الذكاء الاصطناعي الخليجي.. السباق بين المستقبل وقيود المياه والأمن
شهدت قدرات الذكاء الاصطناعي في دول الخليج نقلةً نوعيةً، إذ تضخ استثماراتٍ ضخمةً في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. وتعيد دول الخليج توظيف هذه المراكز كمحركاتٍ للتحول والتنويع الاقتصادي في مرحلة ما بعد النفط، وأدواتٍ لتعزيز الأمن والنفوذ الجيوسياسي.
قبل عصر الذكاء الاصطناعي الحالي، الذي يمكن أن نقول إنه بدأ مع نشر شات جي بي تي عام 2022 وما تلاه من برمجيات وتطبيقات، حتى وصلنا إلى عام 2026 وأصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على القيام بالعديد من مهام البشر الصعبة بل وتخطى بعضها. كانت دول الخليج تولي أولوية للتكنولوجيا الرقمية، من خلال خطط مثل رؤية قطر الوطنية 2030، التي نُشرت عام 2008، والتي هدفت إلى تطوير اقتصادات قائمة على المعرفة مدفوعة بالتكنولوجيا والابتكار. وكذا البحرين التي تبنت استراتيجية وطنية سمتها السحابة أولاً في عام 2017، مما ساعدها على جذب شركة أمازون لخدمات الويب لافتتاح أول مركز بيانات سحابي فائق في المنطقة عام 2019. والإمارات في عام 2017 أطلقت استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031، وعيّنت أول وزير للذكاء الاصطناعي في العالم، عمر بن سلطان العلماء، وهي خطوة سخر منها البعض آنذاك باعتبارها سابقة لأوانها. أما السعودية فأنشأت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي في عام 2019 لتتولى زمام المبادرة في التنظيم والتطوير.
الآن، يواجه هذا التوسع عائقاً بالغ الأهمية يتمثل في شح المياه، ليحوّل نمو الذكاء الاصطناعي إلى تحدٍ جديد. إذ إن بناء مراكز البيانات في أكثر مناطق العالم معاناةً من شح المياه، دول الخليج، يفرض ضغطاً هائلاً على الأنظمة الهيدرولوجية المرهقة أصلاً، وخصوصاً في فصل الصيف. وتضيف الحرب الأمريكية الإيرانية بُعداً آخر إلى هشاشة البنية التحتية الداعمة لهذه الطموحات. وعموماً، تثير هذه الضغوط مجتمعةً تساؤلاتٍ حول استدامة وقابلية التوسع لاستراتيجيات التنمية القائمة على الذكاء الاصطناعي في دول الخليج.
واقع الاستثمارات الخليجية في الذكاء الاصطناعي
أعلنت شركة OpenAI الأمريكية في مايو 2026 إطلاق مشروع ستارغيت الإمارات (Stargate UAE)، وهو جزء من مجمع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الإماراتي الأمريكي المخطط له بقدرة 5 جيجاوات في أبوظبي، لدعم الطلب الإقليمي على الحوسبة. ومن المتوقع أن تبلغ استثمارات المشروع حوالي 30 مليار دولار. ويتضمن المشروع إنشاء مركز حوسبة متطور في أبوظبي بقدرة 1 غيغاواط، إلى جانب تمويل إماراتي لمنشآت حوسبة متقدمة في الولايات المتحدة. كما تتضمن الاتفاقية تفعيل خدمة ChatGPT على مستوى الدولة، وقد يصبح المشروع أكبر نشر للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي خارج الولايات المتحدة. ومن المقرر تسليم أول مجموعة من المحطات بقدرة 200 ميجاواط خلال العام الجاري.
تأتي هذه الشراكة ضمن سياق أوسع من الاستثمارات الخليجية في الذكاء الاصطناعي. فخلال عام 2025، استثمرت جهات سيادية عالمياً 66 مليار دولار أمريكي في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، كان 43% منها استثمارات لصناديق الثروة الخليجية مجتمعة، الأمر الذي يشير إلى حجم الدور الذي باتت تؤديه دول الخليج في إعادة تشكيل سوق الذكاء الاصطناعي عالمياً. وشملت هذه الاستثمارات 12.9 مليار دولار أمريكي من شركة مبادلة للاستثمار الإماراتية، و6 مليارات دولار أمريكي من الهيئة العامة للاستثمار الكويتية، و4 مليارات دولار أمريكي من الهيئة العامة للاستثمار القطرية. ويتضمن ذلك الصفقات المنجزة والالتزامات الرأسمالية والشراكات المعلنة.
| الجدول يوضح أهم الشركات الخليجية المستثمرة في الذكاء الاصطناعي وحجم استثماراتها. | ||
| الدولة | أهم الجهات أو الصناديق المستثمرة في الذكاء الاصطناعي بدول الخليج | أمثلة على الاستثمارات والمبادرات |
| الإمارات | شركة MGX، مبادلة، G42، ADQ | استثمارات في شركة OpenAI وشركة Anthropic وشركة xAI ومشروع Stargate UAE، مراكز بيانات G42، وعديد من صناديق بنية تحتية للذكاء الاصطناعي. |
| السعودية | صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF) ، HUMAIN، شركة المملكة القابضة | مشروع نيوم الذكي وتتخطي قيمته 20 مليار دولار، واستثمار HUMAIN في شركة xAI 3 بأكثر من مليارات دولار وحصص في شركة SpaceX الأمريكية. |
| قطر | جهاز قطر للاستثمار (QIA)، شركة Qai | شراكة Qai–Brookfield للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي بقيمة تقارب 20 مليار دولار. |
| الكويت | هيئة الاستثمار الكويتية | استثمارات في التكنولوجيا والبنية الرقمية وصناديق عالمية للذكاء الاصطناعي |
| عُمان | جهاز الاستثمار العُماني | استثمارات مبدئية تركز على التحول الرقمي والحوسبة ومراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. |
| البحرين | صندوق ممتلكات (Mumtalakat) | استثمارات مبدئية تركز على التحول الرقمي والحوسبة ومراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. |
من إعداد الكاتب ببيانات جمعها بجهود شخصية.
أطلقت جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، بالتعاون مع شركة G42، وهي المجموعة التكنولوجية الإماراتية الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، نموذج استدلالي مفتوح المصدر اسمه K2 Think، مبني على نموذج صيني من شركة Alibaba بالشراكة مع شركة Cerebras الأمريكية. وتتعاون السعودية، عبر شركة HUMAIN المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة والمحور الرئيس للاستثمارات السعودية في الذكاء الاصطناعي، مع شركات كوالكوم وجوجل كلاود وإنفيديا، في صفقات منفصلة، مع تخصيص حوالي 40 مليار دولار لاستثمارات الذكاء الاصطناعي عبر الحدود الجغرافية. وتتبنى قطر استراتيجية تركز على اللغة، من خلال مشروع الفنار الذي طوّره معهد قطر لبحوث الحوسبة، ويبني نماذج ذكاء اصطناعي باللغة العربية عبر تخصصات متعددة.
ويسهم هذا التوجه في بناء نماذج ذكاء اصطناعي تتناسب مع الثقافة العربية، وتختلف عن ثقافة النماذج الرائجة التي صُممت في بكين وواشنطن. وقد أنشأت هيئة قطر للاستثمار شركة «قاي»، وهي شركة وطنية متخصصة في الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مشروع مشترك بقيمة 20 مليار دولار أمريكي مع شركة بروكفيلد لإنشاء بنية تحتية لمراكز البيانات.
يمكن القول إن دول الخليج تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كمكون رئيسي في إعادة تشكيل اقتصاداتها وموقعها في النظام التكنولوجي العالمي. إلا أن حجم الاستثمارات لا يعكس بالضرورة امتلاكاً مستقلاً لمقومات القوة في هذا المجال. فالتحدي أمام الخليج لا يكمن في حجم الاستثمارات، إذ إن حجمها ضخم بالفعل، وإنما في القدرة على تحويلها إلى قدرات مستقلة. ويشمل ذلك قدرة دول الخليج على تحقيق السيادة على بياناتها وبنيتها التحتية للذكاء الاصطناعي، في ظل اعتمادها على شركات تكنولوجية أجنبية، وهو ما يقود إلى إشكالية أوسع تتعلق بالسيادة الرقمية والأمن والاستقلال التكنولوجي لمراكز البيانات الخليجية.
غياب النهج الخليجي الموحد
لا تتبنى دول الخليج ككل نهجاً منسقاً أو موحداً ينظم الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي بين دولها، كما فعلت الإمارات والسعودية في إدارة النفط من خلال منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك». ويجعل غياب هذا التنسيق المشترك الذكاء الاصطناعي مجالاً للمنافسة بينها، مما يؤدي إلى تفتيت النفوذ الإقليمي في مواجهة مزودي التكنولوجيا العالميين. فبينما تتبنى الإمارات والسعودية وقطر نهجاً أكثر جوهرية وشمولية، وتستثمر بكثافة في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية المرتبطة به، يقل الاهتمام والاستثمار في الكويت والبحرين وُعمان.

تستحوذ السعودية والإمارات على 40% من سعة مراكز البيانات في الخليج، بينما تستحوذ قطر على 10% من إجمالي السعة. وكما يوضح الشكل (1)، تتركز مراكز البيانات بصورة أكبر في هذه الدول الثلاث، إذ تضم مجتمعةً 133 مركزاً للبيانات، موزعةً بين السعودية بـ61 مركزاً، والإمارات بـ58 مركزاً، وقطر بـ14 مركزاً. في المقابل، تضم عُمان والبحرين والكويت مجتمعةً 28 مركزاً للبيانات، موزعةً بين عُمان بـ15 مركزاً، والبحرين بـ8 مراكز، والكويت بـ5 مراكز. وعليه، تكشف هذه التفاوتات عن انقسامٍ خليجي في مستوى الجاهزية والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، إذ تتركز الاستثمارات ومراكز البيانات بصورة أكبر في السعودية والإمارات وقطر، بما يعزز قدرتها على ترسيخ مواقعها كمراكز إقليمية للذكاء الاصطناعي، في حين لا تزال الكويت والبحرين وعُمان في مراحل أقل تقدماً من بناء البنية التحتية اللازمة لدعم هذا التحول.
ومهما بلغت هذه الاستثمارات، فدول الخليج، كبقية دول العالم، غير قادرة على منافسة الولايات المتحدة والصين، اللتين أنتجتا معاً أكثر من 80 نموذجاً ذا تأثير في مجال الذكاء الاصطناعي خلال عام 2025. كما تدير الولايات المتحدة وحدها حوالي 5400 مركز للبيانات، فيما تضم الصين نحو 450 مركزاً. ولا تزال الولايات المتحدة والصين الدولتين الوحيدتين اللتين تديران منظومات متكاملة تشمل الرقائق ومزودي الخدمات والبنية التحتية اللازمة لتشغيلها. لذلك، لا يعني بناء مراكز البيانات في دول الخليج امتلاكها بالضرورة السيادة على البيانات أو البنية التحتية التي تستضيفها. لذلك من الضروري عند التفاوض مع الشركات الأجنبية على بناء مراكز البيانات أن تكون لهذه الدول قدر من السيادة الوطنية على هذه المراكز.
تبقي البيانات المخزنة في أبووظبي أو الرياض، والتي تشغلها شركات أمريكية مثل أوراكل ومايكروسوفت وأمازون، متاحة للولايات المتحدة وفق القانون الأمريكي CLOUD لعام 2018 الذي يُلزم مزودي خدمات الحوسبة السحابية الذين يقع مقرهم الرئيسي في الولايات المتحدة بالكشف عن البيانات للسلطات الأمريكية أينما كانت تلك البيانات مخزنة.
إن غياب التنسيق الخليجي المشترك في ظل معضلتين، وهما إيران التي تستهدف مراكز البيانات وتلوح باستهداف منشآت تحلية المياه، وشح المياه في دول الخليج، يحدّ من قدرة المنطقة على بناء بنية تحتية آمنة ومستدامة للذكاء الاصطناعي. وتتطلب مواجهة هذه التحديات بناء منظومة إقليمية خليجية قادرة على تنسيق الاستثمارات وحماية البنية التحتية وتأمين موارد المياه والطاقة، بما يتيح لدول الخليج ترسيخ مكانتها في سباق الذكاء الاصطناعي. إلا أن الواقع الخليجي الحالي، وما يشهده من انقسامات، خصوصاً بين القوتين الأكبر، السعودية والإمارات، لا ينذر بقيام مثل هذا التنسيق المشترك في المدى القريب.
أزمة المياه تهدد الطموحات الخليجية
رغم الطموحات الخليجية الكبيرة، إلا أنها تواجه مشكلةً ضخمة تتمثل في الانعدام الحاد للأمن المائي. إذ تعتمد دول الخليج بشكل كبير على تحلية المياه، وهو ما يستهلك كمياتٍ هائلةً من الطاقة لتلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين من المياه. وتزداد هذه المشكلة مع التوسع في مراكز البيانات، التي تضم وحدات معالجة وخوادم كثيفة تولّد حرارةً شديدة أثناء التشغيل، ما يتطلب أنظمة تبريد مستمرة للحفاظ على درجات حرارة الخوادم ضمن الحدود الآمنة. وتستخدم معظم مراكز البيانات الكبيرة أنظمة التبريد بالمياه وأبراج التبريد، إلى جانب التبريد الهوائي الذي يعتمد على تقنيات التبخير.
لا تُستخدم المياه بشكل عابر أو مؤقت في إنتاج الذكاء الاصطناعي، بل هي عنصر أساسي لا يمكن الاستغناء عنه، حتى الآن، إذ يُستهلك الماء في جميع مراحل سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي، بطريقتين، مباشرةً وغير مباشرة. فمباشرةً، تُستخدم المياه في مراكز البيانات لتبريد الخوادم التي تُشغّل تدريب النماذج وتعالج التعليمات اليومية، وكذلك في تصنيع الرقائق. وبشكل غير مباشر، تُستهلك المياه في محطات توليد الطاقة التي تنتج الكهرباء اللازمة لتشغيل مراكز البيانات. ووفقاً لتقرير وكالة الطاقة الدولية الصادر في أبريل 2025، فإن نحو 60% من استهلاك المياه المرتبط بمراكز البيانات يكون بشكل غير مباشر.
المشكلة في الخليج مزدوجة، بين شح المياه وانعدام الأمن المائي من جهة، وارتفاع درجات الحرارة التي تقترب من 50 درجة مئوية في بعض الدول الخليجية خلال فصل الصيف من جهة أخرى. ويعني ذلك أن أنظمة التبريد يجب أن تعمل بصورة مستمرة للحفاظ على درجات حرارة الخوادم ضمن الحدود الآمنة، وهو ما يزيد استهلاك الطاقة والمياه معاً. وإذا تساءلنا عن إمكانية إعادة استخدام المياه عدة مرات، فإن التبريد التبخيري يؤدي إلى فقدان جزء كبير من المياه بالتبخر وإخراجها من الدورة الهيدرولوجية، كما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة المياه المتبقية وتراكم الأملاح والمعادن، مما يفرض تصريفها وإضافة مياه جديدة للحفاظ على كفاءة أنظمة التبريد وحماية المعدات الحساسة.
يستهلك مركز بيانات متوسط الحجم حوالي 110 ملايين جالون من المياه سنوياً للتبريد، أي ما يعادل تقريباً استهلاك 1000 منزل سنوياً. أما مراكز البيانات الكبرى، تحتاج نحو 5 ملايين جالون يومياً، أو نحو 1.8 مليار جالون سنوياً، وهو ما يقارب استهلاك مدينة يتراوح عدد سكانها بين 10 آلاف و50 ألف نسمة. كما يستهلك مركز البيانات التقليدي من الكهرباء ما يقارب استهلاك 25 ألف منزل، وهنا تتضاعف المشكلة في الخليج، إذ تحتاج مراكز البيانات إلى المياه للتبريد، كما تحتاج محطات توليد الكهرباء التي تغذيها إلى المياه أيضاً. فعلى سبيل المثال، من المتوقع أن يستهلك مركز ستارغيت المزمع إنشاؤه في الإمارات، بقدرة 1 غيغاواط، ما يصل إلى 25.5 مليون لتر من المياه سنوياً، وهو ما يكفي لتلبية الاحتياجات المائية اليومية لنحو 300 ألف شخص.
يصنّف معهد الموارد العالمية الإمارات والسعودية وقطر ضمن أكثر دول العالم معاناةً من شح المياه، حيث يتجاوز استهلاك الفرد اليومي 500 لتر، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف المتوسط الأوروبي. وفي المقابل، تنتج دول الخليج نحو 40% من المياه المحلّاة في العالم، وتعتمد على المياه الجوفية الأحفورية والمياه المحلّاة لتلبية أكثر من 90% من استخداماتها. وفي ظل هذه الأوضاع، تبرز مؤشرات مقلقة بشأن قدرة المنطقة على استيعاب التوسع في مراكز البيانات، إذ من المتوقع أن تستهلك مراكز البيانات التي تدعم الذكاء الاصطناعي في دول المنطقة نحو 426 مليار لتر من المياه سنوياً بحلول عام 2030، مقارنةً بـ119 مليار لتر في عام 2025، تستحوذ الإمارات وحدها على 61 مليار لتر منها.
تقول أنيتا نوري، الرئيسة التنفيذية لشركة «جرين جروث بلانينج كونسلتنسي»، وهي شركة استشارات في مجال الاستدامة مقرها دبي، إن الاستهلاك المفرط للمياه لأغراض التبريد في مراكز البيانات أصبح مصدر قلق بيئياً كبيراً. وتضيف أن أنظمة التبريد التقليدية غالباً ما تعتمد بشكل كبير على كميات كبيرة من المياه العذبة، مما يفرض ضغطاً إضافياً على موارد المياه المحدودة أصلاً، ولا سيما في المناطق التي تعاني من ندرة المياه. وتبقى المياه المالحة، حتى الآن، غير مفضلة في عمليات التبريد، إذ تحتوي على الأملاح والمعادن التي تترسب عند التبخر، فتتراكم داخل أنظمة التبريد وتسد الأغشية والمكونات، وتقلل من كفاءة عملها.
ولا تقتصر هشاشة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في الخليج على شح المياه وارتفاع تكاليف التبريد، بل تمتد إلى المخاطر الأمنية التي تحيط بالموارد والبنى التحتية التي تعتمد عليها مراكز البيانات. فالمركز لا يعمل بمعزل عن محيطه، وإنما يرتبط بشبكات الكهرباء، ومحطات تحلية المياه، وممرات الألياف الضوئية، وشبكات الاتصالات، وهي بنى تحتية يمكن أن تتعرض للاضطراب أو الاستهداف في أوقات التوتر الإقليمي. وبالتالي، فإن أزمة المياه تكشف جانباً من هشاشة مراكز البيانات – قيد طبيعي -، بينما تكشف التهديدات الأمنية جانباً آخر من هشاشتها أمام المخاطر الجيوسياسية. وفي منطقة تتقاطع فيها ندرة الموارد مع التوترات الأمنية، يصبح تأمين مراكز البيانات وضمان استمرارية إمداداتها من المياه والطاقة والاتصالات جزءاً من مسألة أوسع تتعلق بالأمن القومي والسيادة الرقمية لدول الخليج.
المعضلة الأمنية لمراكز البيانات والسيادة الرقمية في الخليج
استُهدف الخليج مراراً وتكراراً، بدءاً من دعم بعض دوله مالياً ولوجستياً للعراق خلال حربه مع إيران بين عامي 1980 و1988. وتوترت العلاقات مع إيران، التي شنت لاحقاً هجمات محدودة على ناقلات النفط والأراضي الكويتية. وتواصلت التهديدات مع الهجمات الحوثية على منشآت أرامكو النفطية في بقيق عام 2019، والتي أدت إلى توقف إنتاج 5.7 مليون برميل يومياً من النفط الخام السعودي، وصولاً إلى قطع أربعة كابلات بحرية في البحر الأحمر عام 2024، مما أدى إلى تعطيل ربع حركة الإنترنت بين آسيا وأوروبا. هذه الاستهدفات تؤثر على البنية الرقمية والتكنولوجية في الخليج التي تعتمد على شبكات الطاقة وممرات الألياف الضوئية ومياه التبريد، ويمتد هذا التأثير إلى ما يتجاوز البنية التحتية الخليجية نفسها.
يعد الأمن، بما في ذلك الأمن السيبراني، في صدارة اهتمامات مشغلي مراكز البيانات، وقضيةً تهم الجهات التنظيمية ومزودي الخدمات على جميع مستويات منظومة مراكز البيانات. وأثارت الحرب الأمريكية الإيرانية وما ارتبط بها من تهديدات أمنية للمنطقة قضية أمن البنية التحتية لمراكز البيانات، مع انتقال التهديدات من الفضاء السيبراني إلى استهداف مزودي خدمات الحوسبة السحابية واسعة النطاق. إذ تُعد مراكز البيانات جوهر البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ولذلك عندما استهدفت إيران، في مارس 2026، ثلاثة مراكز بيانات تابعة لشركة أمازون لخدمات الويب في الإمارات والبحرين، وتسببت هذه الغارات بأضرار جسيمة بالمراكز، تعطلت خدمات مصرفية ومدفوعات وخدمات موجهة إلى الشركات والمستهلكين نتيجة انقطاعات خدمات أمازون ويب.
أكدت الهجمات الإيرانية أن أهمية مراكز البيانات تتجاوز وظيفتها التقنية لتصبح جزءاً من الأمن الوطني، إذ يمكن أن يؤدي استهدافها إلى تعطيل قطاعات حيوية تتجاوز قطاع التكنولوجيا نفسه. ويدفع ذلك حكومات دول الخليج إلى إدراج مراكز البيانات ضمن أطر تخطيط الأمن القومي، خصوصاً مع تزايد الاعتماد عليها في تشغيل الخدمات المالية والحكومية والرقمية. سبقت دول أخرى إلى الاعتراف بهذه الأهمية؛ فالولايات المتحدة تصنّف مراكز البيانات ضمن قطاعات البنية التحتية الحيوية الستة عشر، فيما أدرجتها المملكة المتحدة ضمن البنية التحتية الوطنية الحيوية عام 2024.
في النهاية، الاختبار الحقيقي للطموح الخليجي لن يكون في مليارات الدولارات المستثمرة، ولا في عدد مراكز البيانات التي ستُبنى خلال السنوات المقبلة، وإنما في قدرتها على امتلاك شروط تشغيل هذه البنية التحتية وحمايتها واستدامتها. وإذا نجحت في ذلك، وهي قادرة، قد يتحول الذكاء الاصطناعي من قطاع جديد للاستثمار إلى ركيزة لقوة اقتصادية وجيوسياسية خليجية جديدة. أما إذا بقيت المنطقة تعتمد على التكنولوجيا الأجنبية، وتتنافس داخلياً على الاستثمارات، وتوسع مراكز البيانات من دون معالجة قيود المياه والطاقة والأمن، فقد تجد نفسها أمام مفارقة، نجاح في بناء بنية الذكاء الاصطناعي، من دون امتلاك السيادة الكاملة عليها، وهو أمر كأنما لم تبني شيئ.


