د. محمد أبَلاّغ | في نقد محمد عابد الجابري: الجماعة العلمية كبديل أدق لأنظمة الفكر المغلقة الجابرية.
في تدوينة كنت قد تطرقت إلى الانتقال في القرن التاسع الميلادي من مفهوم الموجود اليوناني إلى مفهوم الشيء لأول مرة في الفكر الإنساني في القرن 9م ببغداد، لم يتفاعل مع التدوينة إلا القلة القليلة من الأصدقاء والصديقات مشكورين، لأنهم التقطوا أهمية هذا التحول على المستويين الابستملوجي والانطلوجي الذي وقع، والذي عادة ما ينسب للقرن السابع عشر الميلادي مع ديكارت، فقبل أن ينجز رشدي راشد كتابه الخوارزمي بدايات الجبر، كان الاهتمام بكتاب الجبر للخوارزمي يرتكز بالأساس على منزلته بالنسبة للتقليدين العلميين السابق واللاحق على المرحلة العربية الإسلامية من تاريخ العلوم. للأسف الشديد ـ كما قلت ـ لم يلتقط الإشارة الا القلة القليلة من الصديقات والأصدقاء، خصوصا وان هذا التحول كان من الممكن أن يفتح النقاش حول الأسباب التي أدت إلى مركزية مفهوم الموجود في الفكر الفلسفي، فأهم كتابين فلسفيين للقرن العشرين هما: الوجود والعدم لسارتر وكتاب الوجود والزمان لهيدجر، مع التأكيد أن الأمر يتعلق بشكل أدق بالموجود لا بالوجود، فأعلى العلوم الموروثة أي علم ما بعد الطبيعة هو علم الموجود بما هو موجود.
عدم التقاط أهمية هذا التحول من مفهوم الموجود إلى مفهوم الشيء، يبين الضعف الكبير الذي تعاني منه الساحة الفكرية والثقافية العربية الإسلامية، وتفسر إلى حد بعيد الأسباب التي تجعلنا لا نتقدم ولو قيد أنملة في تحديث الفكر الإسلامي وجعله فكرا ينطلق من الفكر العالمي المعاصر ويقرأ به تاريخه لا العكس، فكتاب تكوين العقل العربي صدر سنة 1984 قدم فيه الجابري مشروعه الفكري والصيغة النهائية لقراءته للتراث، ولحد اليوم لم تصدر دراسة مغربية ناقدة لهذا المشروع في كليته، كما أن كتاب الخوارزمي بدايات الجبر صدرت ترجمته العربية سنة 2010 أي قبل 16 سنة من الآن، غير ان صدور الكتاب مر مرور الكرام، لأن المؤلف عربي والمترجم عربي، بينما الكتاب الذي لا يساوي في قيمته الحبر الذي كتب به، كتاب “ابن رشد المقلق” من تأليف جان باتيست برونيه حظي بطبعتين ومتابعة لأن مؤلفه فرنسي.
تقوم أطروحة محمد عابد الجابري على فرضية تقول بأن هناك العقل وهناك اللاعقل، العقل يؤدي إلى الحضارة، بينما اللاعقل يؤدي إلى الاستقالة عن الفعل الحضاري، ويميز في العقل بين ما يسميه المعقول الديني وما يعتبره عقلا فلسفيا يمتد من طاليس إلى العقل المعاصر وتبنيه هو الذي أدى إلى تقدم أوروبا الراهن وسيادة فكرها على المستوى العالمي.
وبالجملة فهناك المعقول الديني الخالص وهو هنا حسبه النظام الفكري البياني وبجانبه النظام الفكري الفلسفي البرهاني المحصور بالنسبة إليه في أرسطو والأرسطية، أما اللاعقل الفلسفي والديني فهو النظام الفكري العرفاني ويجمع فيه كل فكر يقوم على الغنوص لكن أيضا أفلاطون وأفلوطين ، ولكن ولا واحد ناقشه في وضع أفلاطون ضمن اللاعقل، علما بأن تبني التصور الأفلاطوني هو الذي أدى إلى وصول الثورة العلمية إلى غايتها القصوى في القرن 17م مع كل من ديكارت وجاليلي، ذلك أن بداياتها الأولى ترجع إلى القرن 9م وهو ما حاولت التأكيد عليه في التدوينة المتعلقة بالانتقال من مفهوم الموجود اليوناني إلى مفهوم الشيء الجبري.
سنحاول في هذه التدوينة أن نبرز الخصائص التي تميز كل واحد من أنظمة الفكر الإسلامية حسب الجابري ( البيان والبرهان والعرفان) ثم الإشارة إلى نواقص كل نظام من هذه الأنظمة التي لا تعكس طبيعة الفكر الإسلامي نفسه، وذلك من خلال الإشارة إلى ما أغفله الجابري فيما يخص كل نظام، ثم بعد ذلك سنحاول تبيان ان الأدق والأنجع بالنسبة لنا ليس القول بأنظمة فكرية منفصلة بعضها عن البعض الآخر، الأخذ ببعضها يقود إلى التقدم والحداثة والآخر يغرقنا في التخلف والقدامة، بل بالجماعة العلمية لإبراز التصور العام الذي يجمع كل المنتمنين لتلك الفترة سواء أكانوا سنة أو شيعة أو غيرهما، لأن الغرض كما أقول دائما هو تحقيق القطيعة الابستملوجية الكلية مع العقلية السائدة في القرون الوسطى الإسلامية، مع ترتيب الزمن التاريخي، لأن القطيعة الابستمولوجية هي التي تؤدي إلى القطائع على المستوى العملي أي كل ما يهم السياسة والاقتصاد والاجتماع، والأكثر من هذا القطع مع الذهنية السائدة حتى عند من يعتبرون أنفسهم مفكرين ومثقفين وهم في الواقع لا يكرسون سوى عقلية التخلف وكبح كل المحاولات الصادقة للانتقال من الذهنية المكرسة للتخلف إلى ذهنية العالم المعاصر القائمة على السير إلى الأمام كأساس لأي تقدم. فلا عجب اليوم أن يكون “المفكر والمثقف والجامعي ” رهن إشارة المؤثر الفيسبوكي لا العكس.
ما هو النظام البياني حسب الجابري؟
يعتبر الجابري أن الفعل العقلي الذي يؤسس الإنتاج المعرفي في النحو والفقه والكلام والبلاغة هو فعل عقلي واحد أي آلية ذهنية واحدة في هذه المجالات قوامها ربط فرع بأصل لمناسبة بينهما: ” انه القياس بتعبير النحاة والفقهاء، أو الاستدلال بالشاهد على الغائب بتعبير المتكلمين والتشبيه بتعبير البلاغيين”، لن نقف عند التشبيه عند البلاغيين الذي يعتبره الجابري الآلية الذهنية الوحيدة للبلاغة التي عزلها الجابري عن صناعة البديع والبيان، بينما علم البيان لا يقوم على التشبيه وحده بل على علاقات أعمق يؤطرها التناسب الذي يجد أسسه في نظرية النسبة للمقالة الخامسة من اوقليدس والذي خصصت له مقالا بعنوان تطبيق النسبة في علم البيان عند ابن البنا المراكشي، ولم يشمل هذا الاختزال وتطويع هذه المجالات المذكورة لرؤية الجابري ولما رسمه مسبقا علوم اللغة فقط، بل يبدو هذا التطويع والقراءة التعسفية، جليا اكثر في علم الكلام الذي للأسف قلده فيه معظم الباحثين ـ سواء الجابريين منهم أو الطاهويين ـ وهو أن آلية عمل علم الكلام هي قياس الغائب على الشاهد، أو بتعبير آخر الاستدلال بالشاهد على الغائب، بينما لا يغطي هذا النوع من الاستدلال إلا جزءا يسيرا جدا من الاستدلالات الكلامية وهو الجانب الفيزيائي من علم الكلام، وهو المستمر إلى اليوم في علم الفيزياء نفسه، فكل حقيقة فيزيائية إلا ولها بعد ميتافيزيقي لأنها تجيب على سؤال كيف خلق الله العالم.
بينما لا يقف علم الكلام عند الفيزياء، فهو نسق مفتوح على كل أنواع الاستدلالات لا الاستدلال الوحيد الذي سجنه فيه الجابري. فعلم الكلام كان له ارتباط كبير بالرياضيات، فمسالة الجوهر الفرد ( الجزء الذي لا يتجزأ) لا يفيد فيها قياس الغائب على الشاهد، بل هي مرتبطة ارتباطا قويا بالهندسة في إطار النقاش حول إمكانية أو عدم إمكانية التجزئة اللامتناهية للأجسام، ونضيف هنا توظيف المتكلمين النقاش المرتبط بتناهي او عدم تناهي العالم والذي شارك فيه الكندي وثابت بن قرة ضدا على النسق الفلسفي المتمثل في النسق الأرسطي ـ الرشدي، وهو النقاش الذي استمر رياضيا ولم يحسم إلا في النصف الأول من القرن العشرين، ثم عاد النقاش بصدده فيما بعد كما سنرى لاحقا في هذه التدوينة.
أما الموقف المعيب والذي لا يليق البتة بأستاذنا الجابري فهو موقفه من الجبر والمقابلة، الذي قرأه قراءة موجهة ايديولوجيا وهو التأكيد على الطابع العملي للجبر والمقابلة وهذا هو بالضبط موقف المستشرقين الذين يعتبرون انه ما كان للمسلمين ابتكار الجبر إلا للطابع الحسي العملي للغتهم وثقافتهم حيث أنهم عاجزين بسبب انتمائهم “للجنس السامي” عن الارتقاء بالتفكير إلى مستووى التركيب والتجريد النظري.
لن أتحدث عن حساب المثلثات ولا التحليل التوافقي ولا علم الفلك الذي تعرض للإقصاء التام من قبل الجابري، فكل هذه المجالات كان تطورها مرتبطا بالحاجة العملية والمدنية لها، وكلها لا تعتمد على القياس، لذلك استبعدها الجابري من كتابه الموجه توجيها أيديولوجيا لا علميا. بل سأركز على الجبر فقط، فكما أن علم الكلام وعلم أصول الفقه وعلوم اللغة العربية كانت متغلغلة في حياة الناس العامة، نفسه كان بالنسبة للجبر، فحاجة الشعوب هي التي تطور العلم أو تؤدي به إلى التوقف، وبالنسبة لنا هنا فالجبر سيكسر كل القيود المفروضة على التقدم العلمي وذلك بوضع مفهوم واحد شامل هو مفهوم العدد كقيمة مجردة تعبر عن كل شيء، فكل الكميات التي يتعامل معها البشر سواء أكانت متصلة أم منفصلة هي عدد، سواء أكانت أموالا أو مواريثا أو مساحات أراض. كما أن الجبر وباب النسبة وصلا أعلى درجات التجريد من خلال مناقشة طبيعة الكسور نفسها هل هي تجزييء للواحد ام أنها نسبة بين الأعداد الطبيعة، وتم ربط استعمال هذين المجالين أي النسبة والجبر بطبيعة استعمالهما سواء في الإرث او قسمة الأراضي والمعاملات وهي كلها مجالات متناهية لفتح نقاش حول علاقة التناهي باللاتناهي، وهو المستمر إلى اليوم في الرياضيات المعاصرة، بين من يؤكد على ضرورة وجود اللامتناهي في التحليل الرياضي لوضع قوانين كلية مطلقة ، وبين الفينيتيزم (le finitisme) التناهية الذي وجه نقدا وجيها لحضور مفهوم اللامتناهي في الرياضيات فهو غير قابل للتحقق المباشر ولذلك تمت إعادة الاعتبار لمفهوم اللامتناهي بالقوة لا بالفعل الأرسطي في النقاش الحالي حول التناهي واللاتناهي.
فكل ما قلناه هنا يؤكد أن الامر يتعلق بجماعة علمية تشتغل ضمن شروط معينة تقرن ما هو خاص بما هو عام، بمعنى ما هو نتاج للحضارة الصاعدة أي الإسلام بالحضارات السابقة عليها، هي التي أدت إلى الاشتغال في مجالات متعددة متداخلة فيما بينها، وكما ان هناك علاقات متشابكة بين مجالات علم الكلام والفقه واللغة، هناك أيضا علاقات بين هذه المجالات والمجالات الأخرى، حيث ان ما يدعيه الجابري من وجود أنظمة فكرية مغلقة، لا أساس له من الصحة، إنما هناك جماعة علمية يجمعها انها تشتغل كلها ضمن التصور السائد في ذلك العصر، حيث أن ما قلته فيما يخص النظام البياني الذي حصره آليا في القياس ـ بينما الفقه وعلم الكلام واللغة تستعمل أليات أخرى ـ ينطبق كذلك على حصره للعقل الفلسفي في البرهان الأرسطي، فالبداية الفعلية للفلسفة حسبه ستكون مع الفارابي لأنه هو من جعل كتاب البرهان لأرسطو آلية للفلسفة، وبذلك كل الإرث السابق وخصوصا الكندي جعله خارج العقل الفلسفي، وكأن المنطق هو الآلية الوحيدة للفلسفة بينما الواقع يؤكد أن الاشتغال في المحطات الثورية في تاريخ الفلسفة محطة أفلاطون ثم ديكارت فماركس هو بالآليات الرياضية لا المنطقية.
وما ينطبق على البيان والبرهان ينطبق كذلك على العرفان الذي صنفه ضمن اللاعقل واضعا ابن سينا في هذا النظام، متجاهلا كتابه الكبير القانون في الطب وكذلك أعماله الرياضية وأيضا تلك المنخرطة ضمن التيار المشائي، ومتجاهلا أيضا كون المدرسة السينيوية بمناقشتها لكون الواحد لا يمكن أن يصدر عنه إلا واحد اعتمدت على قوانين التحليل التوافقي، وأغرب ما في تكوين العقل العربي هو ان يحضر الشاطبي الذي يقول بضرورة اغلاق باب الاجتهاد ويغيب ابن خلدون الأقرب للحداثة التي دشنها فكر القرن 17م بالتمييز بين طور العقل وطور ما فوق العقل، أي العقل القادر على تحقيق اليقين الموضوعي في مجال الطبيعة والانسان، تاركا كل ما هو فوق طور العقل للإيمان.
القول بالجماعة العلمية هو لترك الماضي بكل صراعاته الأيديولوجية وراءنا وذلك بتحقيق قطيعة ابستملوجية لا يمكن ان تتحقق إلا بدراسة التراث دراسة كلية، لتحقيق قطائع على المستويات الأخرى، وهنا يبرز الفرق بين من يحكمه التوجه الأيديولوجي كالجابري الذي وجه دراسته للتراث وجهة تستجيب لقناعاته الأيديولوجية، وبين من يقرأ التراث قراءة موضوعية تحاول ان تضعه في سياقه التاريخي، وعينها على الحاضر والمستقبل بالدرجة الأولى، وبالجملة يتبين أن المجالات التي سار فيها الجابري على نهج المستشرقين حيث ربطها بالسياسة وبما هو عملي، هي مجالات بلغت أعلى درجات التجريد بالتفكير في الوضعية الانطلوجية للأشياء الرياضية نفسها، وفي نفس الوقت عملت على حل المسائل العملية، وذلك بالربط الوثيق بين النظري والعملي، وهو ما تحقق فعلا في المرحلة التي تهمنا هنا المرحلة العربية الإسلامية من تاريخ العلوم.
وفي الأخير لابد من تحديد البراديغم الذي تحكم في كل النتاج العلمي والفكري للمرحلة التي نحن بصدد دراستها، لأن البراديغم كما حدده طوماس كون لا يتسع ليشمل كل المجالات التراثية، وهو ما سأحاول القيام به في تدوينة لاحقة على هذه التدوينة.
