من إفريقيا المتخيَّلة إلى إفريقيا المعيشة: كيف يعيد اللجوء تشكيل علاقة السودانيين بهويتهم الإفريقية؟
مقدمة
شكّلت الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 في السودان، نقطة تحوّل عميقة في البنية السكانية والاجتماعية للبلاد، إذ دفعت ملايين السودانيين إلى مغادرة مناطقهم وديارهم، بعضهم داخل السودان، وبعضهم الآخر عبر الحدود نحو دول الجوار، لتصبح مع نهاية عام 2025، ظاهرة إقليمية ممتدة تعيد تشكيل أنماط الاستقرار والعلاقات الاجتماعية ومسارات الحركة بين السودان وبلدان الجوار. وتكتسب هذه التحولات أهميتها من كون النزوح لا يغيّر مكان الإنسان فحسب، بل قد يغيّر أيضاً الطريقة التي يرى بها نفسه وموقعه في العالم. فاقتلاع الفرد من بيئته المألوفة ووضعه في مجتمع جديد يضع كثيراً من المسلمات التي كانت تبدو مستقرة موضع اختبار: صورة الوطن، وحدود الانتماء، وتمثلات الآخر، ومعنى القرب والاختلاف الثقافي.
تكشف تجربة السودانيين الذين وجدوا أنفسهم في أوغندا وإثيوبيا وكينيا ورواندا وغيرها من بلدان شرق إفريقيا عن تحول يتجاوز الجغرافيا السياسية للنزوح. فبالنسبة إلى هؤلاء، لم تعد إفريقيا مفهوماً مجرداً يتردد في الخطابات الثقافية والسياسية، ولا سؤالاً هوياتياً نظرياً يُختزل في المفاضلة بين تعريف السودان بوصفه بلداً “عربياً” أو “إفريقياً”. لقد أصبحت إفريقيا، بفعل الاضطرار، تجربة يومية ومكاناً محسوسا للعيش والعمل والتعلم والانتظار والحركة وإعادة بناء العلاقات. ومن هنا تبرز فكرة “الإفريقية المعيشة” وصفها مدخلاً لفهم أحد الأبعاد الأقل تناولاً في تجربة النزوح السوداني وهو ذلك المستوى من الإفريقية الذي يُكتسب عبر المعايشة والاحتكاك والتجربة.
ومن خلال المسافة بين إفريقيا المتخيَّلة وإفريقيا المَعِيشة، يفتح اللجوء السوداني سؤالاً أوسع حول الهوية والانتماء: هل يتغير تصور الإنسان لموقعه في القارة حين تصبح القارة نفسها جزءاً من تفاصيل حياته اليومية؟ وهل يمكن لتجربة اللجوء، بما تنطوي عليه من اقتلاع وفقدان وهشاشة، أن تنتج في الوقت ذاته معرفة جديدة بالذات وبالمحيط الإقليمي؟ كما أن زاوية “الإفريقية المعيشة” تنقل النقاش من سؤال أين ذهب السودانيون؟ إلى سؤال أكثر تركيباً: ماذا حدث لوعي السودانيين بأنفسهم وبموقعهم في إفريقيا وهم يعيشون خارج السودان؟.
لا تسعى هذه المقاربة إلى افتراض أن النزوح يؤدي بالضرورة إلى تحول موحد في هوية السودانيين أو إلى نتيجة واحدة في علاقتهم بإفريقيا؛ فالتجربة تتباين باختلاف العمر والجنس والخلفية الاجتماعية والتعليمية ومكان الإقامة وطبيعة العلاقة بالمجتمع المضيف. لكنها تنطلق من فرضية أكثر تواضعا وأعمق دلالة: أن الانتقال القسري إلى مجتمعات إفريقية أخرى قد يفتح مساحة لإعادة النظر في تصورات سابقة عن الذات والآخر، وأن الحياة اليومية، بما تحمله من احتكاكات وتكيفات ومفاوضات صامتة، قد تكون أحد المواقع التي تتشكل فيها الهوية من جديد.
هوية السودان: من إفريقيا التي نعرفها إلى إفريقيا التي نعيشها
السؤال عن هوية السودان ليس جديداً على الحرب الحالية. فقد ناقش فرانسيس دينق، في كتابه “صراع الرؤى” الصراع حول الهوية السودانية من خلال عناصر العرق والثقافة واللغة والدين والتاريخ، مشيراً إلى التوتر بين تصورات عربية وإفريقية للانتماء السوداني. وفي الوقت نفسه، لا يقدم الواقع السوداني نفسه باعتباره انتماءً أحادياً؛ فالتاريخ الاجتماعي والثقافي للسودان أنتج أشكالاً متعددة من التداخل بين الانتماءات العربية والإفريقية والمحلية والإسلامية وغيرها.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحوّل هذه العناصر إلى ثنائية مغلقة: إما عربي أو إفريقي. فالهوية، كما يشرح ستيوارت هول، ليست جوهراً ثابتاً ينتقل من جيل إلى آخر دون تغير، إنما عملية مستمرة من التشكل وإعادة التموضع، تتأثر بالتاريخ والذاكرة والمكان وعلاقة الفرد بالآخر. وفي سياق الهجرة، يصبح المكان الجديد عاملاً مهماً في إعادة طرح سؤال “من أنا؟” و”إلى أين أنتمي؟”. وهذا لا يعني أن كل سوداني يصبح أكثر “إفريقية” بمجرد عبوره الحدود. هذه نتيجة لا تثبتها البيانات وحدها. ما يمكن قوله بدرجة أكبر من الدقة هو أن النزوح يضع الإنسان السوداني في احتكاك مباشر مع مجتمعات إفريقية مختلفة، فيمنحه تجربة يومية قد تعيد تشكيل بعض تصوراته السابقة عن إفريقيا وعن موقعه داخلها.
قبل اللجوء، قد تكون صورة إفريقيا لدى الإنسان السوداني مزيجاً من المدرسة والإعلام والسياسة والتاريخ والأسرة والذاكرة المحلية وأغلب هذه العناصر قد شكلتها أيدولوجيات الانظمة والحكومات التي تعاقبت على حكم البلاد. وقد تكون صورة البلدان الإفريقية المجاورة مرتبطة بالفقر أو الحرب أو المجاعات أو صور نمطية أخرى.
لكن الانتقال إلى مدينة إفريقية حديثة أو مجتمع إفريقي متنوع يغيّر طبيعة المعرفة. فأوغندا، على سبيل المثال، تستضيف أكثر من 1.7 مليون لاجئ وطالب لجوء، وينحدر القادمون إليها من بلدان متعددة، بينها السودان وجنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية. وفي نهاية عام 2024 كانت أوغندا تستضيف نحو 1.8 مليون لاجئ وطالب لجوء، وكانت النساء والأطفال يمثلون نحو 80% من مجموع السكان اللاجئين. كما سجلت البلاد أكثر من 65,500 سوداني طالبوا بالحماية حتى نهاية 2024. وفي الواقع، هذه ليست مجرد أرقام عن اللجوء والهجرة القسري. إنها تعني أن السودانين الذين يصلون إلى أوغندا يدخلون مجتمعاً إفريقياً يستضيف منذ سنوات ملايين البشر القادمين من خلفيات مختلفة.
وفي إثيوبيا، تظهر الصورة بصورة مختلفة. فقد سجلت بيانات المفوضية حتى يونيو 2026 وجود نحو 98 ألف لاجئ وطالب لجوء من السودان، ضمن أكثر من 1.1 مليون لاجئ وطالب لجوء في البلاد. كما توضح خطط الاستجابة أن حركة السودانيين إلى إثيوبيا تركزت خصوصاً عبر مناطق مثل بني شنقول-قمز وأمهرة، مع إنشاء مواقع استقبال وتوطين جديدة نتيجة التحديات الأمنية. أما كينيا، فتقدم نموذجاً ثالثاً؛ فبيانات المفوضية في يونيو 2026 تظهر وجود أكثر من 7,500 لاجئ سوداني وأكثر من 6,000 طالب لجوء سوداني، ضمن مجتمع لاجئين كبير ومتعدد الجنسيات.
وبالتالي، لا توجد “إفريقيا واحدة” يكتشفها السوداني بعد النزوح، بل تجارب إفريقية متعددة. وهذه نقطة أساسية: النزوح لا ينقل السوداني من السودان إلى إفريقيا؛ السودان نفسه جزء من إفريقيا. لكنه ينقله من إفريقيا يعرفها إلى إفريقيا أخرى يعيش تفاصيلها.
اللغة واللون: حين تتحول الجغرافيا والسواد إلى علاقة
من أكثر الطرق وضوحاً التي يتحول بها الانتماء من فكرة إلى ممارسة هي اللغة. السوداني الذي ينتقل إلى مجتمع لا تُستخدم فيه العربية باعتبارها اللغة اليومية السائدة يجد نفسه أمام تحدي لغات جديدة، مثل اليوقاندا في أوغندا، والسواحيلية في أجزاء من شرق إفريقيا أو الأمهرية في إثيوبيا، إضافة إلى الإنجليزية وغيرها من اللغات المحلية والوطنية.
هنا تصبح اللغة أكثر من وسيلة للتواصل. إنها وسيلة للدخول إلى الحياة اليومية. فمعرفة الكلمات التي يحتاجها المرء في السوق، أو الحافلة، أو مكان العمل، أو المدرسة، أو الحي، تعني الانتقال من مراقبة المجتمع إلى المشاركة فيه. وهذا يتقاطع مع نظرية جون بيري حول التثاقف والتكيف؛ فالتكيف الثقافي ليس عملية خطية ذات نتيجة واحدة، وإنما يتأثر بعوامل اجتماعية وشخصية وبطبيعة العلاقة بين الوافدين والمجتمع المضيف. وقد يؤدي التفاعل إلى أشكال مختلفة من التكيف، تبعاً للظروف التي يعيش فيها المهاجر أو اللاجئ.
لذلك، لا ينبغي التعامل مع تعلم لغة محلية بوصفه دليلاً تلقائياً على التخلي عن الهوية الأصلية. العكس قد يكون أقرب إلى الواقع: يمكن للإنسان أن يضيف لغة جديدة إلى هويته دون أن يمحو لغته الأولى. وهنا تبدأ الهوية المركبة في الظهور بوصفها ممارسة، لا شعاراً.
اللجوء إلى شرق إفريقيا يمكن أن يعيد أيضاً صياغة علاقة السوداني بلون بشرته. في السودان، يمكن للون أن يرتبط بتاريخ اجتماعي معقد وبالتصنيفات المحلية والطبقية والجهوية. لكن الانتقال إلى مجتمعات إفريقية أخرى يضع الفرد داخل سياقات مختلفة للون والانتماء. قد بات يكتشف السوداني أن كونه أسود البشرة لا يعني بالضرورة أنه يُقرأ اجتماعياً بالطريقة نفسها التي اعتادها في السودان. كما أن قد يكتشف في الوقت نفسه أن الاشتراك في اللون لا يعني الاشتراك في الثقافة أو اللغة أو التاريخ أو الاثنية.
وهنا تصبح إفريقيا أكثر تعقيداً من التصور المبسط الذي يختزلها في “السود”. فالقارة ليست كتلة اجتماعية واحدة. اختلاف اللغات والتاريخ السياسي والدين والاقتصاد والقبائل والمجتمعات الحضرية والريفية ينتج هويات إفريقية متعددة. ومن ثم، فإن الاحتكاك بالمجتمعات الإفريقية يمكن أن يساعد على تفكيك تصور ساذج للهوية الإفريقية نفسها: الإفريقية ليست لوناً، وليست لغة واحدة، وليست ثقافة واحدة.
المدينة الإفريقية تهدم صورة “إفريقيا المتخلفة”
ربما يكون التحوّل الأكثر مباشرة هو التحوّل في صورة المدينة. فالصور القديمة عن إفريقيا كثيراً ما ارتبطت بالفقر والحروب والأزمات الإنسانية. لكن الحياة اليومية في مدن مثل كمبالا ونيروبي وأديس أبابا تقدم مشهداً أكثر تعقيداً: جامعات، شركات، أسواق حديثة، بنية مصرفية، اتصالات، تطبيقات رقمية، وسائل نقل، مؤسسات حكومية، صناعات إبداعية، ومجتمعات حضرية شابة.
ولا يعني ذلك تجاهل الفقر أو ضعف البنية التحتية أو أزمات الخدمات. التقارير الإنسانية نفسها توضح أن دول الاستضافة تواجه ضغوطاً كبيرة، وأن اللاجئين يعانون من نقص التمويل والخدمات والحماية. ففي إثيوبيا، مثلاً، تشير تحديثات المفوضية لعام 2025 إلى استمرار التحديات المرتبطة بالمياه والصرف الصحي والبنية الأساسية في مواقع اللاجئين السودانيين، رغم تنفيذ مشروعات في المأوى والبنية التحتية وتوسيع الوصول إلى بعض الخدمات.
وفي الوقت نفسه، فإن وجود هذه التحديات لا يلغي حقيقة أن المجتمعات المضيفة تمتلك مؤسسات واقتصادات ومدناً وتجارب حضرية لا يمكن اختزالها في صور الفقر. وهنا يتحوّل “الآخر الإفريقي” من صورة إعلامية إلى إنسان وجار وزميل وبائع وسائق وموظف وصاحب مشروع. وهذا التحول في المعرفة قد يكون أكثر تأثيراً من أي خطاب نظري عن الوحدة الإفريقية.
وفي الواقع، تتجه الاستجابة الإنسانية الحالية نفسها، بصورة متزايدة إلى النظر إلى النازحين واللاجئين بوصفهم أطرافاً فاعلة في الاقتصاد والمجتمع، وليسوا مجرد أرقام في قوائم المساعدات. فخطة الاستجابة الإقليمية للسودان لعام 2025 لم تقتصر على اللاجئين وحدهم، وإنما شملت اللاجئين والعائدين ورعايا الدول الثالثة والمجتمعات المضيفة، وربطت بين الاستجابة الإنسانية وبناء القدرة على الصمود. وكانت الخطة تستهدف نحو 4.8 ملايين شخص في سبع دول، عبر 111 شريكاً.
وهذه النقطة لها معنى اجتماعي مهم. فالوجود السوداني في شرق إفريقيا ليس مجرد حركة أشخاص من منطقة إلى أخرى. إنه أيضاً انتقال للمهارات والخبرات واللغات والعلاقات والشبكات الاقتصادية والثقافية. وفي المقابل، فإن المجتمعات المضيفة ليست مجرد “بيئة استقبال”، إنما هي أيضاً طرف فاعل يعيد تشكيل تجربة القادم. ومن هنا يصبح اللجوء علاقة متبادلة، لا حركة في اتجاه واحد.
اللجوء لا يصنع الإفريقية تلقائياً
لكن من المهم تجنب بناء قصة رومانسية عن اللجوء. كما أنه ليس كل احتكاك بالمجتمع المضيف يؤدي إلى اندماج، وليس كل لاجئ يعيد اكتشاف انتمائه الإفريقي بالطريقة نفسها. فالواقع الذي توثقه المنظمات الدولية يتضمن أيضاً نقص الموارد، صعوبة الوصول إلى الخدمات، مخاطر العنف، القيود القانونية، التمييز، الفقر، الاعتماد على المساعدات، وعدم الاستقرار.
وقد شهدت مواقع للاجئين السودانيين في إثيوبيا اضطرابات أمنية دفعت آلاف اللاجئين إلى مغادرة بعض المواقع، وهو ما وثقته تقارير إعلامية وتقارير الاستجابة الإنسانية. كما دفعت التحديات الأمنية في منطقة أمهرة إلى إعادة تنظيم مواقع استقبال اللاجئين السودانيين. وهذا مهم منهجياً: لا يجوز تحويل تجربة اللجوء إلى قصة اندماج ناجحة لمجرد أن اللاجئ يعيش في بلد إفريقي. قد يكون الاحتكاك منتجاً للانتماء، وقد ينتج عنه العكس: الانغلاق داخل جماعة الأصل، الحنين، الشعور بالاغتراب أو حتى إعادة بناء هوية أكثر انغلاقاً. وهنا تفيد مقاربة بيري التي تؤكد أن نتائج التثاقف والتكيف تختلف باختلاف الظروف والعلاقات الاجتماعية والموارد والسياقات المؤسسية.
إن شرق افريقيا ليست تجربة واحدة، قد تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحاً عند مقارنة البلدان الثلاثة. ففي أوغندا، يجد السوداني نفسه داخل بلد ذي خبرة طويلة في استضافة أعداد ضخمة من اللاجئين، مع سياسة استقبال توصف بأنها ذات طابع منفتح نسبياً. بينما في إثيوبيا، ترتبط تجربة السودانيين بمناطق حدودية ذات ضغوط أمنية وإنسانية، إضافة إلى الانتقال من مواقع إلى أخرى وإنشاء مواقع جديدة للاستضافة.
أما في كينيا، يدخل السوداني إلى فضاء لجوء أكثر تنوعاً، حيث تشكل الجنسيات الصومالية وجنوب السودانية والكونغولية وغيرها النسبة الأكبر من اللاجئين، فيما يمثل السودانيون نسبة محدودة من إجمالي السكان اللاجئين وطالبي اللجوء. لذلك، لا يمكن الحديث عن “أثر شرق إفريقيا” باعتباره أثراً موحداً. الأدق أن نقول إن الاحتكاك بمختلف المجتمعات الإفريقية يفتح إمكاناً لإعادة تعريف الذات، لكن اتجاه هذا التغيير يتوقف على المكان والظروف وشكل العلاقة مع المجتمع المضيف.
الإفريقية من خطاب إلى ممارسة
طوال عقود، كان الحديث عن إفريقيا في السودان يتأرجح بين السياسة والثقافة والهوية: الوحدة الإفريقية، العلاقات الإقليمية، الانتماء العربي، العمق الإفريقي، القارة السمراء. لكن تجربة النزوح تضع كل هذه المفاهيم أمام اختبار الحياة اليومية. ماذا يعني أن تكون إفريقياً عندما تحتاج إلى لغة جارك لكي تشتري حاجياتك؟ ماذا يعني أن تكون سودانياً عندما تصبح لاجئاً بين شعوب إفريقية أخرى؟ ماذا يعني أن تتعرف إلى مجتمع إفريقي لا من خلال كتاب أو نشرة إخبارية، وإنما من خلال زميل العمل أو المعلم أو الطبيب أو صاحب المتجر؟. هنا تنتقل الإفريقية من خطاب عن الهوية إلى تجربة للهوية. وهذا هو جوهر مفهوم “الإفريقية المعيشة”: أن يصبح الانتماء شيئاً يُمارس، لا شيئاً يُعلن فقط.
ربما يكون أهم تحول محتمل هنا هو تجاوز السؤال القديم نفسه. فإذا كان الإنسان يعيش في بلد إفريقي، ويتعلم لغة إفريقية، ويعمل في سوق إفريقي، ويركب وسائل النقل المحلية، ويرتبط بجيرانه من جنسيات إفريقية مختلفة، فإنه لا يحتاج بالضرورة إلى التخلي عن عناصر أخرى في هويته لكي يكون إفريقياً.
يمكن أن يكون سودانياً وإفريقياً وعربياً ومسلمًا، أو أن يجمع عناصر أخرى من الهوية، من دون أن تكون هذه المكونات بالضرورة متناقضة. وهذا ينسجم مع تصور ستيوارت هول للهوية باعتبارها عملية تشكل مستمرة وليست جوهراً مغلقاً. فالهوية لا تتحدد فقط بما كان عليه الإنسان، بل أيضاً بالمواقع التي يتحرك بينها وبالقصص التي يعيد بناءها عن نفسه.
وبهذا المعنى، قد تكون الهجرة القسرية، رغم مأساتها، سبباً في كشف حقيقة كانت موجودة أصلاً: السوداني لم يكن خارج إفريقيا حتى يكتشفها؛ لكنه ربما لم يكن يعيش كل أبعاد انتمائه الإفريقي بصورة مباشرة. وبطبيعة الحال، لا يمكن أن ننسب كل تغير في الوعي السوداني إلى الحرب أو اللجوء. الهوية تتشكل عبر عقود، والحرب ليست تجربة واحدة للجميع. لكن حجم الحركة السكانية الحالية يجعل من الصعب النظر إلى النزوح باعتباره حدثاً جغرافياً فقط.
فبحسب المنظمة الدولية للهجرة، بلغ عدد الأشخاص الذين عبروا حدود السودان إلى دول الجوار منذ اندلاع الحرب أكثر من 4.3 ملايين شخص حتى منتصف 2025، مع استمرار العودة والنزوح في الاتجاهين. وبحلول ديسمبر 2025 ظل السودان يشهد أكثر من تسعة ملايين نازح داخلياً، مع تسجيل أكثر من 3.5 ملايين عائد إلى مناطق مختلفة. وبالطبع، هذه الحركة الواسعة تعيد رسم العلاقات بين السودان ومحيطه. والنتيجة ليست بالضرورة “اندماجا” أو “إفريقية” أكثر، وإنما زيادة في الاحتكاك الاجتماعي بين السودانيين ومجتمعات المنطقة. وهذا الاحتكاك هو الذي يجعل مفهوم “الإفريقية المعيشة” مفهوماً مفيداً لفهم ما يحدث.
بعد اللجوء: ماذا يبقى؟
السؤال الأهم ربما لا يتعلق بما يحدث للسوداني أثناء وجوده خارج بلده، بل بما سيعود معه عندما تنتهي الحرب أو عندما تتغير ظروف الإقامة. هل سيعود السوداني إلى التصورات القديمة نفسها؟ أم سيعود ومعه خبرة جديدة عن إفريقيا؟. هل سيحمل معه ربما لغة تعلمها، وصداقات كونها، وخبرة في مجتمع آخر، ومعرفة بمدن وأسواق ومؤسسات لم يكن يعرفها من قبل. وقد يعود أيضاً بخبرات مؤلمة: عنصرية، فقر، استغلال، انتظار طويل، ضعف الخدمات أو شعور بالاقتلاع. كل هذه التجارب تصبح جزءاً من الذاكرة.
ولهذا فإن تأثير الهجرة لا يتوقف عند الحدود الجغرافية. إنها تعيد تشكيل الذاكرة التي يعود بها الإنسان إلى وطنه. ومن المحتمل أن يكون أحد أهم آثار النزوح السوداني الحالي هو أنه سيجعل صورة “الجوار الإفريقي” أكثر واقعية في الوعي السوداني: أقل اعتماداً على الصور النمطية، وأكثر اتصالاً بتجارب بشرية حقيقية ومتنوعة.
وبالتالي في الخاتمة، يمكن القول أنه، تكشف تجربة السودانيين في شرق إفريقيا عن مفارقة مؤلمة. الحرب التي مزقت المجتمع السوداني وأجبرت الملايين على مغادرة منازلهم، فتحت في الوقت نفسه مساحة واسعة لمواجهة أسئلة قديمة حول الذات والمكان والانتماء. لكن لا ينبغي أن نمنح الحرب فضلاً أخلاقياً على ذلك؛ فالكلفة الإنسانية هائلة، واللجوء ليس مشروعاً لاكتشاف الهوية، بل نتيجة قسرية للعنف وانعدام الأمان. وما يمكن قوله هو أن هذه الحركة الكبرى للسكان خلقت واقعاً جديداً لا يمكن تجاهله. حيث أصبح ملايين السودانيين أكثر اتصالاً بالمجتمعات المحيطة بهم. وفي هذا الاتصال يمكن أن تتراجع بعض الصور النمطية، ويمكن أن تتسع معرفة السودان بجيرانه، ويمكن أن تظهر هوية أكثر تركيباً وأقل خضوعاً للثنائيات الصلبة.
وفي نهاية المطاف، ربما لا يكون السؤال: هل السوداني عربي أم إفريقي؟ فالسؤال نفسه قد يكون أضيق من التجربة. الأقرب إلى الواقع أن السودان، مثل كثير من المجتمعات الإفريقية، يحمل تاريخاً مركباً من اللغات والثقافات والهجرات والتداخلات. وما تفعله الهجرة القسرية الحالية هو أنها تجعل هذا التعقيد مرئياً في الحياة اليومية.
من هنا لا تصبح “الإفريقية المعيشة” مجرد هوية جديدة تُفرض على السوداني، وإنما طريقة أخرى لفهم هويته الموجودة أصلاً: هوية تتشكل عبر المكان والذاكرة واللغة والعلاقات، وتستطيع أن تحمل أكثر من انتماء في الوقت نفسه. وربما تكون هذه إحدى أهم النتائج الثقافية بعيدة المدى لأكبر موجة نزوح عرفها السودان في تاريخه الحديث: أن إفريقيا التي كانت تُرى من بعيد أصبحت، بالنسبة إلى ملايين السودانيين، مكاناً عاشوا فيه، وعملوا فيه، وتعلموا منه، وتألموا داخله، وبنوا فيه علاقات ستبقى جزءاً من ذاكرتهم حتى بعد انتهاء اللجوء.


