تقرير | غرناطة في القرن 19: نصٌّ سياسيٌّ بين الاستشراق والوعي الإسلامي المعاصر

3 دقائق

في إطار أنشطتها العلمية، وضمن برنامجها الأكاديمي حول “المدينة والتحولات الإجتماعية“، نظمت حلقة عابرون يوم السبت 1 أغسطس، محاضرة بعنوان “غرناطة في القرن التاسع عشر:نصّ سياسي بين الاستشراق والوعي الإسلامي المعاصر“، قدمتها الأستاذة والباحثة بجامعة أسطنبول بشرى نور أوزال وأدارها الدكتور عمران طالبي.

سلطت المحاضرة الضوء على مدينة غرناطة خلال القرن التاسع عشر، وكيف تم استحضارها وقراءتها ليس مجرد حيز جغرافي أو معماري قديم، بل بوصفها ” نص سياسي وفكري” تتشابك فيه التمثلات الإستشراقية الغربية مع تحولات الوعي الإسلامي في تلك المرحلة.

استهلت الباحثة محاضرتها بتأسيس نظري يعتمد على أدوات العلوم الاجتماعية والنقد الحضري لتفكيك كيفية التعامل مع الفضاء العمراني لغرناطة. واعتمدت في هذه النظرة على عدد من المفاهيم الأساسية عند هنري ليفير و ميشيل دو سيرتو، حيث تقوم نظرة الأول على نقد الفضاء السلبي وهي نقد النظرة التي ترى في المكان وعاءً فارغاً وسلبياً توضع فيه الكائنات والأشياء، مؤكداً أن المكان يحتوي على بعد أعمق من ذلك بكثير حيث يعتبر المكان وسيلة للإنتاج الاجتماعي ومجال قوة تتصادم فيه الطبقات وتتجسد عبره السلطة.

أما ميشيل دو سيرتو فقد أوضحت الباحثة رؤيته على مستويين وهما: (الإستراتيجية) و (التكتيك) فالأولى تمثل رؤية السلطة الحاكمة والجهة المراقبة التي تنظر إلى المدينة من أعلى إلى أسفل وهو ما شبهه ب (عين الإله المراقب) والاستراتيجية حسب وصفه تسعى بشكل عام لإخضاع الفضاء وتوجيهه وفق أجندتها السياسية والأيدولوجية.
أما (التكتيك) فهو يمثل سلوكيات المواطن اليومية وممارساته غير المرئية التي تقاوم السلطة وتحافظ على هوية المكان بطرق مضادة.

أشارت الباحثة كذلك لعدد من النصوص والمصادر وعمدت إلى اجراء مقارنات نقدية فيما بينها لتكشف التباين والتغاير بين الاتجاهات الفكرية والسياسية في رؤيتها لسقوط المدينة ومن ذلك: إشارتها لحرق 80 ألف مخطوطة عربية،رفض النواح الصوفي -كما أسمته – على السقوط، تحميل الصراعات والنزاعات الداخلية مسؤولية الضياع،تجاهل الآم السكان الأصليين لصالح الاستهلاك الغربي.

أشارت كذلك لعدد من المفكرين والكتابات المهمة لتوضيح التفسيرات المختلفة لسقوط غرناطة منهم :

  • محمد كرد علي والذي يُرجع سقوط المدينة لتدهور ديمغرافي وعمراني ومحو استعماري للهوية.
  • أمير أرسلان الذي تعامل بواقعية وبرغماتية مع هذا الحدث وأرجعه لأسباب عملية مرتبطة بالواقع الإسلامي.
  • سامي باشاراده الذي تعامل بشكل أدبي رومانسي يجد في المدينة مكان حي ينبض بالذاكرة ومسؤولية نحو الأمانة الحضارية.” حينما يتجول المرء بين بقايا آثار الأمم المنقرضة لا يشعر بالماضي بتلك الشدة التي يشعر بها في الأندلس..ذلك أنه ليس ثمة شئ نائم في هذا الماضي بل كله حي وقائم ويشعر المرء به في وجدانه”.

أخيراً تطرقت الباحثة لغرناطة في الوعي والسياسة العثمانية بإعتبارها مركزاً للدولة الإسلامية وقتها، وذكرت أن اهتمام الدولة العثمانية بغرناطة لم يكن ترفاً فكرياً وأدبياً وإنما ارتبط بتحولات مصيرية وسياسية واجهتها الدولة الإسلامية في القرن التاسع عشر، وجاء ذلك في ثلاثة صور:

وهي اهتمام السلطان عبد الحميد الثاني بجمع وأرشفة صور وتوثيقات لغرناطة وقصر الحمراء، كذلك هناك اهتمام نابع من التشابه الحضاري والتهديد المصيري بين الدولة العثمانية وغرناطة خصوصاً مع تصاعد الحركات القومية وفقدان الأراضي العثمانية،باتت غرناطة رمزاً لا يمكن تجاوزه وأيضاً وظيفة الجامعة الاسلامية لتوظيف الميراث الأندلسي لتعزيز فكرة الجامعة الاسلامية ولحشد الأمة حول الخلافة العثمانية كوارث شرعي للميراث الحضاري الإسلامي.

أختتمت المحاضرة بعدد من التوصيات منها دعوة منهجية لإعادة قراءة المدن التاريخية،حيث أكدت الباحثة على أن استكشاف أي مدينة لا ينبغي أن يقف عند السطح المادي والقشور المعمارية بل يجب البحث عن (الروح الحية) والحكاية والتدافعات التاريخية والاجتماعية القابعة خلف الآثار والجدران.

كاتب

المقال التالي

الجاحظ والكندي

الجاحظ والكندي

Scroll to Top