الجاحظ والكندي
اذاع الجاحظ في كتابه ( البخلاء ) عن الكندي أنه كان بخيلا، وروى عنه حوادث وقصصا يمكن القول عنها انها من احسن ما خلف الجاحظ من آثار فنية، دقة في الوصف وروعة في الخيال وبراعة في التحليل وجمالا في العبارة، وجعل الكلام على لسان فيلسوفنا باعتباره من اهل البيوت ( أو المسكنين ) على حد تعبيره ، ووصفه انه كان رجلا شديد البخل، صاحب تدبير عجيب ، ثم كان مع هذا طيبا ظريفا حسن الحديث ، خفيف الظل .
افتن الجاحظ في خياله فأنشأ على لسان الكندي احتجاجات يساجل بها الساكنين عنده تبريرا لشح نفسه وطمعه في النزر القليل. وخيال الجاحظ واسلوبه الفني، ظاهر كل الظهور في تلك المحاورات والاحتجاجات على ما فيها من تكلف في الجدل الفلسفي المفتعل يذكر الجاحظ في كتاب البخلاء (ص – ۷۱) .
” قال معبد نزلنا دار الكندي أكثر من سنة، نروج له الكراء ونقضى له الحوائج ، ونفي له بالشرط ، قلت: قد فهمت ترويج الكراء ، وقضاء الحوائج، فما معنى الوفاء بالشرط ؟
قال: في شرطه على السكان أن يكون له روث الدابة، وبعر الشاة، ونشوار العلوفة وألا يلقوا عظما، ولا يخرجوا كساحة، وان يكون له نوى التمر وقشور الرمان، والغرفة من كل قدر تطبخ للحبل في بيته، وكان في ذلك يتنزل عليهم، فكانوا لطيبه وافراط بخله وحسن حديثه يحتملون ذلك.
قال معبد: فبينا أنا كذلك ، قدم ابن عم لي ومعه ابن له، واذا رقعة منه قد جاءتني: ان كان مقام هذين القادمين ليلة او ليلتين، احتملنا ذلك، وان كان اطماع السكان في الليلة واحدة ، يجر علينا الطمع في الليالي الكثيرة.
فكتبت اليه: ليس مقامهما عندنا الا شهراً او نحوه .
فكتب الي: ان دارك بثلاثين درهما ، وانتم ستة ، لكل رأس خمسة فان قد زدت رجلين فلابد من زيادة خمسين فالدار عليك من يومك هذا بأربعين.
فكتبت اليه: وما يضرك من مقامهما ، وثقل ابدانهما على الأرض التي تحمل الجبال ، وثقل مؤنهما علي دونك،
فكتب الي بعذرك لاعرفه . ولم أدر اني اهجم على ما هجمت ، واني اقع منه فيما وقعت .
فكتب الي الخصال التي تدعو إلى ذلك كثيرة، وهي قائمة معروفة، من ذلك سرعة امتلاء البالوعة، وما في تنقيتها من شدة المؤنة ومن ذلك أن الاقدام اذا كثرت، كثر المشي على ظهور السطوح المطينة، وعلى ارض البيوت المجصصة، والصعود على الدرج الكثيرة، فيتقشر لذلك الطين، وينقلع الجص وينكسر العتب، مع انثناء الاجذاع لكثرة الوطىء وتكسرها لفرط الثقل، واذا كثر الدخول والخروج والفتح والاغلاق والاقفال وجذب الاقفال، تهشمت الابواب، وتقلقلت الرزات، واذا كثر الصبيان، وتضاعف البوش، نزعت مسامير الابواب، وقلعت كل ضبة، ونزعت كل رزة وكسرت كل حوزة، وحفر آبار الزدو، وهشموا بلاطها بالمداحي ، هذا مع تخريب الحيطان بالاوتاد وخشب الرفوف واذا كثر العيال والزوار ، والضيفان والندماء، احتيج من صب الماء، واتخاذ الخابية القاطرة، والجرار الراشحة الى اضعاف ما كانوا عليه، فكم من حائط قد تآكل اسفله وتناثر اعلاه، واسترخى اساسه ، وتداعى بنيانه من قطر حب، ورشح جرة، ومن فضل ماء البئر، ومن سوء التدبير، وعلى قدر كثرتهم يحتاجون من الخبز والطبيخ ومن الوقود والتسخين، والنار لاتبقي ولا تذر، وانما الدور حطب لها، وكل شيء من متاع فهو اكل لها، فكم من حريق قد اتى على اصل الغلة، فكلفتم اهلها اغلظ النفقة وربما كان ذلك عند غاية العسرة، وشدة الحال وربما تعدت تلك الجناية إلى دور الجيران ، وإلى مجاورة الأبدان والأموال، فلو ترك الناس حينئذ رب الدار وقدر بليته ومقدار مصيبته، لكان عسى ذلك ان يكون محتملا، ولكنهم يتشأمون به، ولا يزالون يستثقلون ذكره ، ويكثرون من لائمته وتعنيفه.
نعم ثم يتخذون المطابخ في العلالي على ظهور السطوح وان كان في أرض الدار فضل، وفي صحنها متسع، مع مافي ذلك من الخطار بالأنفس، والتغرير بالأموال، وتعرض الحرم ليلة الحريق لأهل الفساد، وهجومهم مع ذلك على سر مكتوم، وخبي مستور من ضيف مستخف، ورب دار متوار، ومن شراب مكروه، ومن كتاب متهم، ومن مال جم اريد دفنه، فاعجل الحريق اهله عن ذلك فيه، ومن حالات كثيرة، وأمور لايحب الناس ان يعرفوا بها، ثم لاينصبون التنانير، ولايمكنون للقدور، الاّ على متن السطح، حيث ليس بينها وبين القصب والخشب الاّ الطين الرقيق والشيء لايفي، هذا مع خفة المؤنة في احكامها وأمن القلوب من المتالف بسببها، فان كنتم تقدمون على ذلك منا منكم وأنتم ذاكرون، فهذا عجب، وان كنتم لم تحفلوا بما عليكم في اموالنا، ونسيتم ما عليكم في اموالكم فهذا أعجب.
ثم ان كثيرا منكم يدافع بالكراء، ويماطل بالاداء ، حتى اذا إجمعت اشهر عليه فر وخلى أربابها جياعا، يتندمون على ما دان من حسن تقاضيهم واحسانهم، فكان جزاؤهم وشكرهم انقطاع حقوقهم، والذهاب باموالهم .
ويسكنها الساكن حين يسكنها ، وقد كسحناها ونظفناها تحسن في عين المستاجر، وليرغب فيها الناظر ، فاذا خرج ترك فيها مزبله وخرابا، لا تصلحه الا النفقة الموجعة ثم لايدع مترسا الا سرقه، ولا سلما الا حمله ولا نقضا الا اخذه، ولا برادة الا مضى بها معه، ويدع دق الثوب والادق في الهاون والمنحاس في أرض الدار ، ويدق على الاجذاع والحواضن ، والرواشن، وإن كانت الدار مقرمدة او بالاجر مفروشة ، وان كان صاحبها جعل في ناحية منها صخرة، ليكون الدق عليها، ولتكون واقية دونها، دعاهم التهاون والقسوة والغش والفسولة أن يدقوا حيث جلسوا وإلى الاّ يحفلوا بما افسدوا، لم يعط قط لذلك ارشا، ولا استحل صاحب الدار، ولا استغفر الله منه في السر، ثم يستكثر من نفسه في السنة اخراج عشرة دراهم ولا يستكثر من رب الدار الف دينار في الشهر، أيذكر ما يصير الينا مع قلته ولا يذكر ما يصير اليه مع كثرته.
هذا والايام التي تنقض المبرم، وتبلي الجدة، وتفرق الجميع المجتمع، عاملة في الدور كما تعمل في الصخور، وتأخذ من المنازل كما تأخذ من كل رطب ويابس، وكما تجعل الرطب يابسا، واليابس هشيما، والهشيم مضمحلا، ولانهدام المنازل غاية قريبة ومدة قصيرة ، والساكن فيها هو كان المتمتع بها، والمنتفع بمرافقها، وهو الذي أبلى جدتها وذهب بحلاها ، وبه هرمت وذهب عمرها، لسوء تدبيره ، فاذا قسنا الغرم عند انهدامها باعادتها، وبعد ابتدائها وغرم ما بين ذلك من مرمتها واصلاحها، ثم قابلنا بذلك ما اخذنا من غلاتها، وارتفقنا به من اكرائها، خرج على المسكن من الخسران، بقدر ما حصل للساكن من الربح، الا ان الدراهم التي اخرجناها من النفقة كانت جملة، والتي اخذناها على جهة الغلة جاءت مقطعة، وهذا مع سوء القضاء والاجواج الى طول الاقتضاء، ومع بغض الساكن للمسكن وحب المسكن للساكن ، لان المسكن يحب صحة بدن الساكن ونفاق سوقه اذا كان تاجرا، وتحرك صناعته ان كان صانعا ، ومحبة الساكن اذ يشغل الله عنه المسكن كيف شاء ان شاء شغله بعيبه ، وان شاء بزمانه وان شاء بحبس، وان شاء بموت، ومدار مناه ان يشغل عنه، ثم لا يبالي كيف كان ذلك الشغل، الا انه كلما كان أشد كان احب اليه وكان اجدر أن يأمن ، واخلق لان يسكن على أنه ان فترت سوقه، او كسدت صناعته ، ألح في طلب التخفيف من اصل الغلة، والحطيطة مما حصل عليه من الاجرة، وعلى أنه ان اتاه الله بالارباح في تجارته، والنفاق في صناعته لم ير أن يزيد قيراطا في ضريبته، ولان أن يعجل فلسا قبل وقته ثم ان كانت الغلة صحاحا، دفع اكثرها مقطعة ، وان كانت انصافا وارباعا دفعها قراضة مفتتة، ثم لايدع مزبقا ولا مكحلا، ولا زائفا ولا دينارا بهرجا الا دسه فيه ودلسه عليه ، واحتال بكل حيلة، وتأتي له بكل سبب. فان ردوا عليه بعد ذلك شيئا، حلف بالغموس انه ليس من دراهمه، ولا من ماله، ولا رآه قط ، ولا كان في ملكه، فان كان الرسول جارية رب الدار أفسدها وربما احبلها، وان كان غلاما خدعه وربما شطر به هذا مع التشرف على الجيران، والتعرض للجارات مع اصطياد طيورهم وتعرضنا لشكاياتهم، وربما استضعف عقولهم، وطمع في فسادهم وغيهم، فلا يزال يضرب لهم بالاسلاف، ويغريهم بالشهوات، ويفتح لهم ابوابا من النفقات ليعيبهم ويربح عليهم، حتى اذا استوثق منهم، اعجلهم وخزق بهم، حتى يتقوة ببيع بعض الدار، او باسترهان الجميع ليربح -مع الذهاب بالاصل- السلامة مع طول مقامه من الكراء، وبما جعله بيعا في الظاهر ورهنا في الباطن، فحينئذ يقتضيهم دون المهلة ويدعيها قبل الوقت.
وربما بلغ من استضعافه لاداء الكراء ، أن يدعي أن له شقيصا، وان له يدا، ليصير خصما من الخصوم ومنازعا غير غاصب، وربما اخذهم ومعه امرأة يفجر بها، فيجعل استيجار البيوت، وتصفح المنازل، علة لدخولها، والمقام ساعة فيها، فاذا استقر في المنزل قضى حاجته منها، ورد المفتاح، وربما اكترى المنزل وفيه مرمة، فاشترى بعض ما يصلحها، ثم يتوخى عاملا جيد الكسوة وجيران اصحاب آنية وآلة، فاذا شغل العامل وغفل اشتمل على كل ما قدر عليه، وتركهم يتسكعون، وربما استأجر الى جنب سجن، لينقب اهله اليه، والى جنب صراف لينقب عليه طلبا لطول المهلة والستر، ولطول المدة والأمن وربما جنى الساكن ما يدعو الى هدم دار المسكن، بأن يقتل قتيلا، او يجرح شريفا، فيأتي السلطان الدار واربابها، اما غيب وأما أيتام وأما ضعفاء فلا يصنع شيئا دون ان يسويها بالارض.
وبعد فالدور ملقاة، واربابها منكوبون وملقون، وهم اشد الناس اعتزازاً بالناس، وابعدهم غاية من سلامة الصدور وذلك ان من دفع داره، ونقضها وساجها وأبوابها ومع حديدها وذهب سقوفها، إلى مجهول لا يعرف، فقد وضعها في مواضع الغرر وعلى اعظم الخطر، وقد صار في معنى المودع وصار المكتري في موضع المودع، ثم ليست الخيانة وسوء الولاية إلى شيء من الودائع أسرع منها الى الدور، وأيضا أن تسفح السكان حالا من اذا وجد في الدار مرمة ففوضوا اليه النفقة وان يكون ذلك محسوبا عند الاهلة، الذي يشغف في البناء، ويزيد في الحساب، فما ظنك بقوم هؤلاء أصلحهم وهم خيارهم، وأنتم أيضا ربما أكريتم مستغلات غيركم، بأكثر مما أكتريتموها منه، فسيروا فينا كسيرتكم فيهم، واعطونا من انفسكم مثل ما تريدونه لغيركم – ادعيتم الشركة وجعلتموه كالاجارة، حتى تصيروه كتلادمال او مورث سلف.
وجرم آخر ، وهو انكم اهلكتم اصول اموالنا ، واخربتم غلاتنا وحططتم بسوء معاملتكم أثمان دورنا ، ومستغلاتنا حتى سقطت غلات الدور عن اعين المياسير ، واهل الثروة ومن اعين العوام والحشوة ، وحتى تدافعوكم بكل حيلة ، وصرفوا اموالهم في كل وجه ، وحتى قال عبدالله بن الحسن قولا ارسله مثلا ، وعاد علينا حجة وضررا وذلك انه قال : « غلة الدار مسكة ، وغلة النخل كفاف وانما الغلة غلة الزرع والتسوقتين » . وانما جر ذلك علينا حسن اقتضائنا ، وصبرنا على سوء قضائكم وانتم تقسطونها علينا ، وهي عليكم مجملة وتلوونا بها وهي عليكم حالة ، فصارت كذلك غلات الدور وان كانت أكثر ثمنا ودخلا – اقل ثمنا ، واخبث اصلا من سائر الغلات .
فانتم شر علينا من الهند والروم ، ومن الترك والديلم اذ كنتم احضر اذي وادوم شرا ، ثم كانت هذه صفتكم وحيلتكم ومعاملتكم في شيء لابد لكم منه ، فكيف كنتم لو امتحنتم بما لكم عنه مندوحة ، والوجوه لكم فيه معرضة وانتم فيه بالخيار ، ليس عليكم طريق للاضطرار .
وهذا مع قولكم : ان نزول دور الكراء أصوب من نزول دور الشراء وقلتم : لان صاحب الشراء قد اغلق رهنه ، وأشرط نفسه ، وصار بها ممتحنا وبثمنها مرتهنا ، ومن اتخذ دارا فقد اقام كفيلا لايخفر وزعيما لايغرم ، وان غاب عنها حن اليها ، وان اقام فيها ألزمته المؤن ، وعرضته للفتن ، ان اساءوا جواره وانكر مكانه ، وبعد مصلاه ، ونأت عنه سوقه ، وتفاوتت حوائجه ، ورأي أنه قد اخطأ في اختيارها على سواها ، وانه لم يوفق لرشده حين آثرها على غيرها ، وان من كان كذلك فهو عبد داره ، وخول جاره ، وان صاحب الكراء الخيار في يده والامر اليه ، فكل دار هي له متنزه ان شاء ومتجر ان شاء ، ومسكن ان شاء، لم يحتمل فيها اليسير من الذل ، ولا القليل من الضيم، ولا يعرف الهون، ولا يسام الخسف، ولا يحترس من الحساد ، ولا يداري المتعللين ، وصاحب الشراء يجرع المرار ، ويسقى بكأس الغيظ ، ويكد يطلب الحوائج ، ويحتمل الذلة وان كان ذا أنفة ، وان عفا عفا على كظم ولا يوجه ذلك منه الا الى العجز ، وان رام المكافأة تعرض لاكثر مما أنكر قال رسول الله ـ (ص) الجار قبل الدار والرفيق قبل الطريق .
وزعمتم أن تسقط الكراء أهون ، اذا كان شيئا بعد شيء، وإن الشدائد إذا وقعت جملة، جاءت غامرة للقوة، وأما إذا انقطع وتفرق فليس يكترث لها الا من تفقدها وتذكرها، ومال الشراء يخرج جملة، وثلمته في المال واسعة، وطعنته نافذة وليس كل خرق يرقع، ولا كل خارج يرجع، وانه قد أمن من الحرق والغرق، وميل اسطوان، وانقصاف سهم واسترخاء أساس، وسقوط سترة، وسوء جوار، وحسد مشاكل، وانه اما لا يزال في بلاء ، وما أن يكون متوقعا لبلاء، وقلتم، إن كان تاجرا فتصريف ثمن الدار في وجوه التجارات أربح، وتحويله في أصناف البياعات أكيس، وإن لم يكن تاجرا، ففي ما وصفناه له ناه، وفيما عددنا له زاجر، فلم نمنعكم حرمة المساكنة، وحق المجاورة، ولحاجة الى السكنى وموافقة المنزل، أن أشرتم على الناس بترك الشراء، وفي كساد الدور كساد لاثمان الدور وجرأة للمستأجر، واستحطاط من الغلة، وخسران في اصل المال، وزعمتم انكم قد احسنتم الينا حين حثثتم الناس على الكراء ، لما في ذلك من الرخاء والنماء، فأنتم لم تريدوا نفعا بترغيبهم في الكراء بل إنما أردتم أن تضرونا بتزهيدكم في الشراء، وليس ينبغى أن يحكم على كل قوم الا بسبيلهم وبالذى يغلب عليهم من اعمالهم.
فهذه الخصال المذمومة كلها فيكم، وكلها حجة عليكم، وكلها داعية الى تهمتكم واخذ الحذر منكم وليس لكم خصلة محمودة، ولا خله فيما بيننا وبينكم مرضية، وقد اريناكم أن حكم النازلين كحكم المقيمين وان كل زيارة فلها نصيب من الغلة، ولو تغافلت لك يا أخا اهل البصرة عن زيادة رجلين لم ابعدك – على قدر ما رأيت منك – أن تلزمني ذلك، فيما يتبين، حتى يصير كراء الواحد ككراء الالف وتصير الاقامة كالظعن، والتفريغ كالشغل، وعلى أني لو كنت امسكت عن تقاضيك، وتغافلت عن تعريفك ما عليك، لذهب الاحسان اليك باطلا اذ كنت لا ترى للزيادة قدرا وقد قال الاول والكفر مخبثة لنفس المنعم وقال الآخر: تبدلت بالمعروف نكراً وربما تنكر المعروف من كان ينكر انت تطالبني ببغض المعتزلة، وبما بين اهل الكوفة والبصرة، وبالعداوة بين أسد وكنده، وبما في قلب الساكن من استثقال المسكن وسيعين الله عليك والسلام) (يقول الدكتور طه حسين في كتابه حديث الشعر والنثر (ص ۱۸۰) معلقا على هذا الحديث ، في هذه السهولة وهذا اليسر والجمال يصور لنا الجاحظ الخصومات لا كما كانت تقع بين الملاك والمستأجرين في بغداد بل كما تقع هنا ومقدار صدقها في تحليل دخائل النفس الانسانية في احدى صورة متمثل في شخص الكندي او اتخذ الكندي موضوعا لها ). لقد اكسب الفن هذه القصة روعة وخلودا لان ما تضمنته من محاورات وخصومات ليس الا مظهرا للحركات النفسية التي مبعثها الشعور بالحرص في تلك الظروف الخاصة .
ويستغرب الاستاذ ابو ريدة في كتابه رسائل الجاحظ قصة بخل الكندي ويستبعد أن يكون كندي كتاب البخلاء هو الفيلسوف الكندي يذكر في ( ص ١٥ الرسائل ). ( لعل أول من تحدث عن بخل الكندي الجاحظ في كتاب البخلاء ولكن هذا الاديب الهازل لا يصرح بأنه الكندي الفيلسوف، كما أنه لا يذكر اسمه ونسبه على نحو اكثر صراحة، كما هو الحال في كتاب الحيوان وهو يذكر من مظاهر بخل الكندي الذي يقصده ما يدل على بخل في اكرام الضيف، وعلى تشدد في معاملة المستأجر ومحاولة الانتفاع منه بالاستيلاء على بقايا المستهلكات المنزلية، وعلى اصناف الطعام من الجيران والسكان يطعم بها ابناءه، ويظهر ان في ذلك كثيرا جدا من الخيال الادبى او من التشنيع على سبيل التماس الطرائف حول الشخصيات الكبيرة ).
ويذهب الاستاذ طه الحاجرى فى تعليقات وشروح على كتاب البخلاء أنه أذا اردنا ان نلتمس شخصية الكندي الفيلسوف في ثنايا الحديث الذى يسوقه الجاحظ لم نكد نظفر بها ويرجح الاستاذ المعلق ان الجاحظ يقصد شخصا مستقلا غير ابي يوسف يعقوب بن اسحق وانه كندي آخر منسوب الى كندة.
أما الاستاذ (فان فلوتن) في تحليله لكتاب البخلاء يقول ان من المحتمل ان يكون هو الفيلسوف المشهور ( مقدمة كتاب البخلاء ص ١٥ فان فلوتن ) .
إن الجاحظ ذكر الكندي في كتاب البخلاء في الصفحات( ۱ ، ۱۳ ، ٣٦ ، ٧٠ ، ٧١ ، ٧٨ ، ٧٩ ، ۸۱ ) ولم يكتف باشاعة حديث البخل مكبرا عن الكندي بل ألف رسالة في فرط جهل الكندي ويظهر أن بين الرجلين امرا لايعرف كنهه.
مع أننا نميل إلى أن الكندى الذى يذكره في كتاب البخلاء هو ابو يوسف يعقوب بن اسحق الفيلسوف المعروف ويؤيد ذلك ان الجاحظ يذكر الفيلسوف في كتاب الحيوان باسمه ( يعقوب بن اسحق الاشعثي ) تارة وباسم ( ابي يوسف يعقوب بن اسحق الكندي ) تارة اخرى ولكن الجاحظ يسير في ايراد هذه القصص المستطرفة على طريقته في التأليف ، ايثارا لاستهواء القراء وحرصا على استجلاب رغبتهم ورفع السآمة والملل عنهم كما يقرر هذه المعانى بنفسه فيقول :
” إلا أني لا أشك على حال، ان النفوس ـ إذا كانت الى الطرائف أحن وبالنوادر اشغف والى قصد الاحاديث اميل بها واحب ـ انها خليقة لاستثقال الكثير وان استحقت تلك المعاني الكثرة وان كان ذلك الطويل انفع” كتاب الحيوان ج6 ص98 .
أما كتاب البخلاء فهو عبارة عن أحاديث يسوقها الجاحظ على لسان بعض الناس ممن عرفوا واشتهروا ونسب اليهم الاقتصاد في النفقة والاستثمار للمال او مذهب الجمع والمنع على حد تعبيره امثال سهل بن هارون، والحزامي، والحارثي، والكندي، والثوري، والاصمعي..الخ ويورد الحج مرة مورد الجد ولكن السخرية ترفرف في خلالها يعرضها مرة اخرى معرض التهزؤ المكشوف والسخرية الصريحة فيحكى حركات البخلاء النفسية حكاية دقيقة ويذكر نوادرهم ذكرا لطيفا ممعنا في تشقيق الكلام والتحليل النفسي امعانا كبيرا ويزداد الموضوع طرافة حين ينسبه الى احد معاصريه ممن عرف واشتهر بصفة من الصفات وقد وصف الجاحظ كتابه البخلاء بقوله ( ص١ البخلاء ) .
( نوادر البخلاء واحتجاج الاشحاء وما يجوز من ذلك من باب الهزل وما يجوز في باب الجد ) .
وهكذا نجده لا يكاد ينتهي من رسالة سهل بن هارون حتى يأخذ في نوادر المراوزة وما يفرغ من حديث خالد بن يزيد حتى يحكى بعض نوادر يحيى بن عبدالله وهكذا ينتهى من الكتاب على هذه الخطة الهازلة فيبلغ من التصوير والتحليل غايته ويرضى بذلك رغبة القراء وشهوة الناس وان تجاوز حدود الواقع والمعقول.
والأعجب من ذلك ان الجاحظ يصرح بانه يكتب احاديث غير مضافة الى اصحابها خوفا من سطوتهم او اكراما لهم فيقول فى مقدمة البخلاء ” ولقد كتبنا لك احاديث كثيرة غير مضافة الى اربابها اما بالخوف منهم واما بالاكرام لهم “.
ويظهر ان الفيلسوف الكندي لم يكن ممن يخافهم الجاحظ لذلك اضاف اليه حكايات لم تكن صادرة عنه وقصصا نسبت اليه وهي لغيره ،فان الجاحظ الضاحك الساخر الذى يعيش عيشة الادباء من غير نظام ولا حدود ولا اقتصاد لم يكن ليعجبه التنظيم الرتيب الذي يحيا عليه الفيلسوف الكندي فلا مانع من أن يسخر منه ويشنع عليه لبعد ما بين طباعيهما وبعد ما بين سبيليهما في الحياة ، ومع ذلك فالجاحظ في تشنيعه على الكندي تند منه كلمات باقراره يعقل ابي يوسف وعلمه ولكنه يصرح بانه ينقم منه الشح بالطعام وترويج ذلك الشح ويبلغ به الحنق فيقول : ان الثورى والكندى يستوجبان الحجر .
وقد ظل تشنيع الجاحظ هو الاساس لكل ما تناقله الرواة من بعده ، فابن النديم صاحب الفهرست يقول : عن الكندى ( كان بخيلا ) ويذكر ابن نباته في كتابه سرح العيون (ص ١٣١).
من نوادره ـ( الكندي )ـ وكلامه في البخل ، كان يقول: من شرف البخل انك تقول للسائل ” لا ” ورأسك إلى فوق، ومن ذل العطاء انك تقول: نعم وأنت برأسك الى اسفل . وكان يقول سماع الغناء برسام حاد لان الانسان يسمع فيطرب فيتفق فيسرف فيفتقر فيغتم فيعتل فيموت . وقال عمرو بن ميمون: تغديت يوما عند الكندي فدخل جار له فدعوته الى الطعام فقال الرجل والله لتغديت فقال الكندي ما بعد الله شيء فكتفه كتافا » .
وقد روى الجاحظ هذه القصة في كتاب البخلاء (ص ١٣) بتفصيل أكثر قال حدثني عمرو بن نهيوي قال تغديت يوما عند الكندي فدخل عليه رجل كان له جارا وكان لي صديقا فلم يعرض عليه الطعام ونحن نأكل ـ وكان ابخل من خلق الله ـ قال: فاستحييت منه فقلت: سبحان الله: لو دنوت فأصبت معنا مما نأكل، قال: والله فعلت، فقال الكندي ما بعد الله شيء فقال عمرو: فكتفه والله كتفا لا يستطيع بعده قبضا ولا بسطا وتركه ولو أكل لشهد عليه بالكفر او لكان قد جعل مع الله جل ذكره شيئا.
وينقل إبن نباته من وصية الكندي لولده انه قال:
يابني كن مع الناس كلاعب الشطرنج تحفظ شيئك وتأخذ من شيئهم ، فان مالك اذا خرج من يديك لم يعد اليك. واعلم أن الدينار محموم فاذا صرفته مات، واعلم أنه ليس شيء أسرع فناء من الدينار إذا كسر والقرطاس اذا نشر ومثل الدرهم كمثل الطير الذي هو لك ما دام في يدك فاذا طار عنك صار لغيرك.
وقال المتلمس:
قليل المال تصلحه فيبقى **ولا يبقى الكثير مع الفساد
لحفظ المال خير من فناه** وسير في البلاد بغير زاد
وأعرف بيتا أكثر من مائة الف في المساحة وهو قول القائل :
فسر في بلاد الله والتمس الغنى ** تعش ذا يسار او تموت فتعذرا
فاحذر يابني أن تلحق بهم .
ولا يكتفي ابن نباته بما نسبه من الوصايا السخيفة للكندي بل يجعل فيلسوف الإسلام رجلا أحمق متكلفا سخيفا فيروى حديث الكندي مع جاريته ـ الذي سبق أن رويناه ـ على أنه صورة لحياة الكندي ، وهكذا يبلغ العبث حدا يشوه من خلق الكندي ومن عقله مع أن الرجل في عقله وفي خلقه من اعظم ما عرف البشر وواحد من اثني عشر هم انفاذ الناس عقلا ويعتبر واحدا من ثمانية هم ائمة العلوم الفلكية في القرون الوسطى ( دائرة المعارف الاسلامية ترجمة الكندي ) .
* هذا النص نسخ من كتاب سيرة يعقوب بن إسحاق الكندي وفلسفته، لتقي الشيخ راضي، صدر عن مطبعة سلمان الأعظم، ط.1. 1962.
