برنامج الندوة الدولية الأولى للشباب الأفريقي: إفريقيا في مفترق القرن 21 : آفاق التحرر وإعادة رسم الخريطة المعرفية

كلمة الافتتاح

تنعقد “الندوة الدولية الأولى للشباب الإفريقي” التي تنظمها حلقة عابرون بتعاون من مؤسسة حوارات جيل الثورة ،و منظمة Bizim Afrika و مؤسسة جيسكا، يوم السبت والأحد 29-28 مارس 20، في سياق تاريخي يتسم بسيولة بنيوية وتحولات جيوسياسية وتقنية متسارعة، تفرض على العقل الإفريقي ضرورة مراجعة أدواته التحليلية وموقعه في خريطة إنتاج المعرفة الكونية. إن هذه الندوة ليست حدثا أكاديميا عابرا، بقدر ما هي استجابة نقدية لضرورة “تصفية الاستعمار المعرفي” (Decoloniality)، وهي العملية التي لا تكتفي بإنهاء الاحتلال العسكري أو السياسي، بل تمتد لتشمل تحرير “المخيال” والبنى الذهنية من التبعية للمركزية الغربية التي طالما صاغت إفريقيا بوصفها “آخر” دونيا أو هامشا في مسيرة الحداثة.

إن التحدي المركزي الذي تطرحه هذه الندوة يكمن في كيفية “التفكير من خلال إفريقيا” وبأدواتها ووسائلها المعرفية الخاصة. منذ عقود، نبه المفكر السنغالي فلوين سار في أطروحته حول “الأفروتوبيا” إلى أن القارة لا تحتاج إلى “اللحاق” بركب حداثة غازية، بل تحتاج إلى تفعيل طاقاتها الحيوية لبناء نموذجها الحضاري المستقل الذي يزاوج بين الذاكرة والابتكار[1]. هذا المنظور هو ما تتبناه الندوة في مقاربتها لمحور “السيادة الرقمية”؛ حيث لا تظهر التقنية هنا كأداة حيادية، بل كفضاء جديد للصراع المعرفي. إن جيل “زد” الإفريقي، وهو يعيد تمثيل هويته عبر منصات التواصل، يمارس نوعا من “الأفروفيوتورية” (Afrofuturism) التي تمزج بين الوجدان الشعبي والإمكان التقني لتجاوز الصورة النمطية التي كرسها “العصر الاستعماري”[2]

علاوة على ذلك، تبحث هذه الندوة في إشكالية “التحرر الناقص” في الدولة الوطنية الإفريقية والعربية، معتبرة أن القضية الفلسطينية تظل الاختبار الأخلاقي والمعرفي الأبرز لنزاهة أي مشروع تحرري في الجنوب العالمي. إن الربط بين نضالات القارة والسيادة الفلسطينية ليس مجرد تضامن عاطفي، بل هو اعتراف بوحدة المصير الإبستمولوجي والسياسي ضد أنماط الهيمنة المتجددة [3]. وفي سياق متصل، تسعى الأوراق المقدمة لتفكيك أزمات الدولة الاجتماعية، مستلهمة رؤى إبداعية ترى في الأزمات الراهنة -سواء في السودان أو أو نيجيريا أفي المغرب أو الساحل- فرصة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي بعيدا عن الوصفات النيوليبرالية الجاهزة، وبالاعتماد على قيم التضامن العضوي المحلية[4].

يهدف هذا الكتيب إلى أن يكون وثيقة تأسيسية لجيل من الباحثين الشباب الذين يؤمنون بأن المعرفة هي جسر العبور الحقيقي نحو السيادة. إننا في حلقة عابرون نضع بين أيديكم هذه المساهمات، آملين أن تسهم في إرساء دعائم “نهضة إفريقية” تنطلق من الوعي بالذات وتتجه نحو بناء إنسانية تشاركية لا تلغي الخصوصية، بل تحتفي بالتعددية المعرفية للجنوب العالمي.

[1] فلوين سار، أفروتوبيا، ترجمة نادية العشيري وعبد المجيد الصوفي (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021).

[2] أشيل مبيمبي، نقد العقل الزنجي، ترجمة محمد حداد (بيروت: دار الطليعة، 2003).

[3] إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ترجمة كمال أبو ديب (بيروت: دار الآداب، 1997).

[4] Walter D. Mignolo, The Darker Side of Western Modernity: Global Futures, Decolonial Options (Durham: Duke University Press, 2011).

 

المؤسسات المشاركة

المقال التالي

معركة عين جالوت والشرعية المملوكية: دراسة في الذاكرة التاريخية للمعركة

معركة عين جالوت والشرعية المملوكية: دراسة في الذاكرة التاريخية للمعركة

Scroll to Top