د. أحمد عبد الحليم عطية| أحمد لطفي السيد: الليبرالية الفلسفية في مصر
بعد مائة عام من توليه رئاسة جامعة القاهرة في العام 1925 أحتفت جامعة القاهرة بأول من تولي إدارتها لحظات الميلاد الأولي، التي تجاوزت حتي اليوم المائة عام ولاتزال فتية ينتظر منها الكثير. أن إحتفالية جامعة القاهرة التي طال انتظارها لهي بداية الإهتمام بمن جعل من حياته وكتاباته مساحة واسعة للتأكيد علي كون الليبرالية سبيلاً للحياة في مصر أستاذ الجيل والأجيال أحمد لطفي السيد (1963 – 1872) الذي معالم الأمة المصرية وحدد شعار مصر المصريين.
في إحدي الندوات التي أقيمت في ضهور الشوبر في لبنان التي نظمها رجال الحزب القومي السوري الاجتماعي للاحتفال بذكري مؤسسه وزعيمه ومفكره أنطون سعادة، أخبرني عميد الفلاسفة العرب ناصيف نصار صاحب كتاب “مفهوم الأمة” -وهو ليس عضوا وليس بعيدا في نفس الوقت عن توجهات الحزب القومي السوري الاجتماعي- اخبرني أثناء مناقشته لدراستي وذكر أحمد لطفي السيد، أنكم لم تعطون فكر صاحب الأمة المصرية حقه من البحث والدرس ومن هذا الحين أدركت ضرورة النظر في كتابات ونصوص أحمد لطفي السيد المتعلقة بالتعليم والصحافة والسياسة.
والحقيقة أن الحديث والحوار والجدل لم ينقطع عن “صاحب الجريدة” و”مدير جامعة القاهرة” و”رئيس مجمع اللغة العربية” و”مدير دار الكتب والوثائق المصرية” و”ناظر المعارف العمومية” ومترجم أرسطو؛ حيث شغل كل من محمد غلاب أستاذ الفلسفة بجامعة الأزهر وعلي أحمد العناني أستاذ الفلسفة السابق بالجامعة الأهلية القديمة ومبعوثها للدراسة في ألمانيا، بتأسيس مجلة “النهضة الفكرية” في الفترة من منتصف 1928 حتي منتصف 1931 للهجوم والنقد الشديد علمياً وسياسياً علي كل من أحمد لطفي السيد وطه حسين.
وقد يتوقف البعض عند أسباب هذا النقد وذاك الهجوم الشديد ربما يكون أولها إختلاف في التوجه الفكري بين التوجهات كل من الفريقين؛ إلا أننا يمكن أن نشير إلي سببين لهذا الهجوم والسجال الأول هو توجه محمد غلاب الاسلامي مقابل توجه لطفي السيد الليبرالي والثاني اتجاه علي العناني للثقافة الألمانية وخاصة المثالية الألمانية وإتجاه طه حسين نحو الثقافة الفرنسية واهتمامه بديكارت ومنهجه مقابل اهتمام العناني بكل من هيجل وماركس والفلسفة الألمانية التي أدت به للمشاركة في الحزب المصري الاشتراكي إنطلاقاً من هذه التوجهات..
إختلافات فكرية أدت إلي صراع في الواقع المصري الذي مر في العقود الأولي للقرن العشرين بحراك إجتماعي عميق أدي إلي ثورته السياسية الكبري في العام 1919.
نستطيع أن نرصد الكثير من مظاهر الحراك الاجتماعي في مصر الذي إتخذ أشكالاً متعددة قانونية وسياسية واقتصادية انطلاقاً من التعدد الثقافي التي تحياه مصر في هذه الفترة. وتصب كل أشكال الحراك الأجتماعي في غاية واحدة هي تأسيس المجتمع المدني الحديث وتحقيق الاستقلال السياسي. وفي مقدمة هذه الاشكال التحول من التعليم الاولي إلي التعليم العالي وأنشأ الجامعة المصرية الأهلية وتأسيس الصحافة والمنظمات والجمعيات الاجتماعية وتأسيس الصناعة الوطنية وتنظيم والاقتصاد المصري يمكن الإفاضة في تحليل كل هذه القضايا التي مهدت لثورة 1919.
حين توقف الدراسة في الجامعة الأهلية بسبب الثورة المصرية الشعبية الأولى، نظم طلاب قسم الفلسفة في 19 أغسطس 1919 حفلاً للتخرج في حديقة فندق شبرد بالقاهرة لتكريم أستاذهم الفيلسوف ومؤرخ الفلسفة المستشرق الأسباني ألكونت دي جالارثا وألقت مي زيادة الأديبة العربية كلمة بالنيابة عن زملائها في الحفل، الذي احتفظ جالارثا في إحدي كتبه بصورة كبيرة عن هذه المناسبة تجمعه مع زعيم الأمة سعد زغلول وكثير من أعيان مصر. مما طرح السؤال عليَ ليس علاقة جالارثا وسعد زغلول بل علاقة الفلسفة والسياسة في مصر والتي سيعبر عنها بصورة منفردة في تاريخنا الحديث أحمد لطفي السيد.
قد يكون من الصعب أن أغادر الحديث عن هذه الصورة دون طرح السؤال يلح عليَ؛ هو لماذا لم تحظ الفلسفة خاصة باهتمام الحزب الأكثر شعبية في مصر؛ حزب الوفد ولم تنل من الاهتمام ما نالته علي سبيل المثال من اهتمام كبير في أحزاب أخري مثل ” الأحرار الدستوريين” ويرتبط بذلك سؤال ملح اليوم هو كيف تكون الثقافة والفكر عنصراً أساسياً في الأحزاب السياسية مما يجعل لها حضوراً جماهيرياً من المثقفين بالإضافة للحضور السياسي لأعضائها وأنصارها؟ وهو سؤال يوجه للقائمين علي الأحزاب جميعاً خاصة تلك التي تهدف إلي تكوين وعي تاريخي واجتماعي وسياسي لمؤيديها.
يمكن أن نجتهد في بيان هل هناك بالفعل أسساً فكرية فلسفية تؤسس للتوجهات الاجتماعية والسياسية للأحزاب المصرية؟ هذا قد يبدو هذا السؤال غير مطروح أو لا لزوم له أو أن هناك إجابة مسبقة له عنه توضح أنه لا علاقة علي الإطلاق بين الفلسفة والسياسة في مصر. أو أن هناك نوعا من المبالغة في البحث عن هذه العلاقة أو أنه غير مرغوب البحث في مثل هذه القضايا ومع فهي قضية تغري الباحث في وطن يسعي للحداثة ويؤسس للدولة المدنية أن يطرح هذا السؤال؛ الذي ينطلق ويؤسس ويتغيا الليبرالية باعتبارها غاية الحداثة إلا أننا نشعر أن وضعية الليبرالية تتشابه مع وضعية الحداثة وفق قول أحد الفلاسفة في سياق مغاير أنها مشروع لم يكتمل بعد ولايزال السؤال الأكثر إلحاحاً هل يمكن الوصول بالليبرالية إلي إكتمال غايتها.
علينا من أجل تأكيد المبادئ الفلسفية التي أطلق منها رائد الليبرالية المصرية أن نشير إلي التحولات المختلفة التي مرت بها مصر خلال العقود الأولي من القرن العشرين سواء علي مستوي العلاقات الاجتماعية والثقافية داخل مصر أو عبر علاقتها مع المشرق العربي من جانب والخلافة العثمانية التي تنتمي إليها مصر والمشرق أثر كل منهما مع الاحتلال الإنجليزي الذي تعاني منه البلدان.
نذكر من ذلك ثورة الضباط الأتراك علي الخلافة العثمانية ثم المناداة بالقومية التركية. انتقال الأفكار الثورية من تركيا إلي المشرق العربي في سوريا ولبنان والاضطهاد الذي عانوا منه مما أدي إلي هجرتهم إلي مصر. نقل الطباعة والمجلات والجرائد إلي القاهرة. السفر إلي أوروبا وخاصة إلي فرنسا ونقل الأفكار التنويرية من حركة التنوير الفرنسية إلي العربية. ظهور الأفغاني ومحمد عبده وسيادة وتغلب الإصلاح الديني المستنير. تأسيس الجامعة المصرية والتعرف علي العلوم الحديثة. تحويل عدد من الصحف المصرية في منتص العقد الأول من القرن العشرين 1907 إلي أحزاب سياسية.
الفلاسفة والأحزاب السياسية في مصر
والحقيقة أنه في سعينا لبيان مكانة أحمد لطفي السيد، طرحنا العلاقة بين الثقافة والفكر والفلسفة من جانب والسياسة من جانب للبحث وإذا ما تسألنا عن طبيعة وحدود هذه وأثرها علينا في مصر وعلاقتها بالليبرالية، علينا العودة إلي المصادر الفلسفية لزعماء وأعضاء هذه الأحزاب من جانب وما قام به أحمد لطفي السيد في هذا المجال. ليس من الصعب استبعاد مثل هذا السؤال إذا ما حاولنا تحليل البرامج السياسية لأحزاب مثل “مصر الفتاة” أو “الحزب الاشتراكي المصري” أو “الحزب الوطني” وكذلك الأحرار الدستوريين وإن كان الأمر يحتاج تحليل العمق مع الحزب الأكثر جماهيرية في مصر. وربما يكون تفسير هذا الأمر ميسراً خاصة ونحن نعلم؛ طبيعة الفكر الفلسفي النخبوية تلك الطبيعة التي تجعلها تقتصر علي المثقفين دون الجماهير.
لا نستطيع في حدود الدراسة الحالية أن نتناول بالتفصيل هذه القضية وإن كان يمكننا القيام بمقارنة بين المبادئ السياسية التي تطرحها برامج الأحزاب والنتاج الفلسفي لمفكري هذه الأحزاب حتي يمكن تحديد العلاقة الجدلية بين معتقدات لطفي السيد الفكرية الليبرالية واثرها علي مختلف جوانب واثرها علي مختلف جوانب المجال العام في مصر.
- ويمكننا علي سبيل المثال أن نناقش الدعوة الليبرالية وخصوصية الأمة المصرية ومبدأ مصر للمصريين التي تعد في نفس الوقت يعد أساس التوجه السياسي للأحرار الدستوريين مقارنة مع ما طرحه مصطفي عبدالرزاق في كتابه تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية مع مبادئ مثل: الموقف من الغرب والمستشرقين، وهو ما نجده واضحاً في الاهتمام الكبير بدراسة الشعراء والعلماء والفقهاء المصريين وتوجيه تلاميذه للبحث في هذا الاتجاه حيث بحث هو نفسه في شعر البهاء زهير الشاعر المصري وكتب عنه والإمام الشافعي الفقيه المصري واتجه تلاميذه: محمد مصطفي حلمي لدراسة ابن الفارض الصوفي المصري وتوفيق الطويل لدراسة التصوف المصري في العصر العثماني وعثمان أمين لدراسة محمد عبده رائد الفكر المصري، بل أن أول من إبداع تلميذه نجيب محفوظ كان روايات تاريخية تدور حول تاريخ مصر الفرعوني القديم
- ونفس الأمر نجده لدي مفكري ومنظري الحزب الوطني القديم وفي مقدمتهم الشيخ طنطاوي جوهري أستاذ الفلسفة بالجامعة المصرية، الذي نشر أعماله المهمة علي نفقة مصطفي كامل الخاصة في مطابع جريدة اللواء مثل كتبه أين الإنسان؟ وأحلام في السياسة والسلام العام وغيرها. ونجد نفس النزعة نحو التفلسف وإعادة إحياء الفلسفة الإسلامية عند محمد لطفي جمعة الذي استعان بمكتبته ومراجعة أستاذ الفلسفة الأسباني في إعداد الدروس لطلابه كما يظهر من مراسلاتهم سوياً. والأمر نفسه في كتابات شخصية ثالثة إنتمت بدورها للحزب الوطني القديم مهمة أسهمت تقديم عدد من الكتابات الفلسفية في العقديين الأوليين من القرن العشرين هو آمين واصف الذي يحتاج بدوره إلي دراسة وتحليل لأعماله وإن كانت تتصف بالطابع النظري المجرد أكثر من إرتباطها بالواقع السياسي المصري.
وتتجلي العلاقة الوثيقة بين الفلسفة والسياسة إذا ما أظهرنا كتابات عبدالرحمن بدوي المتعددة التي نشرها في جريدة مصر الفتاة من برامج للأحزاب الوطنية في ألمانيا وإيطاليا وقضايا المشكلات الدولية ومبادئ وتوجهات الحزب ووضحنا مدي تأثيره علي القوي الوطنية التي آمنت بهذه الأفكار وسعت لتطبيقها خاصة في ثورة يوليو 1952 هنا تحولت الأفكار الفلسفية والتوجهات الحزبية إلي سياسة واقعية متحققة في الواقع المصري.
وقريب من ذلك وان بشكل مختلف ما طرحه مفكري الحزب الاشتراكي المصري: محمد عبدالله عنان وحسني العرابي وعلي العناني وسلامة موسي، ممن نجحوا في نشر الأفكار الفلسفية لتوجهم الحزبي في الكتابات الصحفية والإعلام التي سعوا من خلالها إلي التأثير الثقافي فهذا أديب مصر الكبير المتخصص في الفلسفة نجيب محفوظ يبدأ كتابات في المجلة الجديدة التي يحررها سلامة موسي وإن كان هذا لم يمنع التأثير القوي للشيخ مصطفي عبدالرازق عليه وإن كان الغالب علي مواقف نجيب محفوظ هو وفديته وإن لم ينشغل كثيراً بإعلان إنتمائه الحزبي ليقدم رؤيته الفلسفية عبر إبداعه الروائي.
والسؤال الذي علينا أن نطرحه هو هل نأتي بأحمد لطفي السيد إلينا وإلي زمننا أو نذهب إليه في عصره أمامنا خيارين لاستعادة وتحيين لطفي السيد الأول هو أن نعود إليه في عصره رغم التغيرات الكثيرة التي طرأت علي مصر والعالم منذ ما بعد النصف الأول من القرن العشرين؛ حيث تفتح الليبرالية وإزدهارها في الأراضي المصرية دون الحرص علي تجنب مساوئها والتغيرات السياسية المتلاحقة في العالم التي تجعلنا نفكر في البديل الثاني ألا وهو استدعاء لطفي السيد إلي عصرنا …
لقد سعيت إلي لقائه هو وكانت الفكرة ميسرة فكرة اللقاء مع أستاذ الجيل، نظراً للقرب المكاني والزماني والفكري، حيث كلية الآداب العريقة أقرب الكليات إلي كلية الحقوق وإلي مبني الجامعة؛ صعدت إلي مبني القبة بجامعة القاهرة وإتجهت إلي قاعة مجلس الجامعة وأستاذنت في اللقاء وأندهشت من رده حين استقبلني أين تريدنا أن نلتقي: هل في كلية الحقوق حيث تخرجت، أم في كلية الاعلام حيث جعلت من الصحافة ومن جريدة الجريدة جامعة لتعليم للشعب أم دار العلوم حيث شرفت برئاسة مجمع اللغة العربية والأختيار الأخير هو مركز اللغات والترجمة بكلية الآداب، وقد قمت بترجمة كتب ارسطو في الأخلاق والسياسة إلي العربية.
وقبيل أن أجيب بادرني هيا إلي الحديقة التي تتصدر البوابة الرئيسية للجامعة حتي نكون وسط طلاب العلم مثلما كان يفعل أرسطو مع طلابه وحيث تجد أمامك النصب التذكاري؛ لشهداء الجامعة؛ الذين ضحوا من أجل مصر ممن كانت الدعوة إلي الحرية التي أعلنتها هي الرآية التي عاشوا وماتوا من أجلها ودفنوا أمام الجامعة هنا وأضاف لتأكيد ما أريد أن أسمعه وأقوله الفلسفة يا أستاذ الفلسفة وليست ما في مدرج 78 أو 74 . هناك فلسفة نريدها وتبدأ بها هي الفلسفة الأجتماعية والأخلاقية السياسية.
أننا نريد من شباب الفلسفة التحول من الميتافزيقا والبحث في الوجود والاستقراء والاستدلال والمعرفة إلى الإنسان ووجوده في العالم؛ الأخلاق والقيم والاجتماع أنها خطوة كبري هي تلك التي سعيت إلى تحقيقها بإن نجمع إلى القانون والسياسة التي درسناها التاريخ والحضارة التي ننشدها أن غايتنا هي التاريخ والتطور تحقيقاً لرؤية حضارية شاملة؛ وهي والكلام من عندي ذات مستويين:
شعرت أنني في دور المتلقي أستمع إلى ما لم يفكر فيه باحث من قبل، وهي الرؤية الحضارية لأستاذ الجيل؛ كما شعرت ضرورة تجاوز دور المتلقي إلى المحاور والمناقش وإن كانت تلك طريقة أفلاطون لا أرسطو… دعني أن أتوقف عند المستويين اللذين تلقيناهما عنك وهما:
أولاً: الأخلاق والسياسة في الفلسفة اليونانية أي البعد النظري؛وثانيا المنفعة والحرية عند بنتام وجون ستيوارت في الليبرالية الحديثة وهي تمثل بعدا نظريا وعمليا؛ أليس تلك هي الدعوة التي قدمها للأجيال السابقة ونستمر في الدعوة إليها للأجيال الحالية من أجل تحقيق الشعار الذي علينا ان نلتزم به وهو للمصريين والحديث مستمر في حديقة الجامعة.
هذه هي البداية وتلك كانت إجابته، لكن بيننا وبينها مسافات وصعوبات نظرية وعملية وواقعية ذاك ماشعرت به وهي صعوبات تتلخص في الوقوع في المركزية الغربية وعدم القدرة على تجنب أخطار الليبرالية التي ثرنا عليها سعيا لتحقيق العدل والمساواة؛ هذا كان تعليقي الذي أحمله داخلي وأنا من نشئت بداية النصف الثاني من القرن العشرين وشعرت أيضا أننا في طريقين متباعدين نقترب سويا في وقت واحد الاستاذ التاريخي للمصريين والباحث الساعي للتعلم من التاريخ نقترب من مبني كلية الآداب أو من قسم الفلسفة، حيث ينتظرنا أرسطو، مع طه حسين والأهواني وعبدالرحمن بدوي وأميرة حلمي وأمامهم كتابات أرسطو وترجمات لطفي السيد.
ترجمات لطفي السيد
ترجمات لطفي السيد لكتب أرسطو عنوان أكثر خصوصيا للتعبير عن جهود مفكر أكثر كونية، ذلك أن جهد أحمد لطفي بكل المقاييس يتجاوز الترجمة؛ فلسفياً أمام لما سيتضح لنا بل نحن نحلل جهد فيلسوف ، فهو يجمع بين المترجم
والشارح والقارئ بلغة نظرية القراءة، إننا إزاء مفكر حضاري يؤمن بالصيرورة التاريخية؛ له نظرة في التاريخ لم يشير إليها أو يكتب عنها إلا أنها كانت ذات حضور في كتاباته يمكن للباحث المدقق أن يبصرها.
لايكتفي أحمد لطفي السيد بالترجمة بنقل عدد من كتب أرسطو إلي لغة الضاد لكنه يقدم نظرية في الترجمة؛ توضح دورها في التقدم الاجتماعي ويستشهد بالدور الذي قامت به الترجمة في تطور الحضارات ويقدم لنا ما يشبه نظرية في تاريخية الترجمة تبدأ بعنصر الترجمة الأول؛ الذي نقلت فيه الأمة العربية علوم اليونان والرومان في مدرسة الترجمة في بيت الحكمة في بغداد حيث إزدهار العلوم العربية الاسلامية وتطور الحضارة الاسلامية بداية من الترجمة؛ فالترجمة أساس الحضارة هذا ما تم في نهاية القرن الثاني الهجري وما تم في عصر الترجمة الأول من اليونانية إلي العربية تم في عصر الترجمة الثاني من العربية إلي اللاتينية وكانت حركة الترجمة التي تعد أساس الحضارة الأوروبية الحديث وهي بدورها أيضاً ستكون أساس حياتنا الحالية وحضارتنا القادمة.
ورداً علي تساؤلي أو تخوفي من كون الترجمة قد تلقي بنا في قلب المركزية الغربية أجاب إجابة شافية. أعرض لها أولاً ثم اسعي للتأسيس لها تاريخياً. أوضح لطفي السيد أن فلسفة أرسطو والعلوم اليونانية والتي سبق لنا نقلها في بداية الحضارة الاسلامية تتفق مع عاداتنا وتقاليدنا ولا تختلف مع مألوفتنا وما تعارفنا عليه، فلن تكون غريبة عنا، تلك الاجابة كما ذكرت مقبولة ولا تخالف الواقع التاريخي، خاصة فيما يتعلق بنا نحن في مصر، ذلك لأن كثيراً ما أذاعته أثينا في العالم مصدره مصري أشار إليه هيرودوت في تاريخه وأكد عليه العديد من الباحثين ميشيل برنار في “أثينا السوداء” وصاحب “التراث المسروق” فالتناول الحضاري والنقل والترجمة عن اليونان ليس ببعيد عنا، بل هو قريب منا لا يخالفنا بل يتفق مع مألوفتنا.
ترجم أحمد لطفي السيد أربعة أعمال أساسية عن أرسطو إنطلاقاً من كون أرسطو هو خلاصة الفلسفة اليونانية، وهو الفيلسوف الذي وضع أصول علم المنطق وكتب في الطبيعة والعلوم المختلفة وإن كان ما يميزه عن غيره من فلاسفة اليونان ليس فقط كونه يمثل قمة الفلسفة اليونانية بل وهذا هو الأهم إنشغاله بالفلسفة الاجتماعية وتلك الناحية هي ما تجعل لطفي أكثر ميلاً واهتماماً بكتابات أرسطو الذي كان أساس كان أساس الفلسفة في العصور الوسطي إسلامية ومسيحية ويهودية ومثلما تجلي في أعمال ابن رشد من قبل يظهر في ترجمات أحمد لطفي السيد اليوم.
قدم لنا أستاذ الجيل مثلما فعل مترجمي بيت الحكمة في بغداد عدداً من كتب أرسطو هي: كتاب الطبيعة وكتاب الكون والفساد ثم كتاب الأخلاق والسياسة، وهي الترجمات التي تمثل المقصد والغاية من نقل أرسطو إلي العربية وأن هناك مسألة علينا أن نشير إليها هو أن المترجمين الأوائل نقلوا أرسطو عن اليونانية مباشرة بينما كانت ترجمة أحمد لطفي السيد عن الفرنسية.
ويمكننا أن نتبين أثر ترجمة حنين ابن اسحق لأعمال أرسطو هذه خاصة كتاب الأخلاق على الدراسات الأخلاقية العربية الاسلامية حيث نجد حضورا كبيرا للأخلاق الأرسطية على كل الفلاسفة العرب بداية من الكندي وخاصة الفارابي وابن سينا ومسكويه وابن رشد.
بل ان شرح ابن رشد للأخلاق الأرسطية أثراً تأثيراً عميقاً علي فلاسفة العصور في المسيحية واليهودية كما يظهر في البحوث الفلسفية الغربية الحديثة.
ويمكننا تتبع أثر ترجمة لطفي السيد لكتب أرسطو في الفكر العربي منذ العقد الثالث من القرن العشرين، حيث لم يكتف المفكرين بالتعليق على الجهد الذي قدمه لطفي السيد في إعادة تقديم أرسطو للعرب المعاصرين، بل سعي أحد
مفكري النهضة المصرية وهو إسماعيل مظهر إلي مواصلة البحث الذي قام به أحمد لطفي السيد في نقل لأخلاق العقلانية الأرسطية وذلك بالكتابة في الأخلاق الشعورية المتعلقة باللذة والألم ، الا عمل الذي يكمل جهد أرسطو وتقديمه للعربية لكونه يتفق وخصائص الانسان الحديث من جانب وتطور علم النفس؛ الذي ينشغل بقضية المشاعر وأثر اللذة والألم في حياة الانسان، وذلك أحد نتائج ترجمة كتاب الأخلاق
إلا أن الأثر الأكثر وضوحاً هو ما نتج عن هذه الترجمة من دراسة منهجية للأخلاق في الفكر العربي المعاصر من جانب وتحول فهمنا للأخلاق من كونها علم أقرب إلي الوعظ والارشاد إلي دراسة إنسانية اجتماعية، هو ما تجلي في الكتابات الأخلاقية التالية والمثال الواضح على ذلك هو ما قدمه أحمد أمين في دراسته التأسيسية للكتابة المنهجية في علم الأخلاق. والتي أثرت تأثيراً كبيراً علي الباحثين المصريين والعرب التاليين عليه كما كتب رائد الدراسات الفلسفية الأخلاقية في الفكر العربي الحديث الدكتور توفيق الطويل الذي يؤكد أولوية وريادة أحمد أمين في الكتابة الأخلاقية في العربية في العصر الحديث.
ويمكننا أن نواصل بيان الأثر الأكاديمي والمنهجي لترجمة كتاب الأخلاق الأرسطية وهو الأثر نفسه الذي يمكننا أن نستنتجه من ترجمة لطفي السيد لكتاب السياسة خاصة ان الأخلاق هي المدخل التاريخي الحضاري لدور الأخلاق في العلاقة بين الأمم والشعوب وهو ما تجلي بدوره لدي فيلسوف المثالية الألمانية في العصر الحديث إيمانويل كانط.
كيف تكون الأخلاق لتحقيق التعاون
ذكرنا فيما سبق ترجمة لطفي لكتب أرسطو عن الفرنسية وهو ما جعله يعتمد المقدمات الطوال التي مهد بها المترجم الفرنسي لموضوع كل عمل واعتبرها كافية لبيان وشرح موضوع كل كتاب. وقد أكد سانتهلير مترجم أرسطو إلي الفرنسية في تقديمه لكتاب الأخلاق علي حقيقة كون أرسطو أهم فلاسفة الأخلاق في العصور القديمة مثلما كان إيمانويل كانط الفيلسوف الألماني (1804 – 1724) أهم وأكبر فلاسفة الأخلاق في العصر الحديث. ويفيض في بيان جهود كانط الأخلاقية في تقديمه لترجمته لكتاب أرسطو مميزاً بين نوعين من الأخلاق.
الأخلاق الذاتية بين الأفراد وكتب فيها فيلسوف كونجسبرج كتب نقد العقل العملي وتأسيس ميتافزيقا الأخلاق و هناك ثانياً الأخلاق بين الأمم والشعوب وقدم فيها كتابه المهم مشروع للسلام الدائم؛ الذي ينظم التعامل بين المجتمعات والدول ذات السيادة الشرعية. وكما تجعل الأخلاق الكانطية الانسان غاية في ذاته فإن مشروع السلام العالمي يؤكد علي حرية واستقلال كل دولة وإن القانون الدولي يهدف إلي إحترام استقلالية الدول.
يبين أحمد لطفي اثر كتاب كانط في تنظيم التعامل بين الدول باعتباره أخلاقاً أكثر من كونه قانوناً ومن هنا كانت دراسته التي جعلنا منها عنواناً لهذه الفقرة والتي كتبها عشية دعوي الرئيس الأمريكي ويلسون لمؤتمر باريس للبحث في استقلال الدول التي أوفت بعهودها في مساعدة دول الحلفاء في الحرب العالمية وكانت هذه الدراسة بمثابة مذكرة دفاع تؤكد حق مصر في الاستقلال انطلاقاً من كتابات كانط؛ التي تمثل قمة تطور الأخلاق وإكمال لما قدمه أرسطو وأثر ونتيجة ومهمة أشار إليها أحمد لطفي السيد في دراسته مما يجعلنا نميل إلي الافتراض الذي طرحناه في البداية إلي كون دراسة الفلسفة مع درس الحقوق كانا ليس فقط سبيل لطفي السيد إلي تحديد توجهاته السياسية الليبرالية بل كانت أعمق من ذلك وهو تأسيس أحمد لطفي للنظرة التاريخية التي تقدم لنا رؤية حضارية شاملة للفيلسوف الليبرالي المصري.
تلك الرؤية الحضارية الشاملة؛ التي جعلت أبو الليبرالية المصرية ينطلق من أرسطو وكانط والأخلاق للدفاع عن حق مصر في الحرية والاستقلال هي التي أوجدت في تلاميذ تلاميذه ممن درسوا بجامعة القاهرة سلوك نفس الطريق للاشارة إلي دور كانط في أهم قضية نحياها اليوم والتي تدعونا للبحث عن الفلسفة وفلسطين من كونجسبرج إلي قدسنبرج علي أسس قانونية وفلسفية.
سيظل باقياً أحمد لطفي السيد من اتخذ من الفلسفة أساساً لرؤية حضارية تؤكد حرية واستقلال الوطن وأن مصر للمصريين رمز جامعة القاهرة ومديرها الأول، فما زالت أفكاره الفلسفية في حاجة إلي معاودة النظر فيها لتكون الأمة المصرية في موقعها الحضاري الذي أكد عليه أستاذ الأجيال وأن الفلسفة في مصر مازالت مشروعاً له القدرة علي إنجاز الحداثة، سبيلاً للتقدم والعدالة والحرية.


