اللغة العربية في السياسة التعليمية المغربية: من لغة المدرسة إلى بناء نموذج تعليمي وطني للمعرفة
تحتل اللغة العربية موقعا خاصا في تاريخ المدرسة المغربية وفي بنية الدولة الوطنية، إذ ارتبط حضورها بمشروع بناء المدرسة الوطنية واستعادة مقوماتها الثقافية والمعرفية بعد الاستقلال (1956)، كما رسخت مكانتها في البناء الدستوري للمملكة باعتبارها إحدى اللغتين الرسميتين للدولة بمقتضى دستور 2011، لكن مسار العربية داخل المنظومة التعليمية عرف تحولات متتابعة ارتبطت بمشروع التعريب، وباستمرار حضور الفرنسية في مجالات التعليم العلمي والتقني والعالي، ثم بظهور توجهات جديدة نحو التعدد اللغوي والتناوب اللغوي ضمن الإصلاحات التربوية الحديثة. أفضى هذا الوضع إلى انتقال المتعلم المغربي بين لغات متعددة (الفرنسية والانجليزية والاسبانية) خلال مساره الدراسي، خصوصا عند الانتقال من التعليم المدرسي إلى التعليم العالي وبعض التخصصات العلمية والتقنية، الأمر الذي يطرح إشكالا تربويا يتجاوز المفاضلة بين اللغات إلى البحث عن نظام لغوي تعليمي متماسك يضمن استمرارية التعلم، وييسر بناء المفاهيم، ويحقق تكافؤ الفرص، ويحفظ للغات الوطنية مكانتها، ويفتح في الوقت نفسه أبواب المعرفة العالمية. وهكذا، يبرز سؤال جوهري حول كيفية بناء نموذج تعليمي مغربي تكون فيه اللغة العربية لغة أساسية للتدريس وبناء المفاهيم وإنتاج المعرفة، مع المحافظة على الانفتاح الواعي على الأمازيغية واللغات الأجنبية، بحيث تؤدي كل لغة وظيفة واضحة ومتكاملة داخل المنظومة التعليمية.
العربية ومسار التعريب في التعليم المغربي
ارتبطت عملية بناء المدرسة الوطنية المغربية بعد الاستقلال بأربعة مبادئ أساسية: التعميم والتوحيد والتعريب ومغربة الأطر. وتعرض الوثيقة (المذهب التعليمي الصادر عن خطة الإصلاح للجنة التربية والثقافة المنبثقة عن لجنة المخطط الخماسي 1960- 1964) التي أرفقتها هذه المبادئ باعتبارها من الأسس الكبرى التي حكمت الإصلاح التعليمي المغربي خلال العقود الأولى بعد الاستقلال. وقد كان التعريب يحمل دلالات تربوية وثقافية وسيادية في الوقت نفسه، حيث أن المدرسة الوطنية كانت مطالبة بإعادة بناء علاقتها باللغة العربية بعد مرحلة الحماية، وتكوين أجيال قادرة على تلقي المعرفة ضمن مرجعية وطنية، وإعادة وصل التعليم بالثقافة والمجتمع. لكن مشروع التعريب واجه عقبات كثيرة، من أبرزها ضعف التكوين في بعض التخصصات، ونقص المراجع العلمية العربية، واستمرار الفرنسية في التعليم العالي وفي قطاعات واسعة من الإدارة والاقتصاد والعلوم. ونتيجة لذلك ظهرت ازدواجية داخل النظام التعليمي: العربية حاضرة بقوة في التعليم المدرسي، بينما تستمر الفرنسية في مجالات علمية وجامعية ومهنية ذات وزن كبير.
تشير الدراسات التي تناولت وضع العربية في التعليم المغربي إلى وجود مسافة بين ما تقرره الوثائق الرسمية وبين واقع استعمال اللغة العربية في التدريس، خصوصا عند الانتقال إلى بعض التخصصات العلمية والعليا. وهذا الوضع يجعل سؤال التعريب في حاجة إلى صياغة جديدة. فالتعريب في القرن الحادي والعشرين لا ينبغي أن يعني نقل الكتب من لغة إلى أخرى فقط، وإنما يعني بناء قدرة معرفية باللغة العربية.
العربية في الميثاق الوطني للتربية والتكوين والرؤية الاستراتيجية
جاء الميثاق الوطني للتربية والتكوين في نهاية القرن العشرين في محاولة لإعادة بناء منظومة التربية والتكوين على أسس جديدة، وكان من بين أهدافه تطوير التعليم وتحسين جودته وتمكين المتعلم من اللغات والمعارف التي يحتاج إليها. ثم جاءت الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030 لتعيد طرح المسألة اللغوية ضمن مفهوم الهندسة اللغوية. وقد جعلت الرؤية العربية لغة أساسية في التعليم الأولي والابتدائي، مع حضور الأمازيغية والفرنسية، ثم الإنجليزية في مراحل لاحقة، وربطت ذلك بالتعددية اللغوية والتناوب اللغوي.
وتبرز أهمية الرؤية الاستراتيجية في كونها حاولت الانتقال من النقاش التقليدي حول التعريب والفرنسة إلى بناء هندسة لغوية تحدد وظائف اللغات داخل المدرسة. وقد اعتبرت التمكن من اللغات رافعة لجودة التربية والتكوين، وربطت ذلك بالنجاح الدراسي والمردودية الداخلية والخارجية للمدرسة. غير أن نجاح أي هندسة لغوية يتوقف على وضوح الوظائف. فإذا كانت العربية لغة أساسية للتدريس، فينبغي أن تكون قادرة على احتضان المعرفة في مختلف مراحل التعليم، من العلوم الإنسانية إلى العلوم التجريبية والتقنية.
وإذا كانت اللغات الأجنبية أدوات للانفتاح، فينبغي أن يكتسبها المتعلم بمستوى يمكنه من الوصول إلى المعرفة العالمية.
القانون الإطار 51.17 ومكانة العربية
يمثل القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي محطة مهمة في تحديد السياسة اللغوية التعليمية المغربية. وتؤكد وزارة التربية الوطنية أن القانون الإطار يشكل المرجع التشريعي الأساسي للإصلاح التربوي، وقد تم اعتماده سنة 2019 لتفعيل توجهات الرؤية الاستراتيجية 2015-2030.
وتنص المادة 31 على أن الهندسة اللغوية تحدد عناصر السياسة اللغوية المتبعة في مختلف مكونات منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي ومستوياتها. كما تنص على اعتماد اللغة العربية لغة أساسية للتدريس، وعلى تطوير وضع اللغة الأمازيغية داخل المدرسة، وإرساء تعددية لغوية تدريجية ومتوازنة، واعتماد التناوب اللغوي في بعض المضامين والمجزوءات.وتحمل المادة 32 دلالة تربوية مهمة؛ فقد نصت على مراجعة عميقة لمناهج وبرامج تدريس اللغة العربية، وتجديد المقاربات البيداغوجية والأدوات الديداكتيكية المعتمدة في تدريسها.
وهذا المقتضى ينبغي أن يكون نقطة انطلاق لإصلاح أوسع. فالعربية تحتاج إلى تطوير طرائق تعليمها، وتحديث محتواها، وتوسيع قدرتها على استيعاب العلوم والمعارف، وإعادة بناء صورتها لدى المتعلم باعتبارها لغة تفكير وإبداع وبحث، لا مادة دراسية منفصلة عن بقية المواد.
من تعليم العربية إلى التعليم باللغة العربية
ثمة فرق جوهري بين تعليم اللغة العربية والتعليم باللغة العربية: في الحالة الأولى تكون العربية مادة دراسية يتعلمها الطالب ضمن مجموعة من المواد، أما في الحالة الثانية فتتحول العربية إلى وسيلة لبناء المعرفة في التاريخ والجغرافيا والفلسفة والعلوم والرياضيات والاقتصاد والقانون وغيرها. وهذا الفرق يمثل مفتاح بناء نموذج تعليمي عربي قوي. فحين تكون العربية محصورة في حصة اللغة العربية، تصبح وظيفتها محدودة داخل البنية المعرفية للمدرسة. أما حين تصبح لغة للتفكير والتعليم والبحث، فإن المتعلم يستعملها بصورة مستمرة في قراءة المفاهيم وصياغتها وتحليلها ومناقشتها.
وبالتالي، فإن الإصلاح المطلوب ينبغي أن ينتقل من سؤال: كيف نرفع مستوى تدريس العربية؟ إلى سؤال أوسع: كيف نجعل المدرسة المغربية قادرة على إنتاج المعرفة بالعربية؟ ولماذا تحتاج المدرسة المغربية إلى نموذج عربي للتعليم؟
توجد عدة أسباب تربوية ومعرفية تجعل بناء نموذج تعليمي قائم على العربية خيارا قابلا للنقاش الجاد: أول هذه الأسباب يرتبط بالاستمرارية المعرفية، فالمتعلم يحتاج إلى بناء المفاهيم ضمن لغة مستقرة، خصوصا في المراحل الأولى من التعليم، وعندما تكون لغة التعلم مستقرة، يستطيع المتعلم أن يوجه جزءا أكبر من جهده إلى فهم المفاهيم وتحليلها. وثانيها يرتبط بالعدالة الاجتماعية، حيث أن اللغة الأجنبية قد تتحول إلى عامل تفاوت حين تكون جودة تعلمها مرتبطة بالوسط الاجتماعي للأسرة، أما جعل اللغة الوطنية لغة أساسية للمعرفة، مع تعليم اللغات الأجنبية بكفاءة، فيمكن أن يقلل من الفوارق المرتبطة بالقدرة على الوصول إلى التعليم اللغوي الخاص. وثالثها يتعلق بإنتاج المعرفة الوطنية. فالجامعة التي تدرس بلغتها الوطنية تكون أكثر قدرة على تطوير المصطلحات والكتب والموسوعات والمجلات العلمية والموارد الرقمية التي تخدم المجتمع. ورابعها يتصل بالهوية الثقافية. فاللغة العربية تحمل رصيدا واسعا من الأدب والفلسفة والتاريخ والعلوم والفكر…، وتتيح للمتعلم صلة مباشرة بتراث علمي وثقافي يمتد عبر قرون. وخامسها يتعلق بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، لأن المستقبل المعرفي سيعتمد بصورة متزايدة على البيانات والمحتوى الرقمي والنماذج اللغوية ومحركات البحث والمنصات التعليمية. وهكذا، فإن بناء محتوى عربي علمي واسع يمثل شرطا من شروط حضور العربية في المستقبل المعرفي، ويمكن بناء هذا النموذج التعليمي من خلال:
- بناء أساس عربي قوي في التعليم الأولي والابتدائي: ينبغي أن يبدأ بناء النموذج التعليمي القائم على العربية منذ السنوات الأولى للطفل، باعتبار المرحلة الابتدائية مجالا لتأسيس القراءة والكتابة والفهم والتعبير وبناء المفاهيم الأولى. ويقتضي ذلك تطوير تعليم العربية من خلال القراءة والحوار والكتابة والبحث والأنشطة التفاعلية، والانتقال من التركيز على القواعد إلى استعمال اللغة في اكتشاف العالم والتعبير عنه. ويمكن توظيف القصص والنصوص العلمية والتاريخية والبيئية والوسائط الرقمية في تنمية الكفاية اللغوية، مع استمرار تعليم الأمازيغية واللغات الأجنبية بصورة تدريجية تراعي الخصائص العمرية للمتعلمين.
-
- العربية لغة لبناء المفاهيم في الإعدادي والثانوي: في المرحلتين الإعدادية والثانوية ينبغي أن تنتقل العربية من وظيفة التواصل والتعلم الأولي إلى وظيفة أعمق تتمثل في بناء المعرفة وتحليلها وإنتاجها، على سبيل المثال: في التاريخ والجغرافيا يتعلم المتعلم قراءة الوثائق وتحليل الخرائط وكتابة البحوث، وفي الفلسفة يكتسب القدرة على تحليل المفاهيم وبناء الحجج، وفي العلوم يتلقى المفاهيم والمصطلحات بالعربية مع التعرف إلى مقابلاتها بالإنجليزية والفرنسية. وبهذه الطريقة تصبح اللغات الأجنبية امتدادا للمعرفة التي اكتسبها المتعلم بالعربية، فيتعلم المفهوم أولا بصورة واضحة ثم يتعرف إلى المصطلح المقابل في اللغات الأخرى، مما يساعده على الانتقال بين مصادر المعرفة المختلفة دون اضطراب في الفهم.
- إصلاح لغة العلوم: يمثل تدريس العلوم والتقنيات الاختبار الأبرز لأي مشروع يرمي إلى جعل العربية لغة للتعليم، ولذلك يحتاج الأمر إلى مشروع علمي ومؤسساتي طويل المدى، يقوم على توحيد المصطلحات العلمية في الفيزياء والكيمياء والرياضيات والبيولوجيا والهندسة والطب والمعلوميات، وإعداد كتب ومراجع جامعية عربية تراجعها لجان علمية متخصصة، إلى جانب إنشاء قواعد بيانات مشتركة للمصطلحات والمراجع والتعاون مع المؤسسات والجامعات العربية. كما ينبغي تطوير منصات رقمية عربية تقدم الدروس والمحاضرات والموسوعات والتجارب الافتراضية، حتى تصبح العربية قادرة على استيعاب المعرفة العلمية الحديثة وإتاحتها للمتعلمين.
- العربية والجامعة: لا يكتمل النموذج التعليمي القائم على العربية إذا انتهى حضورها القوي عند التعليم المدرسي، ولذلك ينبغي توسيع مسارات التعليم الجامعي باللغة العربية، خصوصا في العلوم الإنسانية والاجتماعية والقانون والاقتصاد والتربية والتاريخ والجغرافيا والفلسفة، مع تطوير نموذج متعدد اللغات في العلوم الطبية والهندسية والتقنية، يتيح للطالب بناء المفاهيم بالعربية والاستفادة من الإنجليزية والفرنسية في الوصول إلى الإنتاج العلمي العالمي. وبهذا يصبح الانتقال من المدرسة إلى الجامعة أكثر استمرارية، ويكتسب الطالب قدرة على الدراسة بلغته الوطنية مع امتلاك الأدوات اللغوية التي تمكنه من متابعة أحدث ما ينتج في العالم من معرفة.
- العربية والبحث العلمي: يتطلب بناء تعليم عربي قوي بناء منظومة بحث علمي قادرة على الإنتاج بالعربية والانفتاح على اللغات العالمية، ولذلك ينبغي دعم المجلات العلمية المحكمة باللغة العربية، وتشجيع الباحثين على التأليف والنشر بها، مع توفير ملخصات بالإنجليزية والفرنسية تيسر تداول الأبحاث دوليا. كما تحتاج المنظومة إلى حركة ترجمة علمية مؤسساتية تنقل الكتب والدراسات الحديثة إلى العربية، وتنقل في الاتجاه المقابل الإنتاج العلمي المغربي إلى اللغات العالمية. وبهذا تتحول العلاقة بين العربية واللغات الأجنبية من علاقة تنافس إلى علاقة تبادل معرفي، تستفيد فيها العربية من الإنتاج العالمي وتشارك من خلالها المعرفة المغربية في المجال الدولي.
- تكوين المدرس أساس المشروع: يظل المدرس العامل الحاسم في نجاح أي سياسة لغوية؛ إذ لا يمكن جعل العربية لغة للعلوم والمعرفة دون تكوين مدرسين قادرين على استخدامها بكفاءة في مجالات تخصصهم. ويقتضي ذلك تطوير تكوين مدرسي اللغة العربية في اللسانيات التطبيقية وعلم النفس التربوي والتعليم الرقمي والذكاء الاصطناعي، وتكوين مدرسي العلوم في اللغة العربية العلمية والمصطلحات المتخصصة، مع تمكين مختلف المدرسين من اللغات الأجنبية التي يحتاجون إليها في الاطلاع على المراجع والتواصل العلمي. ومن ثم فإن إصلاح السياسة اللغوية ينبغي أن يبدأ من إصلاح تكوين المدرس نفسه.
- العربية والذكاء الاصطناعي والمحتوى الرقمي: يفتح الذكاء الاصطناعي أمام العربية مجالا واسعا لبناء بيئة تعليمية حديثة، من خلال تطوير أدوات قادرة على شرح الدروس، وتوليد التمارين، وتقويم الكتابة، وتحليل أخطاء المتعلمين، وإنشاء المحاكاة والخرائط التفاعلية. ويتطلب ذلك بناء مدونة رقمية عربية واسعة تضم الكتب المدرسية والموسوعات والمصادر التاريخية والعلمية والتمارين والموارد التعليمية. ويمكن إنشاء بنك وطني للمحتوى التعليمي العربي يجمع هذه الموارد ويتيحها للمدرس والمتعلم، ويرتبط بمساعدات تعليمية ذكية تقدم المحتوى وفق مستوى المتعلم وحاجاته، مع إمكان الانتقال إلى الإنجليزية والفرنسية عند الحاجة.
- العربية والانفتاح على العالم: ينبغي أن يقوم النموذج العربي على الانفتاح، حتى لا يتحول تعزيز العربية إلى عزلة معرفية، حيث أن الطالب يمكن أن يتلقى العلوم بالعربية، وفي الوقت نفسه يتعلم الإنجليزية بصورة معمقة، ويتعرف إلى المصطلحات العلمية الأجنبية، ويقرأ الدراسات والمراجع الدولية، ويصل إلى قواعد البيانات العالمية. وتصبح اللغات الأجنبية في هذه الحالة أدوات للولوج إلى المعرفة العالمية، فيما تظل العربية لغة أساسية لبناء المفاهيم والتعلم والإنتاج المعرفي. وهذا الترتيب يسمح للمتعلم بالتحرك بين اللغات مع الحفاظ على وضوح المفهوم واستمرارية التعلم.
- إعادة بناء الكتاب المدرسي: يحتاج الكتاب المدرسي إلى الانتقال من نقل المعلومات إلى بناء التفكير، ففي التاريخ والجغرافيا ينبغي أن يدرب المتعلم على تحليل الوثائق والخرائط والبيانات، وفي العلوم على الملاحظة والتجربة والاستنتاج، وفي اللغة العربية على قراءة النصوص الأدبية والعلمية والفلسفية والتاريخية وإنتاج الكتابة التحليلية والحجاجية. وبهذا تصبح العربية حاضرة في مختلف عمليات التفكير داخل المدرسة، وتتحول من لغة للمادة الدراسية إلى لغة مشتركة لبناء المعرفة في مختلف المجالات.
- التدرج في بناء النموذج: يحتاج الانتقال إلى نموذج تعليمي قائم على العربية إلى تدرج مؤسساتي وزمني، يبدأ بتقوية العربية في التعليم الأولي والابتدائي وتطوير الكتب وتكوين المدرسين، ثم ينتقل إلى توسيع التدريس بها في الإعدادي والثانوي وتطوير الموارد والمصطلحات العلمية، ثم يصل إلى التعليم العالي والبحث العلمي من خلال بناء المسارات الجامعية العربية ودعم الترجمة والإنتاج العلمي. وخلال هذه المراحل تستمر الأمازيغية والإنجليزية والفرنسية في أداء وظائف محددة ضمن هندسة لغوية وطنية واضحة، حتى يتحقق الانتقال بصورة منظمة ومتوازنة.
يحتاج النموذج المقترح إلى عقد لغوي واضح يحدد وظائف اللغات داخل المدرسة المغربية، حيث تكون العربية لغة رسمية ولغة أساسية للتدريس وبناء المعرفة، والأمازيغية لغة رسمية ومكونا أصيلا في المدرسة والثقافة الوطنية، والإنجليزية لغة للعلم والتكنولوجيا والانفتاح الدولي، والفرنسية لغة أجنبية ذات حضور تاريخي ومهني وأكاديمي تحدد وظيفتها وفق حاجات المتعلم والمجتمع، مع إمكانية الاستفادة من الإسبانية في المجالات والجهات التي تقتضيها حاجاتها الثقافية والاقتصادية. ويقتضي ذلك وضع سياسة وطنية واضحة يعرف من خلالها المتعلم والمدرس والأسرة موقع كل لغة في المسار التعليمي. كما تتجاوز قضية العربية في التعليم المغربي سؤال لغة التدريس إلى سؤال أوسع يتعلق ببناء سياسة وطنية للمعرفة، حيث أن العربية لا تستطيع أن تصبح لغة علم قوية دون إنتاج الكتب والمراجع والمصطلحات والمجلات العلمية والمحتوى الرقمي بها، ودون دعم الترجمة وتكوين المدرسين والباحثين وتطوير الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي. وبالتالي، فإن جوهر المشروع يتمثل في الانتقال بالعربية من موقع اللغة التي نتعلمها إلى موقع اللغة التي نتعلم بها ونفكر من خلالها وننتج بها المعرفة، مع إبقاء اللغات الأجنبية جسورا مفتوحة نحو الإنتاج العلمي العالمي. بهذه الصيغة يمكن بناء مدرسة مغربية ذات مركز لغوي واضح، وتعدد لغوي وظيفي، وقدرة على الجمع بين ترسيخ الهوية والانفتاح على العالم.
****
في الأخير، إن بناء نموذج تعليمي مغربي يقوم على اللغة العربية يحتاج إلى إرادة تربوية ومشروع معرفي طويل المدى، والمطلوب لا يتمثل في إقصاء اللغات الأجنبية، كما لا يتمثل في إبقاء العربية محصورة في تدريس اللغة والأدب؛ وإنما يتمثل في بناء مدرسة تكون فيها العربية لغة أساسية للتفكير والتعلم وإنتاج المعرفة، مع تعليم الأمازيغية وتثبيت حضورها وفق مكانتها الرسمية، وإتقان اللغات الأجنبية باعتبارها أدوات للوصول إلى المعرفة العالمية. وتمنح النصوص القانونية المغربية أساسا يمكن البناء عليه؛ فالقانون الإطار 51.17 ينص صراحة على اعتماد العربية لغة أساسية للتدريس، ويدعو إلى مراجعة عميقة لمناهج تدريسها وتجديد مقارباتها وأدواتها التعليمية.
كما أن وزارة التربية الوطنية تعتمد القانون الإطار والرؤية الاستراتيجية وخارطة الطريق 2015-2030 ضمن مراجعها الرسمية للإصلاح. وعليه، فإن المشروع الحقيقي ينبغي أن يبدأ من إعادة بناء القوة المعرفية للعربية: مدرس عربي التكوين، وكتاب عربي حديث، ومصطلح علمي موحد، وجامعة قادرة على التدريس بالعربية، ومراكز للترجمة، ومجلات علمية، وقواعد بيانات، ومحتوى رقمي، ونماذج ذكاء اصطناعي عربية، مع تعليم الإنجليزية والفرنسية وغيرها بمستوى يفتح للمتعلم أبواب العالم.
بهذه الصيغة يمكن أن تتحول العربية من قضية خلافية في السياسة التعليمية إلى رافعة لبناء مدرسة مغربية ذات مركز لغوي واضح وتعدد لغوي متوازن: مدرسة تمنح المتعلم جذورا معرفية راسخة، وتفتح أمامه في الوقت نفسه أبواب العلوم الإنسانية والطبيعية والتكنولوجية في مختلف لغات العالم. وهكذا، فالمطلوب أن يستطيع التلميذ المغربي أن يفكر بالعربية، ويقرأ العالم بلغاته، وينتج المعرفة في وطنه، ويشارك بها في العالم…، وهذه هي الغاية الأسمى لأي سياسة لغوية تربوية تريد للمدرسة أن تكون مؤسسة لصناعة الإنسان والمعرفة والمستقبل والحضارة والعمران.
المراجع:
- دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الفصل الخامس المتعلق باللغات الرسمية والسياسة اللغوية.
- القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، الرباط: الجريدة الرسمية، 2019. وتوفر وزارة التربية الوطنية النص ضمن مراجعها التشريعية الرسمية.
- القانون التنظيمي رقم 26.16 المتعلق بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في مجال التعليم وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية، 2019.
- المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية للإصلاح: 2015-2030، من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء، الرباط، 2015. وتدرجها وزارة التربية الوطنية ضمن الوثائق المرجعية الرسمية للإصلاح.
- وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، خارطة الطريق 2022-2026: من أجل مدرسة عمومية ذات جودة للجميع. الرباط، 2022.
- اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين، الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الرباط، 1999.


