغاضي عن تراثنا العربي – الاسلامي، واعتباره بناء منخورا، أو نسيجا من السخافات المرتبطة بذهنية عتيقة متجاوزة، الشيء الذي نجم عنه تركه بين أيدي الفقهاء والأولياء والسياسيين الذين أوّلوه على نحو رجعي، واستطاعوا نشر تأويلاتهم في الأوساط الشعبية. والحال أن الاسلام أهمّ من أن يترك لـ«العلماء» والمشعوذين: وعلينا أن نعيد تملّكه في أقصى نطاق ممكن.

إن علينا أن نشرع ـ على غرار المحلّلين النفسيين ـ في بحثٍ تفصيلي يتناول ماضينا، وأن نستخلص منه إكراهات هذا الماضي وعظمته. ينبغي للأجيال الصاعدة أن تعرف بأن المجتمع العربي ـ حتى في أيام أوجه وعنفوانه ـ كان يحتوي قيما، وقيما مضادة، كما كان يشكّل وسطاً مساعداً على الفقر والاستغلال والظلامية والاهانة والاستبداد، وأن هذه الآفات تنتمي، بدورها، الى ميراثها التاريخي.

وأخيرا، ينبغي الشروع في تأويل سوسيولوجي لتاريخنا بهدف إضفاء طابع النسبية عليه ورفع الحجُب عنه، بإظهار أن الجماعة العربية – الاسلامية لم تتردّد، كثيرا من الأحيان، في التجديد من أجل التكيّف مع شروط متغيّرة (مثلما جرى أيام الأمويين والعباسيين)، وبالكشف عن الشروط الاجتماعية – السياسية التي تسببت في انحراف ـ بل وفي انقلاب كلّي أحيانا ـ للمعايير والآمال الاسلامية الأصيلة، الخ..

إن تحاليل من هذا النوع تنقصنا كثيرا، وخاصة في هذه اللحظات الحرجة، حيث يسعى النقاش حول الاسلام الى التقاطب بين أولئك الذين يرفضونه كلية وأولائك الذين يدافعون عنه كلية، إلا أنهما، معا، يتحركان في الغالب الأعمّ بفعل نزعة انتهازية أو نزعة عاطفية أكثر مما يتحركان استنادا الى قاعدة من المعتقدات الناضجة المتبصّرة. تلك المعتقدات التي يمكنها مساعدتنا في التمييز بين “ماضينا” بأكمله وبين “تراثنا” الذي يستحق وحده أن نحافظ عليه ونغنيه (مثلما تقترح ليلى بعلبكي).

إن هذه المرافعة من أجل إعادة تملّك تراثنا الثقافي تملّكا نقديا لا تمثّل، بأي حال من الاحوال، دفاعا عن اكتفاء ذاتي ثقافي. وإن استرجاع هذا التراث استرجاعا نقديا (خاصة اذا ضمّناه التقاليد الشعبية التي لاتزال حيّة الى يومنا هذا) لا يشكّل مجرد خيار نظري بل ضرورةً عملية تكاد تكون محتومة. فهذا الاسترجاع يفرض نفسه، أولا، لأن هذا التراث أبعد من أن نكون قد تجاوزناه: فهو يحتوي، بالفعل، على مكاسب مهمة لازال بإمكانها مساعدتنا على مواجهة الأزمنة الحديثة التي تشكّل جزءا من التراث المشترك لكل الانسانية، مكاسب تستحق أخذها بعين الاعتبار، مثلها في ذلك مثل إسهامات الحضارات الاخرى على الاقل. كما أن محتوى ذلك التراث، من جهة أخرى، ليس أحاديا، بل يتضمن تعدّدية في الامكانيات جديرة بأن يتمّ تكييفها مع حاجيات كل حالة حالة، وخصوصياتها.

زد على ذلك أن كل التاريخ البشري يُظهر أنه لا إبداع إلا إنطلاقا مما نحن عليه ومما نملكه، كما أن الشرائح الشعبية تظل، في جملتها، ولازالت، مرتبطة بهذا الارث العربي الاسلامي أكثر من ارتباطها بأية إيديولوجية طُرحت عليها حتى الآن ( حتى وإن كانت كل مجموعة تفسّر ذلك الارث بطريقتها الخاصة)؛ وأثناء الدخول في نقاش مع هذه الشرائح فإن أول شيء يسألونك عنه، ويريدون منك جوابا عليه بالايجاب، هو: «هل أنت مسلم؟»، أي : «هل تضع نفسك داخل المجموعة العربية – الاسلامية أم خارجها؟». وإن كل جواب بالنفي، أو كل جواب ملتبس على هذا السؤال، ينتهي، على وجه العموم، الى انقطاع للحوار. ينبغي، إذن، تحليل هذا التراث، دون السقوط لا في النزعة العاطفية ولا في النزعة السلبية ولا في النفاق وخوض حرب الاستشهادات مع الفقهاء.

  •  بلال: الدراسة التمهيدية [التي يتكلم عنها الأخ جسوس] لايمكنها أن تظهر ما لم تكن مرتبطة بممارسة معينة للنضال من أجل تحويل المجتمع. وفيما يخصّ “النخب الاجتماعية” يمكننا القبول بالتحديد الذي قدّمه العروي. فإذا درسنا تاريخ الثورة الفرنسية، على سبيل المثال، لفت انتباهنا كل ذلك العمل التغييري الذي سبقها. والحال أن الفئة الاجتماعية التي لعبت هذا الدور اليوم ـ عندنا أو في العالم الثالث عامة ـ، ألا وهي البرجوازية، تبدو عاجزة عن القيام بذلك التغيير. لذلك لا يمكن لـ”النخبة” أن تكون مرتبطة بهذه الفئة الاجتماعية، وينبغي ايجاد مشروع تغييري جديد أعمق.

لقد تكلم العروي عن البرجوازية الصغرى، وهذا يطرح مشكلة كبيرة. فإذا كان ما نطلق عليه اسم البرجوازية يقع خارج اللعبة على الصعيد الحركي، لأنها توجد في وضعية تبعية تجاه رأس المال الخارجي، أو رأس مال الدولة، فإن ما يبقى لدينا هو البرجوازية الصغرى. إلا أن نموذج المجتمع الذي تقترحه شرع في إظهار حدوده أثناء الممارسة، الشيء الذي يضر بقسم من الشبيبة.

ويستحسن الذهاب الى أبعد مدى في فهمنا للتناقضات داخل البرجوازيات الصغرى العربية، التي تعد بأكثر مما يمكنها إعطاؤه. لقد أنجزت هذه [البرجوازيات] خطوة صغيرة لابد من تقديرها حقّ قدرها فيما يتعلق بالتحويل الاجتماعي والايديولوجي، إلا أنها ضاعفت عددا معيّنا من الحصارات أو حافظت عليه. وقد دفع العالم العربي الثمن غاليا، الى الآن، من أجل تنقية الطريق من التحوّلات المحدودة. لذلك فان من مصلحتنا، أكثر فأكثر، القول بأن المثقفين الثوريين مدعوون للعب دورٍ مهم، لكن بالاندماج في نضال الجماهير، وبالابتعاد عن التصور البرجوازي الصغير للعالم، عبر النضال السياسي والايديولوجي، من أجل التحوّل الى نخبة حقيقية، يتصاعد تملكها للوعي باضطراد.

وللذين تغيّروا، وحدهم، أن يأملوا في تغيير الآخرين. وإن التقليدويين واليمين هم من استعمل إرثنا الثقافي، الى الآن، مضيفين إليه زبدتهم من أجل مناهضة التحرّر الحقيقي. وإذا كنا نستشرف عملا تغييريا، فإنه من المستحيل تركه لهم. 

  •  جسوس : من أجل استخلاص مهام النخبة، لابد من تطوير أخلاقية ما تنقص ما نسميه مثقفينا في سلوكهم اليومي، وفي مناهج تحليلهم. إنهم ليسوا عقلانيين وعنيفين سوى تجاه خصومهم، لا تجاه أنفسهم بالذات، وهم لا يستعملون العلم إلا ضد الآخرين، ويرفضون نقد أنفسهم بأنفسهم. إنهم يريدون تعويض القرآن بقرآن آخر، وهذا هو الخطأ الأكبر. إنهم يخشون الشك والقلق واللايقين.
  •  بلال : ثمة أناس يريدون الاعتقاد في أشياء معينة من أجل التحرك. 
  • جسوس : كثير من المثقفين العرب يرزحون تحت وطأة حاجة مَرَضية هي الانتقال بسرعة من حقيقة مطلقة الى أخرى، في حين أن أول مبدأ للعقلانية الحديثة هو أنه ليس ثمة، وبالتحديد، أية حقيقة مطلقة دائمة، وأن كل ما ينبغي توقعه هو بعض الحقائق الجزئية والنسبية، وأنه ينبغي تلطيف هذه بجرعة قوية من الشك والسخرية. إن الشكّ بناء؛ بل إنه يشكل ماهية الحداثة ذاتها، وهو يفرض ذاته دوما أمام عالم “ليس الفعل فيه أخا للحُلم”، كما قال الشاعر وأحسن القول.

ويلجأ مثقفون آخرون الى اللاتماسك وسوء النية. فيدافعون عن معايير لا يكنون لها أدنى احترام، ويرفضون كل نقاش حقيقي مكررين كثيرا من الأشياء التي ليسوا على يقين منها. وإن صياغة نظام ترميز في علم الواجبات الأدبية بخصوص النشاط الثقافي سيكون جد مفيد لنا هنا. إن نظام ترميز من هذا النوع سيطرح، أول ما يطرح، أنه ليس ثمة أجوبة شاملة، جاهزة، قادرة بسرعة على إرضاء ريبتنا الراهنة، وأنه ليس ثمة نماذج كاملة يكفي تقليدها للانتقال من الوهم الى الحقيقة النهائية.

وليس بإمكاننا (كما أنه لا ينبغي لنا) تعويض القرآن بـ”رأس المال” أو بـ”الكتاب الأحمر” لماو تسي تونغ. وإن التأمل والنقد ومراجعة معارفنا ومعتقداتنا واجبات دائمة.

  • العروي: لقد كنت أكثر وضوحا بهذا الصدد في كتابي “العرب والفكر التاريخي”. فهناك موقفان: أولهما: كثيرا ما يجري تبنيه، الى يومنا هذا، وهو استعمال نظام تحليل أجنبي من أجل جعل الناس يقبلون بالتقليد الثقافي. مثال ذلك قصة “حي بن يقظان” التي نشرت في سوريا بمقدمة لخالد بكداش. والحال أن هذه المحاولات الظرفية التي تحاول إظهار نفسها باعتبارها تسير على خط التقليد لم تنته، ولا يمكنها الانتهاء، الى شيء. وهذا هو الخطأ الرئيسي الذي وقع فيه الماركسيون بالعالم العربي، وهم غير معرَّبين بالمعنى الحقيقي للكلمة ولا ينتجون غير أنواع وأشكال من الوسائط البيداغوجية. لكن إذا استعملنا المنهج العلمي الماركسي لدراسة المجتمع، فلن نكون في حاجة قط الى القول بأننا ماركسيون. لقد تكلّمت عن هيمنة ثقافية علينا التوصل اليها، هيمنة لعل البلوغ إليها أسهل من البلوغ إلى مثيلتها السياسية، بل إن تلك شرط لهذه.

أقول مثلا، إن دراسة الفكر الاقتصادي والأخلاقيات الاجتماعية المنتميين للاسلام التقليدي كانت ممكنة منذ نصف قرن، إلا أن العرب انتظروا إلى أن قام أمريكي بالعمل مكانهم، كما أن التنظيم الحضري الذي لعب دوراً مهماً جداً في الاسلام لم يتم تحليله الا من طرف بعض الانجليز وأحد الفرنسيين هو كلود كاهن، الخ.

لقد ألف صادق جلال العظم كتابا عن الحب العذري وتبايناته البدوية والحضرية، و[شخصيا] أعتبر هذا العمل في غاية الأهمية، لأن هذا من الموضوعات التي يحبها التقليدويون كثيرا، لكن التي ينبغي دراستها دراسة علمية. ويمكننا وضع قائمة بالدراسات الممكن القيام بها والتي ستساعدنا على تغيير الفكر العربي، لأنها تأتي بمنهج علمي للتحليل عن طريق الممارسة، لا على صورة “خطاب في المنهج” مجردة ومتعذر فهمها في أغلب الأحيان. فإذا أردنا الشروع في تغيير ما، لابد لنا من معرفة التاريخ الواقعي.

ويمكن أن أكون متفقا مع استعادة التقليد، لكن بهذا المعنى، أي من أجل جعله أوضح مع الابتعاد عن كل قوموية ثقافية هي أشرس الأعداء. وعلى نقد الايديولوجيا المعاصرة للبرجوازية الصغرى أن يتم، كذلك، لأن هذه ظاهرة أساسية في العالم العربي. ويمكننا القول بأن أحدا لم يدرس، بعد، الجذور التاريخية ولا الشروط السياسية والظروف العامة للاقتصاد العالمي، التي مكنت البرجوازية الصغرى من الاستيلاء على السلطة في العالم العربي.

والواقع أن السلطة المعاصرة هي اليوم بين أيدي البرجوازية الصغرى وستظل كذلك لزمن طويل. لماذا؟ أولا لأن البلدان التي تعرف مأزقا ما محدودة العدد. المغرب، تونس، نعم؛ الجزائر، ليس بعد؛ مصر، بالتأكيد؛ إلا أن العالم العربي كيان، متكامل أم لا، ومن هنا يمكن للبرجوازية الصغرى أن تتنفس. ومصر أسطع دليل على ذلك، فالبرجوازية الصغرى ظلت قائمة بعد هزيمة 1967، رغم إخفاقها، وذلك بفضل المعونة الخارجية، كما نلاحظ ان تلك البرجوازية تتقدم بمصر لزمن طويل ودون مجهود. لا ينبغي توهم أن البرجوازية الصغرى عاجزة عن إخفاء تناقضاتها الاجتماعية.

أما تونس فإنها كادت تتجاوز إخفاقها عن طريق وحدتها مع ليبيا. ولازال برنامج التربية الثقافية مطروحا على جدول الأعمال، خاصة بسبب التناقضات الموجودة بين البلدان الغنية ماديا والمتخلفة بشريا، وبين البلدان الفقيرة ماديا والمتقدمة بشريا، رغم التكامل الموجود حاليا بينها.

كل شيء يعمل، اذن، ضد نضج التناقضات الاجتماعية، ومن هنا تأتي أهمية برنامج التحديث الثقافي في هذه الفترة الزمنية. لكن ينبغي إضافة أن الحكومات ليست ترفض كل تحديث، بل إنها، على عكس ذلك، تقبل جميع أنواعه ما عدا التحديث العقلي، ومن هنا ينبغي أن نعي بواقع أن التحديث الحقيقي هو تحديث الفكر.

بيد أن كُلّ مقارنة مع الثوار الصينيين والفيتناميين هي مقارنة مستحيلة، وذلك أن هؤلاء يمسكون زمام السلطة، والمقارنة الوحيدة التي يمكن القيام بها هي المقارنة مع الثوريين الصينيين خلال سنوات 1928 ـ 1936، حين كانت السلطة والادارة لاتزالان بأيدي أولئك الذين كانوا ضد التحديث: ما هو ياترى الموقف الذي كان أولئك الثوريون سيتخذونه؟ هل كانوا سيتخذون موقفا جداليا يرفض كل العناصر التقليدية؟ إن السلطة تعطي بعدا آخر ما أبعدنا، نحن، عنه. 

  • بلال: لقد تبنّت جبهة الكامبودج الموحّدة التي تقود النضال التحرري بهذا البلد مع سيهانوك، والتي يوجّهها الماركسيون، ميثاقا ورد ـ من بين ما ورد ـ فيه، أن ديانة دولة الكامبودج هي البوذية، وقد وقع الشيوعيون على هذا الميثاق. أذكر كذلك مثالا آخر ينبغي التأمل فيه، وهو اعتماد بعض الممارسات القديمة بشمال الفيتنام، ممارسات مكنت من تجنيد جميع الامكانيات الشعبية ضمن المجهود الخارق الذي تطلّبه النضال ضد العدوان الامريكي. فلحل بعض المشاكل وجد الفيتناميون أن استعمال بعض الصيغ القديمة المجدّدة كان أكثر اقتصادية وفعالية. وينبغي النظر في كيف يمكن للعالم العربي، في آفاق التغيير، أن يأخذ بالتعاليم العامة لهذا النوع من التجارب. أما عن مسألة الماركسية في العالم العربي، فثمة تقدم. 
  •  العروي : لا جدال في ذلك.
  •  بلال: فالحزب الذي وصل الى السلطة في اليمن الجنوبي والذي انطلق كحركة وطنية يصرّح الآن بتبنيه للاشتراكية العلمية. وفي الممارسة تطبق هنالك مبادىء ثورة وطنية ديمقراطية توجّهها الماركسية ـ اللينينية. كما يعتبر الحزب الشيوعي، في السودان، حزبا قويا نوعا ما. ويوجد الشيوعيون بالعراق في الحكم مع حزب البعث، ونفس الشيء بسوريا. لقد حققت الماركسية تقدما في العالم العربي، بما في ذلك وسط الجماهير. وهي ظاهرة جديدة يمكن إرجاعها الى كون مسألة الاشتراكية قد طرحت على الصعيد العالمي، وإلى نوع من النضج الذي عرفته الشعوب العربية.

ومع ذلك، فلازالت الماركسية متأخرة في العالم العربي، وإذا كان بعض التقدم قد تحقق، فإنه من الأهمية بمكان، اليوم، أن يستعمل المثقفون العرب فعلا أداة المعرفة هذه لتحليل التاريخ والماضي الثقافي بشكل أفضل، الشيء الذي سيقدم خدمات عظيمة. ببساطة، يجب ألا نطبق الماركسية باعتبارها إجابة دوغمائية، بل كتصور علمي للعالم يتيح لنا التمكن من الواقع قصد تحويله. وإن إحدى العراقيل الموجودة لحد الآن، تتمثل في شكل من أشكال الاستيلاب تجاه تصور معين للماركسية، وهي ظاهرة محاكاة، لأن الماركسية موضةٌ الآن. هكذا يجري تبنيها دون أن تُستوعب حقا. من هنا كانت محاولة العروي لتقديم الماركسية للعالم العربي مهمة، لأن ما يلزمنا هو أكثر من إعادة قراءة ماركس، هو استيعاب النماذج الأوربية التي تطورت الماركسية داخلها واتخاذ نوع من المسافة تجاهها. علميا، يجب علينا أن نعيد عمل لينين، وذلك أن على الماركسية أن تصبح أداة لمعرفة واقعنا، من أجل تحليله وإبراز سبل المستقبل، مع إجراء عملية تطعيم خصب على الساحة العربية في نفس الوقت.

  • العروي: خصوصا وأن لدينا تجربة أولى للفكر الاسلامي. هكذا فنحن نعرف، بالنسبة للفلسفة الديمقراطية الاغريقية، أن الفلاسفة العرب قد درسوها بجدية، لكن بشكل مجرد، وذلك لأنهم كانوا يعيشون في عالم لا علاقة له بـ«جمهورية» أفلاطون. كانوا يلعبون بالفلسفة الاغريقية مثلما يلعبون الشطرنج. ونفس النتيجة يمكن الانتهاء إليها مع الماركسية. فالماركسية تصبح ـ بفعل الظروف والتأخر ـ معادلا للفكر التاريخي، لكي نحكم على كل شيء بناء على خط معين من التطور النظري، ينبغي وضع كل الأشياء في أماكنها بالنسبة له، في تماسك وعقلانية. وعلى عكس ما نظن، فإن الفكر الرياضي وعلوم الطبيعة يمكن استعادتها بسهولة في العالم العربي، لكننا لانريد أن نقبل بالمنطق التاريخي. 
  •  جسوس: في كل محاولة لاستعادة ماضينا استعادة نقدية يوجد ما يمكن أن أسميه بالحد الأدنى الثقافي الحيوي الذي يجب أن نُبدي تصلبا إزاءه، وإن كان متناقضا، أحيانا، مع تراثنا الثقافي. هذا الحد الأدنى الحيوي يجب ألا يكون موضوع أية مساومة مع ثقافتنا التقليدية، لأنه يمثل ماهية العقلانية الحديثة بالذات. وهو يتلخص في مبدأين أساسيين يمكن أن أدعوهما مبدأ المعقولية ومبدأ الاحتمالية. بناءً على مبدأ المعقولية فإن العالم لا تتحكم فيه لا الصدفة ولا القوى المتقلّبة الخفية، بل تتحكم فيه، على عكس ذلك، قوى محسوسة وقوانين موضوعية يمكن للانسان أن يعرفها ويراقبها من أجل أن يلبي حاجياته بشكل أفضل. الأمر الذي ينجم عنه نفي كل تفسير مزعوم عن طريق الصدفة أو بفعل قوى سحرية أو فوق ـ تجربية.

إن ما نسميه صدفة ليس سوى مقولة متبقية ومؤقتة تشير الى ما لم يتم اكتشافه، بعد، بشكل كاف. ومن جهة أخرى، يجعلنا مبدأ المعقولية لا نقبل الا بصلاحية ما يمكننا فحصه حسب إجراءات محدّدة، ويدفعنا الى قبول “فك ما لسحر العالم” (كما قال ماكس فيبر)، وتجريده من مفاهيمه السحرية أو الشعرية أو الميتافيزيقية، حتى لا نعود نرى فيه سوى مجموعة من الاواليات الملموسة والموضوعية.

هذا المبدأ، الذي هو قاعدة كل العلوم العصرية، يوجد في تناقض ظاهر مع جزء كبير من ثقافتنا التقليدية التي تنفي عمومية مبدأ الحتمية، وتفترض، في غالب الأحيان، أن كل شيء ممكن حصوله، وأن نفس الأسباب لا تؤدي الى نفس النتائج.

أما مبدأ الاحتمالية فيقترب أكثر مما يسميه العروي بالتاريخية. إنه يصادر على ألاشيء محتّم أو مقدّس أو دائم في الوضع البشري، وأن كل شيء قابل للاكتمال. فالفقر ليس قانونا طبيعيا ولا ضرورة اقتصادية محتومة ومستقرة، وإنما هو نتيجة شروط سياسية واجتماعية وثقافية يمكن إعادة تنظيمها وتغييرها. وينتج عن هذا أن الانسان لم يستنفذ بعد كل الامكانات المتوفرة لديه: فيمكنه أن يطالب بالسعادة عوض أن يكتفي بالسعي وراء التخفيف من تعاسته كما فعل منذ أمد طويل، إن بالامكان تصور مستقبل أفضل، وبالامكان التخطيط له إذا ما لجأنا الى المناهج العلمية الحديثة. 

من جهة أخرى، فإن كل نظام قائم لا يمكن قبوله الا إذا لم نتصور نظاما أكثر مصداقية منه، وكل مؤسسة تظهر نواقص ما يجب إعادة النظر فيها وتعديلها. كما يجب، في النهاية، تجريد المجتمع والمعارف الانسانية من كل قداسة؛ يجب النظر إليها باعتبارها أعمالا غير تامة دائما، لابد من العودة اليها وتحسينها باستمرار. ينتج عن هذا أن تغيير وضع الانسان أمر لا مفر منه، وأن كل محاولة لايقافه أو لاعادة تحيين ماض بائد سيحكم عليها بالفشل؛ فالتغيير ـ بعيدا عن أن يكون تهديدا ـ يمكن أن يكون وسيلة لتشجيع تفتح الانسان، شرط أن ينظّم على نحو عقلي وعلمي. وان مبدأ الاكتمالية هذا يوجد، هو الآخر، في تناقض مع قسم كبير من الثقافة الشعبية التي حملت، لزمن طويل، رؤية أكثر تشاؤما عن التاريخ البشري. إن بإمكان مبادىء من هذا النوع أن تكون نقطة انطلاق لبرامج تربية شعبية ولتحديث ثقافي في استقلال عن الاختلافات العديدة بين الاختيارات السياسية والايديولوجية الأكثر ملموسية والمقترحة من طرف هذا التجمع أو ذاك. فمهمة التعليم الأساسية، مثلا، يمكن تصورها باعتبارها برهنة ملموسة ومفصلة على هذه المبادىء، متجاوزة لكل المعلومات الخاصة التي توجّه للطلبة عادة.

  •  العروي: هذا الموقف الليبرالي والعقلي، هو حدث أساسي، لم يُقبل قط من طرف الفكر التقليدي. وإني أتساءل عما إذا لم يكن أحد أسباب التأخر الثقافي الأساسية كامنا في الخلط بين استعمال البرجوازية الغربية لهذه الليبرالية وبين الليبرالية كحدّ أدنى للعقلانية. ذلك الحد الأدنى الذي ستكون كل مجموعة ثورية مضطرة للقبول به مستقبلا، قصد تجاوزه، والذي لا يمكننا أن ننكره منذ البداية وإلا سقطنا في الخلط. مثلما يحصل عندما يعتبر التقليديون أن الماركسية متجاوزة، ويقدّمون أنفسهم باعتبارهم أكثر حداثة من الماركسيين الجامدين. 
  • بلال: والحاصل أن التطورات الأحدث عهدا للماركسية على الصعيد النظري والعلمي بالنسبة لمجتمعات “العالم الثالث”، تؤدي الى القول بأنه لابد، قبل بناء مجتمع اشتراكي ما، من إنجاز ثورة ديمقراطية. وقد كان الأمر يتعلق في الصين والفيتنام، قبل كل شيء، بثورات ديمقراطية، لم تتحول الى ثورات اشتراكية إلا بعد زمن، عندما أعيدت دراسة الميراث الثقافي استنادا الى قاعدة جديدة، وعندما تطور فكر ماركسي حقيقي داخل الجماهير. إن الحركتين تتراكبان. والمقصود هو تكسير البنيات العتيقة للمجتمعات اللاديمقراطية واللاعقلانية، وهكذا يمكن فتح الطريق نحو مجتمع اشتراكي. 
  • العروي: لهذا السبب أخفق ذلك في العالم العربي، حيث رُفضت الليبرالية التي هي، بالتحديد، أساس الفكر الحديث. لماذا حافظ العرب على هذا الرفض في حين أنهم أول من اتصل بهذا الفكر الحديث؟ ونحن الآن في سنة 1974، ونكرر نفس الشيء. هذا هو تأخر العرب الثقافي.
  •  جسوس: اسمحوا لي أن أستشهد بجملة لبرتولد بريخت في “غاليلو غاليلي” : “مرعبةٌ هي خيبة أولئك الذين يكتشفون بأنهم كانوا ضحايا وهم، بأن القديم أقوى من الجديد، بأن “الأحداث” ضدهم وليست معهم. كانوا يريدون أن يكونوا في القمة، لكنهم وجدوا أنفسهم متجاوَزين”. وحينها، يقول برتولد بريخت، “ينتقلون من الخيبة الى الخيانة… أولئك الذين لم يفقدوا الرغبة في العمل من أجل مثلهم الأعلى باتوا الآن يعملون ضده… ليس هناك رجعي أعند من المصلح الذي فشل”. ويمكن لهذا أن يصلح كشاهدة قبر بالنسبة للبرجوازية الصغرى.
  •  العروي: ما لم نبحث عن الأسباب، فسيكون محكوما علينا بتكرار التجربة. ولا يمكن للمثقف الثوري أن يغيّر عقليته إلا إذا قام بدمج مكتسبات الليبرالية التاريخية. وهذا هو الدرس الأساسي لماركس. إلا أنه يقال لي:”هو ذا رجل يستعمل ماركس من أجل الدفع بمصالح البرجوازيات الوطنية إلى أمام”. 
  • جسوس: إن اخفاق البرجوازية الصغرى كعامل تحديث في العالم العربي يُفسَّر، في قسم كبير منه، بكون هذه الطبقة تخلط حداثةً سطحية وغير مستوعبة جيدا بمخلفات تقليدية هائلة مازالت تلقي بكل ثقلها على ما تحت وعيها. وفي خليط غير قار كهذا، ينتهي التقليد دائما بالانتصار، خاصة في حالة أزمة أو رضّات اجتماعية. O بلال : لأنها تريد الحفاظ على هيمنتها على الجماهير.
  • جسوس: طبعا، فالبرجوازية الصغرى، لتقوية هيمنتها على الجماهير، ترمي في الوقت نفسه الى الحفاظ على احتكارها للمعارف العلمية والتقنية الحديثة، مع الابقاء على الشرائح الشعبية في حالة من التقليدوية والتخلف.
  •  العروي: إن لها عقلية ثنائية.
  •  بلال: بإعطائها انطباع أنها تدافع عن إيديولوجيا وطنية مزعومة، لكن عمق ذلك هو إرادة الحفاظ على هيمنتها على الجماهير خوفا من انتحارها كطبقة.
  •  العروي: مع عسكرة البلدان العربية، قامت البرجوازية الصغيرة بتنظيم المجتمع على نحو يستحيل معه خلق قوى احتجاجية داخله. وكل المثقفين بورجوازيون صغار. فكيف نتعرف على التناقضات بين البرجوازية الصغرى والمثقفين؟ هنا نلتقي مجددا، إذن، بضرورة التحويل الثقافي. يجب الانطلاق من المفترضات البرجوازية الصغيرة. فما داموا يريدون التحرر من السيطرة الغربية، وهم يقولون ذلك، فيجب أن نجعلهم يستخلصون وجوب ثورة ثقافية، مادامت التقلدة تفضي الى اتجاه معاكس. قد يبدو ما أقوله مثاليا، لكني لست أرى بديلا عنه.
  •  بلال: إلا إذا كنا قادرين على تطوير حركة سياسية خارج البرجوازية الصغرى. هكذا فإن البرجوازية الصغرى ليست مهيمنة في العراق، مادامت هناك حركة أخرى نشأت إلى جانبها يسيرها الشيوعيون. 
  • العروي: لكن قيادتها برجوازية صغرى 
  • بلال: في إطار تحالف ومن أجل الذهاب أبعد. لكن لا يمكن الاعلان عن موقف نهائي، لأن التجربة مازالت في بدايتها.
  • العروي: إن الفكر، في سوريا، تقليدوي رغم حداثة ظاهرية، بل إنه كذلك حتى عند الفلسطينيين. ونحن نعرف النتائج. هكذا توجد اتجاهات ناصرية مهيمنة في سوريا ولبنان، وإذا سألت لماذا؟ جاءك الجواب : “لأن الجماهير ناصرية”. وهذا يعني أن المثقف يتنازل حينئذ ويريد أن يكون مثل كل الناس، حتى لا يظل وحيدا.
  • جسوس: نحن في حاجة الى خيار تحديثي صريح، ومضاد للتقليد صراحة.
  •  العروي: هذا هو رأيي.
  •  جسوس: هناك في المغرب مستَنْبَتٌ من الشباب الذين استوعبوا الطرق التقنية الحديثة، لكن القليل منهم هو الذي استبطن حقا قواعد العلم الحديث الأساسية. إذا رأيتهم يشتغلون، يوما بعد يوم، يتولد لديك انطباع بأنه كان من الممكن بالنسبة لهم أن يعيشوا منذ خمسين أو مائة عام، وبأن معارفهم العلمية لا تشكل سوى دُرجٍ صغير جدا ومعزول داخل خزانة ضخمة مُترعة بأشياء قديمة ومنخورة. إن هذا النوع من الاثباتات يبرر الأهمية الحيوية التي يجب إيلاؤها لمشكل الثورة الثقافية والعقلية، رغم الايحاءات المثالية التي يمكن للبعض قراءتها عند اتخاذ موقف كهذا.
  •  العروي: يمكن أن أضيف: نظرا للظروف، وذلك أنه إذا تغيرت الظروف فسأكون أول من يغير رأيه.
  •  بلال: أكيد أن العمل الثقافي قطاع استراتيجي للدفع بجميع الناس الى الأمام، إلاّ أن المشكل الاجمالي المطروح على شعوبنا هو مشكل الطريق التاريخي المختصر. هل يمكن، خلال مرحلة تاريخية قصيرة، أن نقود المجتمع العربي الى مستوى من التقدم يطابق ذاك الذي يتطلبه التطور العام للبشرية في نهاية القرن العشرين؟ هل هذا الطريق المختصر ممكن ومأمول؟ ان ما حصل في الاتحاد السوفياتي وفي الصين يوضح بأننا اذا قمنا بتحويل المجتمع في اتجاه معين، وبمشروع معين، وبفسح المجال امام مشاركة جماهيرية واسعة يمكن، الى حد ما، انجاز هذا الطريق المختصر، والنجاح اجمالا، مع بعض الأخطاء طبعا، لكن مع النجاح في تحقيق تحول عميق، اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.

وإني أظن، زيادة على ذلك، بأن لا خيار لدينا، ومن هنا تستحق أفكار العروي أن تناقش إيجابيا. فتقَدُّم أوربا الغربية لم يكن بمثل العفوية التي يُقَدَّم بها، اذ عرفت هذه مراحل تغير كيفي مثل الثورتين الانجليزية والفرنسية اللتين كانتا، هما بالذات، نتاجا لنضج استمر قرونا عديدة، نتاجا للنهضة، وللاصلاح الديني، الخ.

ومن هنا فالسؤال الذي أطرحه هو التالي : عندما نتحدث عن ادماج الفكر العقلي، فهل المقصود هو القيام بتحويلٍ ما للعقل وللذهنيات، مع توفير مرحلة تطور من النمط البرجوازي (كانت هي مرحلة أوربا الغربية)، أم المقصود هو القيام بتحولات ثقافية وايديولوجية، مع رفض التنظيم الاقتصادي الرأسمالي، قصد التوجه نحو تحول من النمط الاشتراكي؟

  • العروي: في اعتقادي أن دمج مكتسبات العقلانية هو الوسيلة الوحيدة لتوفير هذه المرحلة الليبرالية فعلا. هذا هو تصوري عن التاريخانية. وهكذا فإن التأخر الذي يظهر على أبسط مستوى، وهو المستوى العسكري، يعبّر عن تأخر التنظيم الاقتصادي، الذي هو نفسه ناتج عن التناقضات الاجتماعية التي لم تجد حلها بعد والناجمة عن ركود عقلي معين.

إن الأساسي، إذن، هو التأخر الثقافي. فإذا رفضنا مفهوم هذا التأخر ومستتبعاته، وإذا اعتبرنا أنفسنا أحرارا في الاختيار، منذ الآن، بين الايديولوجيات المعروضة علينا اليوم، فان ذلك أحسن وسيلة نعيد بها، رغما عنا، صنع أوربا القرن التاسع عشر؛ أي صنع تطور لا نتحكم، نحن، فيه. فلاختصار الطريق يجب تبني التطور الغربي ثقافيا، وبالتالي، تبني منطق العالم الحديث، وإلا لما أمكننا التحرر عن طريق مشروع سياسي ـ ثقافي.

  • بلال: لكن أن نقبل بماذا؟
  • العروي: لنأخذ الاصلاح الزراعي. إذا حللنا هذا التصور فسنرى أنه ولد في علاقة مع الوعي بتأخر معين. يجب الاحالة هنا الى التطور الفلاحي الذي عرفته أروبا منذ الشروع في استصلاح الاراضي الى القرن التاسع عشر. يجب أن نستبطن عقليا، اذن، تطور جزء معين من العالم. لقد كان هنالك التطور الانجليزي الذي وعت فرنسا القرن الثامن عشر، تجاهه، بتأخر معين، فطُرح عليها بشكل موضوعي مشكل الاصلاح الزراعي الخاص بها، والذي وجد حله في اطار الثورة. كما توجَّب على ألمانيا أيضا، تجاه انجلترا وفرنسا، أن تحل المشكلة الزراعية. الأمر الذي قامت به على طريقتها في إطار الملكيات الكبيرة، في حين أنه تم بفرنسا في إطار الملكيات الصغيرة. وفي علاقة بهذه الاصلاحات طرحت روسيا مشكلها الزراعي طوال القرن التاسع عشر، وهكذا دواليك. فالمشكل لم يكن له ليُطرح لو لم تُصبح الزراعة الانجليزية أغزر انتاجية في لحظة معينة. ونفس الشيء يمكن قوله عن الصناعة وتأميم التجارة الخارجية، الخ… ثمة، خلف كل مشكل سياسي، مفهوم الالتحاق بالركب، وهو تطور قام بتحليله علماء الاجتماع والمؤرخون الذين بسطوا نموذجا للتحليل. فلكي نتمكن من التقدم في فهمنا للمشاكل الزراعية، ينبغي استبطان هذا التطور الذي يعود الفضل فيه، أصلا، الى التصور ذاته، والذي سيمكن للاقطاعي الذي يريد التحول والصناعي الذي هو في حاجة الى سوق، أن يتبنيا أيضا، في غيابه، أمر الاصلاح الزراعي، لكن دون خلفيته التصورية ودون منطقه.. فبدون هذا التصور سيمكنهما تطبيق [الاصلاح الزراعي] حسب مصالحهما بطريقة ناقصة ومتناقضة. هكذا، ونحن نرى ذلك يوميا، عندما نتبنى اصلاحات اقتصادية دون أن نُفهم جيدا عن أي سيرورة نتجت، سنسقط، آليا، في التبعية للسوق الدولية، لأن هذه السوق هي أيضا في حاجة الى إصلاح زراعي. 
  • بلال: هي في حاجة إلى نوع معيّن من الاصلاح الزراعي يسمح لها بتوسيع العلاقات الاجتماعية الرأسمالية.
  • العروي: إذا أردنا الطريق الاقتصادي المختصر، إذن، يجب أن نقبل عقليا منطق التاريخ الحديث الذي هو، بالتحديد، تاريخ أروبا الغربية، ولا مفر من ذلك. وهذا المنطق هو نفسه لدى ماركس، وهو ليس شيئا آخر غير مدخل لهذا المنطق الحديث وغير الوسيلة الأكثر منهجية لفهم عقلانية عمله بالذات، إن أولئك الذين يجهلون هذه الحقيقة يرفضون، من هنا بالذات، ذلك المنطق التاريخي الذي يوجّه تطور المجتمعات بنفس صلابة المنطق الرياضي. وعندما يقولون: “لماذا نسجن أنفسنا داخل الماركسية؟”، فإن هذا الرفض هو أفضل سجن.

إن التاريخانية هي قبول منطق العالم الحديث، والذي هو، مرة أخرى، وبالتحديد، منطق أروبا الغربية من القرن الخامس عشر إلى القرن التاسع عشر. وإن البلدان العربية تطالب بالاصلاح الزراعي والتصنيع والدمقرطة، وهي كلها مفاهيم لا تقبل العقلنة حقا إذا نحن اجتثثناها من السياق الذي أوجدَها. فالماركسية، طبعا، ليست هي الفكر التاريخاني فحسب، كما أن المجتمعات المتطورة ليست في حاجة الى التاريخانية مادام الفكر البورجوازي نفسه مؤرخَنًا (Historicisée)، لكننا في حاجة إليها كمرحلة تمهيدية.

وحينما سيقال لك : “نعم، لكنك تستعمل الماركسية حسب مصالحك الخاصة”، وسأجيب، لم لا؟ لم لا أطوّعها، فهي، رغم كل شيء، ليست بيولوجيا؟ وذلك أننا إذا لجأنا إلى منهجها في التحليل، فيجب أن يكون ذلك من أجل أسباب موضوعية، لكي تستجيب لحاجيات مجتمعنا.

  •  بلال: فعلاً، إن مساهمة العروي مهمة جدا بالنسبة لنا. لكن يجب توضيح بعض النقط. هناك في العالم العربي أناس كثيرون، وخاصة منهم التقنيون والاطر الادارية،… الخ، يمارسون التاريخانية المضادة في عملهم اليومي. هكذا نجد ـ وحول المسألة الزراعية دائمًا ـ أن سياسات التحديث القروي تشكّل نسخة من سياسات فرنسا أو الولايات المتحدة وتفترض ضمنيا أن للفلاح ما يكفيه من الأرض وأنه مكوَّن ومتعلم، قادر على قراءة الكراسات المبسّطة، وأن في إمكان صناعتنا أن تزوده بالآلات والأسمدة، الخ… إنها إذن، تصورات تقنوية تعكس استلابا تجاه النماذج الغربية وترفض أن تبذل مجهودا لتحليل الهياكل الواقعية، وأن تتكيف مع العالم القروي لتحويله. حتى وإن كان الحكام يتكلمون عن التحديث، فإنهم لا يقومون به حقا. إنهم لا يقومون سوى بترديد بعض السياسات والممارسات المنبثقة من مكان آخر دون نقدها وإعادة التفكير فيها واستيعابها. وإذا كانوا يتبنّون هذا الموقف، بالطبع، فلأن المصالح الاجتماعية الطبقية التي يدافعون عنها تفرض الحفاظ على العالم القروي في وضعية دونية.

إن التخلف، في العمق، هو فُضالة تطور الرأسمالية، ويُعتبر الابقاء عليه ضرورياً، إلى حد ما، من أجل التطور الرأسمالي الغربي. ولكننا عندما نريد الاستفادة من تجربة المجتمعات الغربية واستبطان الفكر التاريخي، كما يقول العروي، فإننا نجد أنفسنا في وضعية حرجة نوعا ما؛ إذ يجب، من جهة، أن ندين السيطرة الأمبريالية على اقتصادياتنا، والحصارات الناتجة عنها، كما يجب، من جهة أخرى، أن نفهم تاريخ الرأسمالية، ونأخذ بعين الاعتبار الدروس التي يمكن استخلاصها منه، وأن نستعمل أحسن ما أنتجه الغرب لنحل مشاكلنا، ذلك النتاج الذي كان، مع ذلك، أحد ردود فعله تجاه تطوره ذاته، أي الماركسية.

  • العروي: هناك مثال لم أفهمه إلا فيما بعد، وهو فائدة معامل الصلب الصغيرة في البوادي الصينية. يمكننا القول : “يالمضيعة الوقت هذه، يا للعودة إلى الوراء، مادامت هذه طرقا تنتمي إلى القرن الثامن عشر”. إلا أن أهميتها التاريخية جوهرية. ويمكن اعتبارها مدخلا للتاريخ الحديث. وفكرة لم يعرف أيٌّ من البلدان العربية مثلها قط. وهذا يضع النضج الصيني مقابل اللانضج العربي.

إني أوجد حاليا، أمام ثلاثة أعداء : الفكر التقليدي الذي يرفض الفكر التاريخي مبدئيا، والفكر التقنوقراطي الذي يهدف إلى تناول ما انتهت إليه أروبا دون تجربتها التاريخية والذي لا يمكن أن يعطي أية نتيجة، وأخيرا أولئك الذين يقومون بقراءة معينة للماركسية تأخذ بعين الاعتبار مصالح أروبا أو الدول الاشتراكية في الوقت الراهن، ويريدون أن يتم تبني الماركسية في مرحلة التطور العلمي الذي وصلته أروبا، وهذا لا يتطابق مع ما يتطلبه مجتمعنا. يجب أن أحارب إذن، على ثلاث جبهات. ولهذا يمكن لفكري أن يبدو صعبا. لكني أُبقي على مفهوم التأخر بدافع جدالي، لأن بعض المثقفين ينفونه. من الممكن ألاّ يكونوا، هم، متأخرين، لكن المشكل هو مشكل المجتمع لا مشكل الأفراد. 

  • جسوس: أنا متفق، لكن يبدو لي أن مفهوم الطريق التاريخي المختصر مفيد وخطير في نفس الوقت. مفيد لأنه ينكر كل تصور أحادي الخط، آلي، وقدري للتطوّر التاريخي، ولأنه يعني أن البشر ليس محكوما عليهم، وإلى الأبد، بتكرار أخطاء ومسارات من سبقوهم، ثم لأنه يمكّنهم من استخلاص الدروس من المبادرات الماضية والدخول في تجارب جديدة. لكنه خطير لأنه يُفضي إلى الارادوية والطوباوية عندما يدفع إلى الاعتقاد بأنه من الممكن اكتساب كل مزايا الحداثة دون أداء ثمنها.

ثم إن ذلك غالبا ما يكون مشكلاً مغلوطاً. وهكذا سيستحيل على العرب أن يعيدوا إنتاج التجربة الغربية بالكامل : فمعارفنا العلمية قد تقدّمت، والدوافع إلى التطور هي اليوم أكثر استعجالاً وإكراهاً، والوضع الدولي قد عرف تحولات عميقة، وأهداف النمو الاجتماعي نفسها قد تغيّرت. ومع ذلك فإن نفي حتمية نموذج التطوُّر الغربي لا يعني أنه من السهل علينا أن نجد خيارات أحسن. بل على العكس، فتجربتنا الحديثة أظهرت أن تطور مجتمعاتنا نحو الحداثة ليس آليا ولا منتظما ولا تراكميا دائما، وأنه لا يسير في اتجاه واحد بالضرورة. فتحلُّل البنيات والسلوكات التقليدية لا تتبعه دائما عملية إعادة تبنين.

يمكن للمجتمعات أن تتوه لمدة طويلة، ويمكنها أن “تقلع”، لكنها ستجد نفسها بعد ذلك مضطرة لأن تقوم بـ”هبوط اضطراري”، إذا لم تَنَهَر بكل بساطة.

وإذا أردنا أن نكون في مستوى تجنب مثل هذه المغامرات السيئة والقفز على بعض المراحل واختراع نماذج جديدة للتطور، يجب الاعتراف بأن هناك حدا حيوياً أدنى لا يقبل الاختصار ولا التبسيط. هذا الحدّ الأدنى يشمل المكوّن النفسي الثقافي الذي سبق أن تحدثنا عنه، بل يشمل أيضا مكونات اجتماعية وسياسية. وكذا تحرير المرأة. ومادام كثير من الناس يرون في آخرين خصوما جنسيين ويحاولون إخفاء قلقهم عن طريق القمع والنزعة الظلامية، فإنه يستحيل على العرب أن يحرّروا كل إمكانياتهم الابداعية.

إن انعتاق النساء ضروري جدا، مادمن يمثلن عوامل أساسية لنقل الضوابط والقيم الاجتماعية، ومادام من المحتمل أن يعقن كل تحسن في التطوّر. ونفس الشيء يقال عن دور ووضع الفلاحين الذين يمثلون ثلثي العدد الاجمالي للسكان، والذين يعتبرهم الكثيرون ـ عن خطأ ـ بدون فائدة، [بل] وعامل جمود ومقاومة للعقلانية، وهذا خاطىء وغير عادل، لأن الفلاحين ليسوا تقليديين إلا رغما عنهم وفي غياب ما هو أفضل، ولأن الطبقات الحاكمة لاتترك لهم أية إمكانية للتفتح والمشاركة.

وهنا أيضا حدٌّ حيوي سياسي أدنى. فمادامت المجتمعات العربية لا تقودها نُخَبٌ سياسية مسؤولة ولها مصلحة في تشجيع تحررها على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعقلية، ومادامت مثل هذه النخب غير مُوحَّدة حول مشروع مستقبلي متماسك ومنطقي نسبيا، فإننا سنظل نتحدّث في فراغ ونبني على الرمال.

ولا يمكن أن يكون هناك تفاوض ولا طريق مختصر حول هذا الحد الحيوي السياسي والاجتماعي والثقافي الأدنى، وسيكون من المفيد تحليل الشروط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، التي تسهّل أكثر إنجاز هذه الاواليات الهيكلية.

  • العروي: أنا لا أتحدث على مستوى الممارسة السياسية، بل على مستوى منطق التحليل بالنسبة لأولئك الذين يفعلون اليوم أو الذين في إمكانهم أن يفعلوا غدا. ففيما يتعلق بتحرير المرأة ـ وباستثناء التجربة التونسية ـ لم يتخذ الحكام العرب موقفا واضحا، متذرعين بأن ذلك مشكل اجتماعي صعب، بل ومشكل مغلوط، لأنه يتطلب إصلاحات اقتصادية أولية. هذا صحيح. لكن يجب التعبير عن الموقف، على مستوى المبادىء، حتى وإن كانت النتائج غير عاجلة. إلا أن بإمكان شخص تقليدي أن يقول: “أنا متفق، لكني أقوم بذلك باسم الاسلام”. أي انطلاقا من وجهة نظره الخاصة. ولعل هناك بعض النتائج العملية، إلا أن ذلك خطأ على الصعيد الايديولوجي، مادام مضادا للتاريخ.

فالاسلام، مثله مثل أي مجتمع من مجتمعات ذلك العهد، لم يحرّر المرأة مع أنه اضطهدها أقل مما فعله الاغريق والرومان في العصور القديمة والذين كانوا يتساءلون عما إذا كانت للمرأة روح أم لا، والذين نظموا الخدور، أي الأحرام [ج: حريم]، في وقت كانت المرأة حرة فيه بالجزيرة العربية قبل الاسلام. إلا أن التطور الاجتماعي والتاريخي للغرب الأوربي هو الذي فرض هذا التطور وخلق، في الوقت نفسه، نظاما أخلاقيا أصبح ذا طابع كوني، إلى حد أنه يستحيل الآن الدفاع عن أطروحة لامساواة المرأة، وأن هذا أصبح ضرورة قانونية وأخلاقية بالنسبة لنا، وإن كنا لسنا في حاجة إليه على المستوى الاقتصادي.

إن الاصلاحات المنجزة دون هذا الركن العقلاني محدودة دائما، الأمر الذي نراه مع بورقيبة، فحتى لو نجحت [هذه الاصلاحات] فإنها لن تتمكن من تحديث الفكر. 

  • جسوس: ثمة علاقة جدلية بين نمط التفكير وبين الهياكل الاجتماعية. ومن البديهي أن سيرورة التحوُّل تستغرقا أمدا طويلا. وتحرير المرأة ليس أسبقية ولكنه جزء من حدّ حيوي أدنى.
  • بلال: لتوسيع مجال التفكير واستنتاج محاور للأبحاث، أود أن أعرض لمشكلة الصراع الطبقي، فالصراع الاقطاعي ـ البورجوازي، والبورجوازي البروليتاري، لعب دورا بالغ الأهمية في أروبا القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. إلا أن هذا الصراع ليس واضحا عندنا كما كان في أوربا. بل قام النضال من أجل التحرر الوطني، وعلى عكس ذلك، بتقنيعه، بل وإلى اليوم، وفي الوقت الذي نجد فيه مجمل العالم العربي مستقلا ـ ما عدا فلسطين طبعا ـ نرى أن الصراع المناهض للأمبريالية والصراع الطبقي يتراكبان في المجتمعات العربية. لماذا؟ لأن مشكل إثبات هويتنا القومية لم يحل بعد. وعلينا أن نكافح من أجل فرضها في نفس الوقت الذي تتشابك فيه معها سيرورة من الصراع الطبقي واضحة بهذا القدر أو ذاك، وبحيث تكون للشرائح المضطهدة ضمن المجتمع العربي، أي الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء، مصلحةٌ في تعديل البنيات الاجتماعية والنظام الاجتماعي ـ السياسي.

من هنا، إذن، تنبع مشكلة الخصوصية الثقافية. فإلى أي حد يمكن استعمال هذه الخصوصية كوسيلة لتملك الوعي وإقرار الشرعية، وذلك أن الشرائح المحرومة لا يمكنها أن تغض الطرف عن البعد القومي، وإن على المستوى الثقافي؟ بل سأقول بأن وصول هذه الطبقات الكادحة إلى الحكم، وهو أمرٌ يمكن أن يتحقق يوما ما في العالم العربي، لا يمكن تصوره إلا إذا اضطلعت هذه الطبقات بهذا الكفاح من أجل إثبات الهوية القومية.

وهذه إحدى خصوصيات العالم العربي: أي خوض الصراع من أجل أن يتطور فكر علمي أولا، لكن ينبغي أن يكون هذا الفكر هو الجواب القومي على مشاكل مجتمعنا. هكذا يمكنه أن ينجح وينتشر، تبعا للمجهودات، على كل الأصعدة. يجب التفكير، إذن، في هذه الخصوصيات لايجاد الحلول التي تندمج داخلها دون السقوط في فيتيشية الخصوصية. فعمليا، هناك جدلية الخصوصي والكوني.

  •  جسوس: لا وجود لهذه الفيتيشية على المستوى الشعبي.
  • العروي: وليذهب أولئك الذين يتحدثون عنها إلى “جامع الفنا”. إذا كان ذلك هو الخصوصية… 
  • بلال: على مستوى آخر. 
  • العروي: طبعا.
  • جسوس: إن الناس يريدون، قبل كل شيء، الحصول على عمل ودخل ملائمين، يريدون أن يأكلوا ويسكنوا بشكل لائق، وأن ينجبوا أطفالا متعلمين متمتعين بصحة جيدة، وأن يفهموا ما يجري حولهم وأن يصونوا كرامتهم. ولتلبية هذه التطلعات فإنهم مستعدون للتضحية بعدد كبير من العناصر المكوّنة لخصوصيتنا الوطنية المزعومة. وقد قمنا في يوليوز 1973 بتحقيق عن الهجرة بمدينتي فاس وتازة، قال لنا العديد ممن سألناهم، ضمنه، عما إذا كانوا ينوون مغادرة مدينتهم، بأنهم سيكونون مستعدين للذهاب، ولو إلى إيطاليا، إن حصلوا على عمل هناك.

وأظن أن ضجيجا مبالغا فيه قد قام حول مفهوم الخصوصية هذا. فهي تتضمن التمسك بختم وطني، وببعض الاختيارات الأخلاقية والميتافيزيقية، إلا أنها لا تعني إطلاقا رفض المكتسبات الرئيسية، العلمية منها والتقنية والثقافية، للحضارة الحديثة. 

  • بلال: إن ذلك عنصر هام يجب أخذه بعين الاعتبار في كل مشروع لتغيير المجتمع. وهكذا فنحن لا نشبه، بطبيعة الحال، أروبا الحالية ولا أروبا القرون الوسطى. وهناك أخلاقية موروثة عن الماضي، وخصوصيات في تطورنا التاريخي وفي الهياكل الاجتماعية، إلخ… ليست من الفولكلور في شيء. 
  • العروي: لست أنكر التقليد بوصفه حدثا، فأنا أدرسه كظاهرة، لكني أنكره كقيمة، خاصة وأن أولئك الذين يتحدثون عنه لا يرون إلا الجوانب الايجابية، لا الجوانب السلبية. نحن مختلفون، طبعا، عن المجتمع الغربي، وسنظل مختلفين عنه دائما، وإن اتبعنا نفس التطور، فهذا أمر لامفر منه. لكني أنفي أن يكون التقليد أحسن حلٍّ لمشاكل الحاضر، وهذا ما يسانده التقليدويون.

لقد قال علال الفاسي، أيام الحماية، ما يلي: «من المحتمل أن يغير الفرنسيون المغاربة يوما ما (يريد القول : إلى الأحسن)، فليتصنعوا وليتعلموا، لكنهم لن يعودوا المغاربة الذين نريدهم». وهذا يعني : فليمت الناس لتبقى فكرة ما حية عن الماضي. ثم إن هذا مشترك بين كل التقليدويين في العالم، فكروا في موراس (Maurras) بفرنسا. أما أنا فأقلب الأدوار وأقول : فلتمت الأفكار الميتة لكي يحيا الناس.

ويجب أن نعيد ذكر ذلك، مادام هناك أناس يكتبون كل يوم : «لا ضرر من أن نكون متأخرين على مستوى العلم والتقنية، وإنما الضرر في ألا نظل أوفياء لثقافتنا وفكرنا”.

  •  جسوس: هذا يذكرنا بالمقطع الشهير من ديوان “دفتر عائدٍ إلى الوطن الأم” الذي يتوجه فيه إيمي سيزير إلى الأروبيين بهذه الأبيات :

لأننا نكرهكم أنتم ونكره

عقلكم، فإننا نستند على

العته مبكر النضج وعلى الجنون

الملتهب

والتوحّش العنيد

وهذه :

من أجل أولئك الذين

لم يخترعوا شيئا قط

من أجل أولئك الذين لم يروّضوا شيئا قط

لكنهم يستسلمون، مأسورين، لجوهر كل شيء

جاهلين المساحات، لكن تأسرهم حركة كل شيء

“لا يبالون بالترويض، لكنهم يلعبون لعبة العالم “وهم، حقاً، أكبر أبناء العالم”.

  • بلال: يشبه هذا تصور الزنوجية العزيز على بعضهم. وهو موقف مشترك بين كل أولئك الذين يكتبون كي يقدّموا الصورة التي للغرب عنا. موقف يشهد على استلابهم اللاواعي بهذا القدر أو ذاك.
  • العروي: زيادة على أنها أفكار السريالية الأوربية. فكل أولئك الذين يكتبون كي يقوم الغرب بتأويلهم يشتغلون بالفولكلور. ولا يمكنني أن أفهم هذا الرفض لوسيلة التحرير نفسها، أي رفض منطق الحداثة. هناك المصالح الطبقية طبعا، لكن هناك، أيضا، مستقبل المجتمع والمصلحة القومية. ومع ذلك لم يكن للعرب، دائما، نفس الموقف. لقد دمجوا العلم الاغريقي والفارسي، وكانوا يقبلون بالمناقشة.
  •  جسوس: إن التقليد هو، في الوقت ذاته، نمط سلوكي ونمط تنظيم اجتماعي، ونسق ثقافي مُدمَج بهذا القدر أو ذاك، وإيديولوجيا. والعروي يتحدث عن العنصر الأخير خاصة. وسيكون من المفيد توسيع تحليله بمحاولة تحديد دوافع وإواليات ونتائج ما يدعوه بعملية التقلدة. فقد عرفت الوظائف الاجتماعية للتقليد تحولات عميقة فعلا. إذ كان التقليد يشكل، في السابق، رؤية شاملة متماسكة ومناضلة وفعّالة نسبيا : إذ كان يمثل قيمة عليا ومقدّسة، قادرة وحدها على الرفع من نسق حياتي طبيعي ومشروع؛ إلا أن التقليد لم يعد منذ ذلك الحين، وبالنسبة للعديد من أنصاره، سوى السبيل الوحيد المتبقي، وأخف الشرور، ينثني المرء عليه في غياب ما هو أفضل؛ ولم يعد يمثل فعل إيمان مشرقٍ فاتح، بل مجرد إوالية دفاعية، على الأكثر، مخجلة ومتقززة ويائسة ومنحصرة باستمرار في حالة الدفاع، ومدعوة لتبرير ذاتها. إن التقليد يؤدي الآن وظائف سياسية وإيديولوجية وسيكولوجية يجب تبيينها.

أما بالنسبة للطبقات السائدة فينبغي الحديث، بالأحرى، عن تقليدوية تاكتيكية، حيث لا يكون إنعاش الثقافة التقليدية ناتجا عن اعتقاد في قيمتها لذاتها بقدر ما يكون ناتجا عن تقدير نفعي لنتائجها السياسية والايديولوجية. فالتقليد في نظر هذه الطبقات يمثل أداة للهيمنة على الجماهير مخصصة لتبرير الحاضر بالماضي أكثر مما هي مخصصة لتوجيه المستقبل. ويتأكد هذا التراجع التاكتيكي إلى الماضي أكثر، كلما بدت أبعاد المستقبل مظلمة ومسدودة.

وأما بالنسبة لبعض الشرائح الشعبية فإن التقليد يوفر لها معتقدات راسخة يمكنها أن تتمسك بها في مرحلة من الشك ومن اختلال للعالم؛ وتمدها بنسق مطمئن يسمح للناس بأن يتجنبوا الغرق في الاختلال النفسي والتشرد الثقافي..

كما يشكل التقليد، بالنسبة لأوساط شعبية أخرى، النسق الأكثر إجرائية فحسب ـ أي النسق الذي تعرفه أحسن، والذي يريحها أكثر، والذي تتمسك به في غياب نسق بديل متماسك ومُقنع. يجب وضع هذه التقليدوية الظرفية في مقابل التقلدة الهيكلية التي نجدها في أوساط أخرى، والتي هي ردّ فعل مرعوب، هارب واحتجاجي، تجاه الواقع المعيش – واقعُ الحق فيه مع أولئك الذين يفترض فيهم أن يكونوا مخطئين، وذلك لأنهم يملكون العلم والفعالية والقوة، واقع يجرّم تلك الأوساط ويهمشها ولا تستطيع التكيف معه. وتشهد هذه القصيدة المأخوذة من صفحة الشباب بجريدة «الرأي» (L’Opinion) عام 1969، على ذلك :

الانسياق طويل

والسهل عميق

والضفاف السعيدة الحية

لم تعد موجودة

متى ذهبت إذن يا إلهي

هناك منساقاً مع التيار

أنا، ابن الصحراء

ذو الجذور العميقة

نعم، فالنبي نبيّي

وفي خط مستقيم

أنا منه

هبطت منساقاً مع تيار

الحضارات العفنة

الخارجة من الماء والوحل والنساء

مكّني، يا إلهى، من استعادة أصلي

وليكن الرمل روحي

وجسمي

المستقيم القوي الهادىء

نخلة من بلدي

نخلة الزمن القديم

نخلة ما قبل الانسياق

 إن عملية التقلدة الهيكلية الموصوفة ببراعة في هذه القصيدة، تصادف خاصة لدى ضحايا التطور التاريخي : لدى السكان المهمشين الذين صدمهم توسع الرأسمالية العالمية، والمتدينين الذين جُرّدوا من ثيابهم، والمصلحين الخائبين الذين سقطوا في الرجعية. وهناك، أخيرا، نوع أخير من التقليدويين أقل مرَضية من الآخرين، يتشبث بالتقليد تاكتيكيا ويستخدمه كوسيلة لوضع حدود بينه وبين بعض نماذج التحديث تلك التي لن تستفيد منها سوى حفنة من المحظوظين، والتي ستجعل الشعب يخسر المكاسب الخاصة بالمجتمع التقليدي دون أن تعطيه إمكانيات حقيقية للاندماج الدائم في الحياة العصرية. هذا النوع الأخير من التقلدة التاكتيكية ليس مستوحىً من رفض تام للحداثة، بل، بالأحرى، من الشعور بالنفور تجاه بعض تصورات التنمية.

أستخلص من ذلك أنه يجب التمييز بين مختلف أنماط التقليدوية (Traditionalisme) والتقلدة (Traditionalisation)، وتنويع أحكامنا عليها، وذلك أن مختلف الأنواع المجملة أعلاه ليس لها كلها نفس الأسباب ولا نفس النتائج أو نفس الدلالات التاريخية.

  •  بلال: إن نمط الانتاج الرأسمالي في العالم الثالث لم يقض على أنماط الانتاج القديمة نهائيا، لكنه أخضعها لسيطرته. كثيرون هم، إذن، أولئك الذين لا يملكون ـ وهم يعانون من النتائج السلبية للنمو الرأسمالي ـ منظورا للتغير الآني ولا حلا في متناول اليد لمشاكلهم اليومية في الشغل والتعليم والصحة، إلخ… وهنا يمكننا أن نفهم لجوءهم إلى تصور معين للعالم. وإذا كانت سيرورة التهميش هذه، في مجتمع «متخلف» تفسّر بعض أشكال التقلدة على مستوى الجماهير، فإننا نعيش وضعية حصار ناتجة عن تفكك الهياكل الاجتماعية القديمة. ولكن، هل يجب أن نعتبر، حينئذ، هذه التقلدة على أنها سلبية تماما؟ ويجب محاربتها رأسا؟ أم يجب أن نأخذ بعين الاعتبار دورها كملاذ و”تعويض” وكمحاولة لتحديد موقف أكثر تنوعا تجاهها لفك الحصار عن الجماهير على المستوى العقلي والثقافي والايديولوجي؟
  •  جسوس: هناك، فعلا، ظروف اجتماعية تُنتج تقلدة ظرفية ومؤقتة، في غياب بديل إجرائي، ومن المهم تمييزها بوضوح عن التقلدة المقصودة والمخططة من طرف النخبة لتضليل الجماهير. إن هذا النمط من التقليد هو الذي ينبغي فضحه بحدّة. هناك رواية أمريكية عنوانها “ليس بإمكانك أن تعود ثانية إلى بيتك”. وينبغي أن يقال للشعوب العربية، بنفس الطريقة، إن الماضي متجاوز، وبأن التاريخ البشري طريق ذو اتجاه وحيد، وبأن التطور أمر لا مفر منه، وأن كل محاولة لحصاره قصد تجديد نشاط ماض بائد، بشكل مصطنع، ستكون وهمية ولا مخرج لها. بحيث على المثقف الثوري أن يعيد هذه الرسالة، حتى وإن كان يعرف أن التقلدة الفعلية للفئات الشعبية يمكن أن تبدو حاليا بمثابة جواب معقول على ظروف قومية ودولية معينة. 
  • العروي: إن الغشاوة تغطّي عيني حين أذكر نسبة الأمية في البلدان العربية، وواقع أن المثقفين لا يمثلون، بالتالي، سوى أقلية ضئيلة. والحال أن أغلبية هذه الأقلية الضئيلة تدافع عن التقاليد كقيمة. ماذا يتبقى ، إذن، لتقديم ملف الحاضر والمستقبل؟ إن ما يخيفني هو هذه الهاوية. يمكن لعلماء الاجتماع وعلماء النفس أن يصفوا ويحللوا التقليد كحدث، إلا أن الأهمية التي تعطى للتقليد، باعتباره قيمة، تبدو مقلقة.

كاتب

المقال التالي

د. محمد أندلسي: نظرية الرّّوحنة لدى “نيتشه” كإطار لتسليط الضّوء على الصّراع الدّائر في فلسطين المحتلّة

د. محمد أندلسي: نظرية الرّّوحنة لدى “نيتشه” كإطار لتسليط الضّوء على الصّراع الدّائر في فلسطين المحتلّة

Scroll to Top