د. المحبشي يكتب: عابرون من قلب الظلام إلى آفاق الأنوار

3 دقائق
لطالما ارتبطت صورة أفريقيا في المخيال العالمي بثنائية قاتمة، حيث صُوّرت كقارة غارقة في الأزمات، مثقلة بإرث الاستعمار، ومكبّلة بالفقر والصراعات. غير أن هذه الصورة، رغم ما تحمله من بعض الحقائق، تُخفي وجهاً آخر أكثر حيوية وعمقاً، تقوده اليوم طاقات شبابية تسعى إلى إعادة تعريف القارة من الداخل، وصياغة معنى جديد لوجودها في العالم المعاصر ففي سياق التحولات العالمية الراهنة، حيث تتسارع وتيرة التغيرات التكنولوجية وتتداخل الحدود بين الثقافات، تبرز تحديات جديدة أمام المجتمعات الإفريقية، لكنها تفتح أيضاً آفاقاً غير مسبوقة. فالتكنولوجيا، التي كانت في السابق أداةً للهيمنة، يمكن أن تتحول إلى وسيلة للتحرر إذا ما تم توظيفها ضمن رؤية تنموية تنبع من احتياجات المجتمعات المحلية. والابتكار، الذي طالما ارتبط بالمراكز الصناعية الكبرى، يمكن أن يجد له أشكالاً جديدة في البيئات الإفريقية، مستفيداً من التنوع الثقافي والثراء البيئي والقدرة على التكيف.
في قلب هذا التحول النوعي يقف الشباب الأفريقي، لا بوصفهم مجرد ضحايا لواقع معقد، بل كفاعلين أساسيين في إعادة تشكيله. فهم جيل نشأ في ظل التحديات، لكنه في الوقت ذاته منفتح على العالم، متصل رقمياً، ومدفوع برغبة عميقة في التغيير. ومن خلال مبادراتهم في مجالات ريادة الأعمال، والثقافة، والتكنولوجيا، والعمل المجتمعي، يعملون على تجاوز السرديات التقليدية التي حصرت أفريقيا في دائرة العجز إذ إن محاولة “إنتاج المعنى” هنا لا تتعلق فقط بتحسين الظروف المعيشية، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة بناء الهوية، واستعادة الثقة، وصياغة خطاب جديد يعكس واقعاً أكثر توازناً وعدلاً. فالشباب لا يكتفون برفض الصور النمطية، بل يسعون إلى خلق بدائل حقيقية تعبر عن طموحاتهم وتجاربهم، سواء عبر الفن، أو الإعلام، أو الابتكار التكنولوجي.
في ظل الإدارك الواعي لحجم التحديات التي لا تزال قائمة، من بطالة مرتفعة، إلى هشاشة البنى التحتية، إلى تعقيدات سياسية واقتصادية. لكن ما يميز شباب افريقيا الجديدة في هذه المرحلة هو أن الشباب لم يعودوا ينتظرون الحلول من الخارج، بل بدأوا في إنتاجها بأنفسهم، ولو بموارد محدودة ومحاولة اخراج قارتهم المترامية الأطراف من “قلب الظلام”كما وُصفت تاريخياً، إلى فضاء مفتوح على “آفاق الأنوار”، حيث تتلاقى الطموحات الفردية مع التحولات الجماعية. ويغدو الشباب الأفريقي ليس فقط أملاً للمستقبل، بل صانعاً لمعناه، ومهندساً لمساراته إذ إن “الاستقلال المعرفي” ليس شعاراً تجريدياً، بل هو عملية عميقة تتطلب مراجعة جذرية للمناهج الفكرية التي تشكلت في سياقاتٍ غير إفريقية، تم استيرادها وتعميمها بوصفها نماذج كونية صالحة لكل زمان ومكان. هذه العملية لا تعني القطيعة مع العالم، ولا الانغلاق على الذات، بل تعني امتلاك القدرة على الاختيار، وعلى التفاعل النقدي مع المعارف الإنسانية، بحيث تصبح إفريقيا شريكاً في إنتاجها لا مجرد مستهلك لها.
فالمعرفة التي لا تنبع من التجربة الحية للمجتمعات تبقى غريبة عنها، عاجزة عن تفسير واقعها أو توجيه مسارها. ومن هنا تأتي أهمية الندوة العالمية”الأولى التي سعدت بمتابعتها على منصة عابرون عبر الزووم بعنوان ( فريقيا في مفترق القرن الحادي والعشرين: آفاق التحرر وإعادة رسم الخريطة المعرفية) لكونها تتجاوز النقاشات التقليدية عن أفريقيا الخصيبة لتغوص في عمق “الاستقلال المعرفي” للقارة. تكمن قيمتها في سعيها لتمكين العقل الإفريقي من صياغة حلوله الخاصة بعيداً عن القوالب الجاهزة، وربط مفهوم التحرر السياسي بالتحرر الفكري والثقافي. كما توفر منصة استراتيجية للباحثين والشباب لتبادل الرؤى حول كيفية استثمار الإرث التاريخي للقارة لمواجهة تحديات المستقبل، مما يجعلها خطوة أساسية نحو بناء نهضة إفريقية شاملة تنبع من الداخل وتخاطب العالم بلسانها وهويتها الخاصة. وتكتسب الندوة أهملتها من اهمية محاورها ومنها:
المحور المعرفي والفلسفي: مراجعة المناهج الفكرية السائدة، والعمل على “توطين المعرفة” في إفريقيا بعيداً عن التبعية الثقافية.
  • المحور التاريخي والتحرري: دراسة حركات التحرر الإفريقية وتقييم مساراتها، وكيفية استكمال التحرر السياسي بتحرر اقتصادي وفكري شامل.
  • المحور التنموي والاجتماعي: مناقشة قضايا التنمية المستدامة من منظور إفريقي، ودور التكنولوجيا والابتكار في نهضة المجتمعات المحلية.
  • محور الهوية واللغات: دور اللغات الوطنية والهوية الثقافية في صياغة خطاب إفريقي موحد وقوي في الساحة الدولية.
  • محور الشباب والقيادة: إعداد الجيل الجديد من القادة الشباب وتفعيل دورهم في رسم الخريطة السياسية والمعرفية للقارة.

المقال التالي

دعوة لتقديم مقترحات بحثية: المدينة والتحولات الاجتماعية

دعوة لتقديم مقترحات بحثية: المدينة والتحولات الاجتماعية

Scroll to Top