تاريخ الحكمة في أرض الملّة (1): الكندي وبدايات التفلسف الإسلامي

8 دقائق
“ينبغي أن يعظم شكرُنا للآتين بيسير الحق، فضلا عمن أتى بكثير من الحق، إذْ أشركونا في ثمار فكرهم وسهّلوا لنا المطالب الحقّية الخفية، بما أفادونا من المقدمات المسهّلة سُبُل الحق .” الكندي
” ينبغي ان لا نستحي من الحق واقتناء الحق من أين اتى، وان اتى من الأجناس القاصية عنا والأمم المباينة لنا، فإنه لا شئ أولي بطالب الحق من الحق[…] وليس ينبغي بخس الحق ولا تصغير قائله والآتي به […] ولا أحد بخس بالحق بل كان يشرفه الحق” الكندي

خلال القرنين الأولين من الخلافة العباسية، التي حكمت أجزاء واسعة من العالم الإسلامي، وامتدت دولتها من عام 750 إلى 1258م (132–656هـ)، شهدت الساحة الفكرية والسياسية ثورة معرفية كبرى، تمثلت في حركة نشطة ومنهجية لترجمة العديد من النصوص الفلسفية والعلمية من اليونانية والسريانية والبهلوية والسنسكريتية إلى العربية. واتخذت بغداد مركزا إشعاعيا لهذه الحركة ومختبرًا للمثاقفة بين تقاليد فكرية وحضارية مختلفة. وجاءت ترجمة النصوص الفلسفية اليونانية نتيجة عوامل متعددة؛ فمن جهة، أسهم اتساع الدولة الإسلامية في وصول المسلمين إلى مناطق كانت تزخر بتقاليد فكرية وعلمية راسخة في الإمبراطوريتين الرومانية الشرقية والفارسية. ومن جهة أخرى، فرضت التفاعلات الفكرية والدينية مع مختلف الجماعات الحاجة إلى أدوات معرفية وحجاجية تساعد على مناقشة حجج الخصوم والدفاع عن المواقف الدينية.

ورث المسلمون مراكز علمية عريقة، مثل أنطاكية والرها ونصيبين وحران وجنديسابور، وهي مناطق تقع اليوم ضمن حدود تركيا وسوريا والعراق. كما أسهم الوضع السياسي والديني في العالم الإسلامي خلال القرنين الثامن والتاسع في تنامي الحاجة إلى أدوات عقلية، ولا سيما المنطق، لمناقشة قضايا العقيدة والرد على حجج الخصوم. وفي ظل هذا المناخ المعرفي، أدى السريان المسيحيون دورًا مهمًا في نقل عدد من النصوص الفلسفية والعلمية اليونانية، إذ تُرجمت أعمال كثيرة إلى السريانية، ثم نُقلت إلى العربية، إلى جانب ترجمات مباشرة من اليونانية. وأسهمت هذه الحركة في انتقال جانب مهم من الفلسفة اليونانية إلى البيئة الإسلامية، بما في ذلك مؤلفات أرسطو، وشروح الإسكندر الأفروديسي، وبعض النصوص المنحولة التي كان لها أثر في الفكر الإسلامي، مثل “مبادئ الإلهيات” المنسوب إلى برقلس و”التاسوعات” لأفلوطين.

ولما كان علم الكلام المعتزلي الذي تبنته الخلافة العباسية، ولا سيما في عهد المأمون، أولى المحاولات الجريئة للمناقشة العقلانية للقضايا الدينية الإسلامية وتبني قضايا التوحيد والعدل، فقد واجه معارضة شديدة من طرف خصوم الاعتزال، ما مهد الطريق لظهور تيار فلسفي حقيقي يرى في الفلسفة اليونانية صندوق كنز يحتوي على حقائق عالمية يمكن أن تعضد الوحي ولا تناقضه.

في خضم هذا الحراك المعرفي، برزت شخصية أبي يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي (المتوفى عام 873 م تقريبا)، الذي لُقب بحق بـ”فيلسوف العرب” كونه أول من دمج الفكر اليوناني بوضوح في بنية الفكر الإسلامي، واضعا اللبنات الأولى للفلسفة الإسلامية التي توفق بين صرامة العقل ونور الوحي.  أسس الكندي لتقليد فلسفي ينظر إلى الفلسفة على أنها “علم الأشياء بحقائقها بقدر طاقة الإنسان”، مقسما إياها إلى شقين أساسيين: الفلسفة النظرية التي تهدف إلى إصابة الحق، والفلسفة العملية التي تهدف إلى العمل بالحق، وهو تقسيم أرسطي أصيل تبناه الكندي ليؤكد أن الفلسفة  طريق لاستكمال الفضيلة الإنسانية.

نظر الكندي إلى الفلسفة كدراسة للعلة الأولى، أي الواحد الحق، يقول:” أشرف الفلسفة وأعلاها مرتبة الفلسفة الأولى، أعني علم الحق الأول الذي هو علّة كل حق”، بهذا أسس أنطولوجيا (علم وجود) تتوافق مع عقيدة التوحيد القرآنية، حيث الله هو الخالق الفاعل المختار الذي أوجد الكون المادي من العدم المطلق، وتجاوز بذلك إشكالية القول بقدم العالم التي نادى بها أرسطو وبرقلس. وحتى يتوافق هذا المفهوم الفلسفي مع مفهوم الله في القرآن، رفض الكندي أن يكون “المحرك الأول” مجرد وعي ساكن أو بداية لكون أزلي كما هو الحال عند أرسطو،  وكيّفه ليصبح “خالقا” يتأمل كل الموجودات فرادى، ويقوم بأفعال خيرة، وله المشيئة والعناية الكاملة بمخلوقاته، واستعان في ذلك بنماذج كونية استلهمها من التقاليد الأفلاطونية المحدثة التي تركز على تعالي المبدأ الأول لكن لا على أساس الفيض والصدور، وإنما على أساس الخلق من عدم (تأييس الأشياء عن اليس).

تتجلى عبقرية الكندي الفلسفية بوضوح في تحليلاته العميقة للطبيعيات ومحاولته الجادة لفهم بنية الكون الفيزيائي من منظور فلسفي ورياضي، وهو ما نجده مفصلاً في رسائله الطبيعية. في “رسالة في الجواهر الخمسة”، يقرر الكندي أن الأشياء التي توجد في كل الجواهر (أي الأجسام المادية) تنحصر في خمسة مبادئ أساسية: الهيولى (المادة)، والصورة، والمكان، والحركة، والزمان.

الهيولى هي المبدأ القابل الذي لا شكل له في ذاته، والصورة هي التي تعطي للشيء ماهيته وتجعله متميزا ومدركا بالحواس “والمحسوس كله ذو هيولى”، والمكان هو السطح المحيط بالجسم المتمكن، والحركة هي التغير الذي يطرأ على الجسم”الحركة هي تبدّل ما”، والزمان هو “عدد عاد للحركة”. وفي تعريفه للزمان، يتبنى الكندي الرؤية الأرسطية التي تربط الزمان بالحركة، مؤكدا أن الزمان مقدار يقاس به التغير، وأن “الإنّية” هو نقطة الاتصال الوهمية التي تفصل وتصل بين الماضي والمستقبل، مما يجعل الزمان كما متصلا لا ينفصل عن المادة والحركة يقول:” لا مدّة جرم إلا وحركة، ولا حركة، إذ الجرم مع حركة أبدا، كما قد ايتضح؛ فمدة الجرم اللازمة للجرم أبدا تعدّها حركة الجرم اللازمة للجرم أبدا، فالجرم لا يسبق الزمان أبدا؛  فالجرم والحركة والزمان لا يسبق بعضها بعضا أبدا”. من خلال هذه الجواهر الخمسة، تمكن الكندي من وضع إطار مفاهيمي صارم لتفسير ظواهر عالم الكون والفساد، وأكد على أن المادة والصورة هما المبدآن الأولان اللذان تتركب منهما العناصر الأربعة الأساسية (الحار، البارد، الرطب، اليابس)، والتي بدورها تشكل أساس تكوّن الحيوان والنبات والمعادن.

امتدت أنظار الكندي الفلسفية لتشمل علم الفلك والكوسمولوجيا، مقدما في “رسالته في الإبانة عن سجود الجرم الأقصى” رؤية ثاقبة تفرق بين الفيزياء الأرضية والفيزياء السماوية. يؤكد الكندي في هذه الرسالة أن العناصر الأربعة تتحرك حركة مستقيمة إما من المركز (كالنار والهواء) أو إلى المركز (كالأرض والماء)، وهي تخضع لقوانين التضاد والتغالب التي تؤدي حتما إلى الفساد والانحلال. في المقابل، يرى الكندي أن الفلك (الجرم الأقصى) يتحرك حركة دائرية حول مركزه، والحركة الدائرية ليس لها ضد يقولا:” فإذن الجرم الأقصى، إذ هو متحرك حركة دائمة لا كون فيها، ذات سراح ونظم، فهو علة ما تخرج تلك الحركة من القوة إلى الفعل”، مما يعني أن الفلك لا يتكون من العناصر الأربعة، وإنما هو مصنوع من طبيعة خامسة (الأثير) لا تقبل الخفة ولا الثقل، ولا الحرارة ولا البرودة، ولا الرطوبة ولا اليبوسة، وهو ما يجعله عصيا على التغير والفساد الذاتي.ورغم هذا التأثر الواضح بفيزياء أرسطو السماوية، إلا أن الكندي، انطلاقا من عقيدته الإسلامية الراسخة، رفض بشدة القول بأزلية الفلك وأبديته الذاتية. فقد بين في رسائله أن كل ما هو جسماني أو مرتبط بالحركة والزمان لا يمكن أن يكون لا متناهيا بالفعل، لأن اللانهاية الفعلية في المقادير والأعداد تؤدي إلى تناقضات منطقية ورياضية.

تأسيسا على ذلك، استنتج الكندي أن الزمن، والحركة، وجرم العالم، كلها متناهية ولها بداية، مما يبرهن دحضا لا يقبل الشك على أن العالم “مُحدث” (مخلوق في الزمان)، وأن بقاء الفلك وانتظام حركته  نابع من إرادة الباري الذي قدر مدته، وهو وحده الأزلي الأبدي.

وتتجلى النزعة التوفيقية والرياضية لدى الكندي في محاولته الربط بين الهندسة وعلم الطبيعة، وتأثر في ذلك بفيثاغورية ومحاورة طيماوس لأفلاطون. ويربط  المجسمات الهندسية المنتظمة بالعناصر الأربعة والفلك، حيث ينسب الشكل ذا القواعد الأربع (الهرم) إلى النار نظراً للطافتها وسرعة حركتها، والشكل ذا القواعد الست (المكعب) إلى الأرض لثباتها، والشكل ذا القواعد الثماني إلى الهواء، والشكل ذا العشرين قاعدة إلى الماء. أما الفلك، فينسبه إلى الشكل ذي الاثنتي عشرة قاعدة (ذو الاثني عشري)، مبرراً ذلك بحركته الدائرية وكماله الهندسي وتوافقه مع البروج الاثني عشر. 

إن هذا التفسير الرياضي للكون يعكس إيمانا عميقا لدى الكندي بأن الطبيعة مبنية على أسس رياضية وانسجام هندسي، وأن هذا الانسجام والترتيب المتقن هو الرمز الأكبر والأوضح على وحدانية الخالق وعظمته، وأن الكثرة الموجودة في العالم المادي لا بد أن تنتهي في تحليلها النهائي إلى “الواحد الحق” الذي لا يتكثر بجهة من الجهات، والذي هو المبدع والعلة الأولى لكل ما سواه.

على صعيد نظرية المعرفة (الإبستمولوجيا) وعلم النفس الفلسفي، قدم الكندي تحليلاً رياديا أسس لمبحث العقل في الفلسفة الإسلامية، وهو المبحث الذي بلغ ذروته لاحقا مع الفارابي وابن سينا وأوجه عند ابن رشد، في رسالته الشهيرة “رسالة في العقل”، يرى الكندي أن هناك أربعة مستويات للعقل تتدرج من الإمكان إلى الفعل المطلق. المستوى الأول هو “العقل بالقوة” (أو العقل الهيولاني)، وهو الاستعداد الفطري الكامن في النفس البشرية لفهم المعقولات وتجريد الصور الكلية من المادة. المستوى الثاني هو “العقل بالملَكَة”، وهو العقل الذي اكتسب المعارف وأصبحت لديه قدرة راسخة على التفكير واستدعاء المعقولات متى شاء دون الحاجة إلى تعلمها من جديد. المستوى الثالث هو “العقل بالفعل”، وهو الحالة التي يكون فيها العقل ممارسا لعملية التفكير في اللحظة الراهنة، مستحضرا الصور المجردة أمامه. أما المستوى الرابع والأهم فهو “العقل الفعّال”، وهو عقل مفارق ومستقل عن النفس البشرية، دائم الفعل بطبيعته، وظيفته إخراج العقل البشري من حالة القوة إلى حالة الفعل، وإشراق المعقولات عليه.

 ووفقا للكندي، تبدأ المعرفة البشرية من الإدراك الحسي للأشياء المادية، وتستمر في عملية التجريد عبر الخيال والوهم، حتى تصل إلى صورة الأشياء في النفس؛ ولكن لا يمكن للإنسان إدراك الصور اللامادية والمجردة كليا إلا بفضل هذا العقل الفعال الخارجي. وعندما يدرك العقل الإنساني هذه الصور المعقولة، يتحد معها ويصبح وإياها شيئا واحدا، محققا بذلك غاية كماله المعرفي والوجودي، ومتحررا من قيود المادة الكثيفة ليرتقي نحو عالم النور والعقل الكلي.

كان لتسرب الفلسفة اليونانية إلى العالم العربي دورٌ محوريٌّ في انبثاق روح جديدة من البحث الحر والجرأة الفكرية التي لم تكن مألوفة من قبل. ورغم أن أعلام المعتزلة استطاعوا احتواء هذه الصدمة العقلية، إلا أن هناك من فسر الأحداث الطبيعية تفسيرا عقليا ميكانيكيا، كما فعل النظّام، أو أنكر الترابط العقلي بينها، كصالح قبة. ومن بين هؤلاء المفكرين الجريئين، برز ابن الراوندي، الذي انتقل من الاعتزال إلى التشكيك في دور الوحي، مؤمنا بقدرة العقل البشري، بفضل طاقاته الطبيعية، على معرفة الله والتمييز بين الخير والشر. أما الكندي، فقد تميز بموقف فريد؛ إذ على الرغم من إلمامه العميق بالفكر اليوناني وإعجابه بأعلامه، حافظ على عقيدته الدينية، متمسكا ببنودها الكبرى كخلق العالم من العدم، وعناية الله، وضرورة الوحي كرافد للعقل.

الببليوغرافيا

  • الكندي، يعقوب بن إسحاق. رسائل الكندي الفلسفية. الجزء الثاني. تحقيق محمد عبد الهادي أبو ريدة. القاهرة: دار الفكر العربي، 1953.
  • فخري، ماجد. مختصر تاريخ الفلسفة العربية. بيروت: دار الشورى، 1981.
  • Adamson, Peter. Philosophy in the Islamic World: A History of Philosophy Without Any Gaps, Volume 3. Oxford: Oxford University Press, 2016.
  • ___________, Al-Kindī. New York: Oxford University Press, 2007.
  • ___________,(https://historyofphilosophy.net/podcast/islamic-world/formative-period/al-kindi)(18\09\2026)
  • Mahmut Kaya, “Kindî, (Hayatı ve Şahsiyeti)”, DİA, c. 26 (2002), s. 41-58.
  • Nasr, Seyyed Hossein. Islamic Philosophy from Its Origin to the Present: Philosophy in the Land of Prophecy. Albany: State University of New York Press, 2006.
  • Nasr, Seyyed Hossein, and Oliver Leaman, eds. History of Islamic Philosophy. London: Routledge, 1996.
  • Eşref Altaş and Ahmet Hakkı Turabi, “Kindî,” İslam Düşünce Atlası, accessed September 18, 2026, https://islamdusunceatlasi.org/kindi/72.

كاتب

المقال التالي

من إفريقيا المتخيَّلة إلى إفريقيا المعيشة: كيف يعيد اللجوء تشكيل علاقة السودانيين بهويتهم الإفريقية؟

من إفريقيا المتخيَّلة إلى إفريقيا المعيشة: كيف يعيد اللجوء تشكيل علاقة السودانيين بهويتهم الإفريقية؟

Scroll to Top