السياسة التعليمية بالمغرب إبان الحماية الفرنسية 1912-1956

ملخص:

إن التعليم بالمغرب مؤسسة قديمة، تعرضت خلال تاريخها الطويل لتطورات عميقة، تبعا للتغيرات التي عرفها المجتمع المغربي على المستويات السياسية والثقافية والاقتصادية..، لكن ظل هدفها بينا واضحا، وهو تلقين العلم ونشر المعرفة بين أوساط طلابها، كما يعد هذا المجال من أهم المجالات التي تشكل محطة للتجاذبات السياسية والأيديولوجية، لذا فإن تناوله بالدراسة والتحليل يحظى أيضا بحساسية وأهمية فائقتين، خصوصا إذا تعلق الأمر بالمرحلة الاستعمارية؛ إذ إن السلطة الفرنسية سخرت الأداة التعليمية لخدمة المشروع الاستعماري، لذا عملت على تنويع المدارس تبعا للتنوع الطبقي والإثني، وذلك بقصد المس بالوحدة المغربية وتمزيقها، فقد خصصت لكل فئة نوعا خاصا من التعليم، مرتبطة بمناهج خاصة أيضا، وهكذا نجد اختلافا كبيرا بين مدارس الأعيان مثلا ومدارس العامة، كما نجد اختلافا بين الثانويات الفرنسية الإسلامية وبين الثانويات البربرية، مما يحيل إلى مقصد هذه المدارس وهويتها الاستعمارية، والذي يبين أن الهدف من المدرسة جعلها وسيلة من وسائل الاختراق الاستعماري للبنيات الاجتماعية المغربية، فالمدرسة التي هي مكان التعليم، أنيطت بها مهمة أخرى، وهي تكوين نشء متشبع بالقيم الفرنسية، وبالتالي لا يجد غضاضة في بقاء الحماية الفرنسية بالمغرب.

الكلمات المفتاحية: المغرب، فرنسا، الحماية، السياسة التعلمية، الاستعمار.

Abstract

Education in Morocco is an ancient institution. Throughout its long history, it went through deep changes that were experienced by Moroccan society on many levels: political, cultural, and economic. However, the goal of education remained clear: to impart science and spread knowledge among students. Education is considered one of the primary battlegrounds for political and ideological tensions; therefore, analyzing this is a matter of extreme sensitivity and importance, particularly in the context of the colonial era.

The French authorities used education as a tool to serve the colonial project. Consequently, they diversified schools based on class and ethnic divisions with the intent of undermining and dismantling Moroccan unity. Each group was assigned a specific type of education and unique curricula. Thus, we find a great disparity between, for instance, the Franco-Islamic high schools and the Berber high schools. This division exposes the colonial essence and underlying objectives of these schools , illustrating that the goal was turning the school into an instrument of colonial hegemony targeting the Moroccan social structures . The school, in addition to being a place of learning, was given another task: forming a generation  assimilated into French values and consequently, this generation finds no objection to the continued presence of the French Protectorate in Morocco.

Keywords: Morocco, France, Protectorate, Educational Policy, Colonialism

مقدمة

حرصت الإدارة الاستعمارية الفرنسية على وضع سياسة متكاملة الجوانب لخدمة أطماع جاءت لتحقيقها في المغرب، والتي شملت الجوانب الاقتصادية بهدف نهب خيرات المغرب وسد العجز الحاصل للمواد الأولية في السوق الفرنسية، وكذا الجوانب السياسية من خلال نزع أي سلطة فعلية للسلطان المغربي ومعه كل الهياكل الرسمية التابعة للدولة المغربية، ثم الجوانب الاجتماعية، وذلك باستغلال المجتمع المغربي بأخبث الطرق لنيل مآربها الاستعمارية.

ولعل مجال التعليم ليس استثناء من هذه المنظومة المحبوكة التخطيط، فالحفاظ على مصالح فرنسا في المغرب يمر عبر ترسيخ استعمار من نوع آخر، أي “استعمار معنوي”، هكذا كان قادة الاستعمار يفكرون منذ البداية، لذلك توجهوا إلى إخضاع النفوس والعقول ثقافيا، للتمكن من إخضاع الأجساد، وحتى إذا توهمت الأجساد التحرر، تبقى العقول والنفوس مقيدة وتابعة.

هذا بالضبط ما وعاه مدير التعليم في المغرب خلال الفترة الاستعمارية “جورج هاردي” الذي يقول: «إن انتصار السلاح لا يعني النصر الكامل، إن القوة تبني الإمبراطوريات ولكنها ليست هي التي تضمن لها الاستمرار والدوام، إن الرؤوس تنحني أمام المدافع، في حين تبقى القلوب تغذي نار الحقد والرغبة في الانتقام، يجب إخضاع النفوس بعد أن تم إخضاع الأبدان، وإذا كانت هذه المهمة أقل صخبا من الأولى، فإنها صعبة مثلها، وهي في الغالب تتطلب وقتا أطول»[1].

هكذا إذن فالتعليم في نظر الاستعمار، سلاح شأنه شأن المدفعية، وبالطبع سيكون موجها ضد المغاربة وليس لمصلحتهم، لذلك فإن الكشف عن هذه النوايا يحظى بأهمية كبيرة في معرفة الرؤية الاستعمارية التي همت مجال التعليم، مع إبراز اتجاهاته وتمظهراته، من خلال نماذج المدارس التي أقامتها مديرية التعليم، والأسباب المتحكمة في ذلك التنوع المذهل، ثم أي منهج اتبع في تلك المدارس ومدى احترامه للغة والثقافة المغربيتين؟

المحور الأول: مرتكزات السياسة التعليمية الفرنسية بالمغرب

  • مبادئ وأهداف السياسة التعليمية للحماية الفرنسية

من البديهي أن تكون السياسة التعليمية التي خطط لها الاستعمار الفرنسي في المغرب، وسلكها بالفعل، سياسة استعمارية تنسجم مع مجموع السياسات التي سار عليها أثناء احتلاله للبلاد.

وهذه السياسة لم تكن عفوية ولا تلقائية، وإنما كانت نتيجة تخطيط دقيق ومحكم[2]. شمل الجوانب البشرية والتجهيزية والتنظيمية، فقد أنشأت مديرية التعليم للإشراف والتسيير، وقد كانت قبل ذلك عبارة عن مصلحة سنة 1912، ثم أصبحت هذه المصلحة إدارة بموجب ظهير 23 دجنبر سنة 1915، ثم أعيد تنظيمها كبقية الدوائر سنة 1920، ومنحها ظهير 28 فبراير سنة 1921 صفة مديرية للتعليم والفنون والآثار، وفي 31 ماي ألغيت مصلحة الفنون الجميلة والآثار[3].

تكلفت المديرية بجلب العديد من المدرسين والأطر من فرنسا، ناهيك عن إقامة العديد من المدارس والثانويات خصوصا في فاس والرباط.

وفي إطار البحث عن صيغ بناء المدرسة الاستعمارية، حشدت سلطات الحماية إمكانيات وجيوش من الباحثين لدراسة المجتمع المغربي وسبر أغوار بنياته، أسفرت وفق نظرية ليوطي عن خطة تقضي بضرورة الحفاظ على نفس البنيات الاجتماعية حتى يلزم كل واحد مكانه[4] ومحاولة كبح وتأجيل أي تطور أو تغيير خصوصا في صفوف أغلبية الشعب المغربي، وذلك بتطبيق سياسة تعليمية خاصة[5].

وانسجاما مع النظرة الاستعمارية الثنائية المعايير فقد قسم المغرب من الناحية الجغرافية إلى المدينة ≠ البادية، ومن الناحية اللغوية توجد العربية ≠ الأمازيغية، ثم الانتماء الاجتماعي أعيان ≠ العامة، وعلى الرغم من أن هذا التنوع يوجد في جميع المجتمعات ويعتبر مصدر للغنى، إلا أنه استغل بشكل معاكس للضرب في الوحدة المغربية، ولا يوجد مجال أفضل من التعليم لتعميق هذا الاختلاف، من خلال تربية الناشئة على التفرقة العنصرية.

تأسيسا على ما سبق، اقتنعت سلطات إدارة الحماية بأهمية إطلاق سياسة تعليمية قائمة على إحداث مدرسة تكرس مبدأ العزل الإثني والطبقي، على اعتبار أنه من الحكمة الفصل بين المغاربة في التعليم، حفاظا على تقاليد الجماعات وعلى الموروث الثقافي الأصيل[6].

ولإرساء هذه المنظومة التعليمية، عكف ليوطي ومعاونوه على وضع تصور أنضجته التجربة الاستعمارية لجورج هاردي، وبالفعل، فقد زود الرجل سياسة الحماية في مجال التعليم بنظرية تقوم على فكرتين مركزيتين تتلخصان في التأقلم والتغلغل الاستعماري[7].

وتحتويان على تساؤلات إشكالية جوهرية تؤسس للمدرسة الاستعمارية الفرنسية بالمغرب؛ لماذا تعليم المغاربة؟ ومن هم المغاربة الذين يجب أن تمسهم المدرسة؟ وما منهج هذا التعليم ومضامينه البيداغوجية؟[8].

هكذا إذن، ينبغي أن يسعى التعليم إلى تأكيد “الستاتيكية الاجتماعية” وأن يسمح بإعادة إنتاج نفس العلاقات الاجتماعية القائمة، وذلك ما يعبر عنه مدير التعليم بول مارتي بصراحة تامة في قوله «سيكون على الفلاح الفقير عند تخرجه من المدرسة أن يعود إلى الأرض، وعلى ابن العامل في المدينة أن يصير بدوره عاملا، وابن التاجر تاجرا، وابن الموظف موظفا، لا شك أن القاعدة ليست صارمة ولكنها تعبر عن نزعة معينة، يجب على الطفل من وسط معين وتبقيه فيه، وتجعله قادرا على أن يلعب دوره الاجتماعي مهما بلغت بساطة هذا الدور»[9].

وفي نشرة لمديرية التعليم لسنة 1920، يقع ترسيخ هذا المعنى، حيث تؤكد هذه النشرة أن تكتفي المدرسة بتنمية القيمة المعنوية للقدرة المهنية لدى الإنسان المغربي، إنها عامل ثورة وبقدر الإمكان عامل سلم وعمل، إن السياسة بالمعنى الأوروبي والحالي للحكمة لا يمكن أن تطابق عمل التقدم الذي يتم هنا، وبالتالي فنحن لا نفكر في تحرير المواطن ولا في تحريره من الرق ولا حرية المرأة[10].

أضف إلى ذلك أن السياسة التعليمية التي سلكها الاستعمار الفرنسي في المغرب، كانت تقوم على اعتبار التعليم منحة واستحقاق لا يمكن أن ينال أفضالها عموم المغاربة، فلا ينبغي نشر التعليم بسخاء كما توزع الكينا، ولكن يلزم أن يقدم ويوضع تحت تصرف المسلمين كجائزة وتشريف تخصص به الأرستقراطية الأهلية، ومن المفهوم عند الأمة الفاتحة أن الشباب المدرسي المختار من بين أبناء الأعيان، يلزم أن يعد لملء الوظائف الحكومية أو لإغاثة إدارتنا[11].

وبالتالي فالتعليم في المغرب لم يعتبر إلا من جانب مصلحة الاستعمار الفرنسي ولخدمة أهدافه، وهذا شيء حقيقي، إلى حد أن الإدارة في سبيل تقسيم البلاد وعرقلة التقدم الثقافي للمغاربة، أظهرت كل خصومتها لشكل المدرسة الموحدة الذي يطبق في سائر العالم[12].

 المحور الثاني: أنواع المدارس التي أنشأها الاستعمار

  • تنوع مذهل

لم تكن الحماية، تهدف إلى نشر التعليم من أجل أهداف تحديثية وإنسانية كما كان يروج الخطاب الاستعماري، وإنما كانت تريد أن تجعل من التعليم خادما لمصالحها الآنية والمستقبلية كما وضحنا أعلاه.

ولتحقيق هذه المصالح لجأت فرنسا إلى إيجاد أنماط وأصناف مدرسية تقوم على «عزل نخبوي وعرقي وطبقي»[13]. فمنظر المدرسة الاستعمارية في المغرب “جورج هاردي”. أراد أن تكون موافقة ومنسجمة مع نظرته للمجتمع المغربي، لأن المغرب في نظره يتكون من «شعب وليس أمة تخضع لنفس الحركية والتأثير، وبالتالي فليس هناك مغرب موحد، بل مغارب تختلف فيها النماذج باختلاف الإثنيات وأنماط العيش الخاصة والطبقات الاجتماعية»[14].

وتبعا لذلك كان الهرم المدرسي الذي أقامته الحماية يتضمن تعليما أوروبيا فرنسيا بالأساس، وآخر يهودي وهو الذي كانت تشرف عليه الرابطة الإسرائيلية للتعليم؛ ثم التعليم العمومي الذي يتضمن بدوره مدارس النخبة أو أبناء الأعيان ومدارس الطبقات الشعبية التي تحتوي على المدارس الحضرية والقروية ثم الفلاحية والصناعية… وكذا المدارس الفرنسية-البربرية لأبناء المناطق البربرية بالأطلس خاص، كل هذا إلى جانب الثانويات الإسلامية ومؤسسات التعليم الأصيل[15]، ناهيك عن المدرسة العسكرية بمكناس.

وعلى هذا الأساس، ثم وضع التعليم الفرنسي في أعلى الهرم من حيث الأهمية، وكانت تستهدف به فئة المستوطنين الفرنسيين، فقد بذلت سلطات الحماية كل ما في وسعها لإرضاء تلك الفئة من أجل استقطاب أعداد أكبر، وتوطينها في المغرب.

لذلك وفرت لها من أسباب الراحة والرفاهية ما يحقق لها ذلك، ويدخل في باب ذلك التعليم الذي كان استنساخا أصليا للتعليم الفرنسي الرسمي.

فيما وضع التعليم الإسلامي الأهلي في أسفله، لأنه كان ينتظر من مدارس أبناء الأعيان إنتاج وإعادة نفس النخبة من أبناء العائلات الميسورة التي حرص الاستعمار على مهادنتها وإبقائها في مكانتها الاجتماعية، شريطة أن تظل وفية وتابعة له، ولذلك تمت إقامة خمسة مدارس لأبناء الأعيان بكل من فاس وسلا والرباط والدار البيضاء ومراكش، ثم إعداديتان في كل من الرباط وفاس، هذان الإعداديتان «ميزتهما سياسة أكثر منها دراسية»[16].

وقد حظيت هاتان المؤسستان بعناية خاصة من طرف الإقامة العامة، التي خططت لتجعل منهما مختبرا لسياستها المدرسية، ومشكلا للنخبة المغربية المتعاونة مع الحماية، والذين سيشكلون فيما بعد خدام المتربول وسندته المخلصون[17].

إن خلفية تأسيس هاتين الإعداديتين إذن، هو سعي الحماية لتأمين المكانة الاجتماعية والاعتبارية، وتدعيم مواقع أبناء الأعيان، التي «يجب مساعدتها على الحفاظ على تأثيرها الذي يسهل مراقبته وتوجيهه، ولهذا الغرض يجب تسليح هذه الطبقة لخوض الصراع الاقتصادي والحفاظ على مكانة واعتبار الثقافة الفرنسية التي سيظل لها شأن في هذه البلاد لمدة طويلة»[18].

أما بروليتارية المدن والحرفيون وأصحاب الدكاكين وصغار الموظفين والتجار، فقد أعدت لهم «المدارس الحضرية» التي كانت تلقن تلاميذها مبادئ بسيطة في القراءة والكتابة والحساب والتكوين المهني بالأساس لتوجيههم لعالم الشغل، فهم يلتحقون عادة بالحرف، إما مباشرة أو بعد قضاء سبع سنوات في مدرسة التدريب المخصصة للبنين والبنات[19]. ناهيك عن المدارس القروية التي أقيمت في بعض الأرياف، والتي تلقي دروسا تهم المجال الفلاحي، حتى إذا تخرج منها التلاميذ يتوجهون مباشرة للعمل في القطاع الفلاحي، وذلك بعد قضاء سنتين من التكوين دون شهادة[20].

وبهذا يتضح أن المدارس الابتدائية المهنية بالحواضر والبوادي، قد أنيطت بها وظيفة إنتاج قوة العمل من أبناء المبعدين والمهمشين اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وثقافيا، حتى يظلوا قابعين داخل دائرة الفقر، وكبح أي تطلع في التغيير والعيش الكريم.

هكذا هي وظيفة المدرسة والتي تتجلى ترسيخ وتعميق التراتب الطبقي القائم، وذلك بإعادة إنتاج نفس شروط إنتاجه باستمراره، مؤدية بذلك مجمل الوظائف الإيديولوجية التي أناطتها بها سياسة الاستعمار[21].

زد على ذلك، أن السلطات الاستعمارية، كانت تتوخى من  هذا التمييز الفئوي هدفين اثنين: الأول يقضي بالحيلولة دون تطور المدرسة لتصبح وسيلة للترقية الاجتماعية مخافة أن يفلت زمام هذه الترقية من يد سلطات الحماية التي كانت تحرص على أن «تظل المراتب وبقية الأمور في وضعها القديم، بحيث يسود السادة المتأهلون فطريا لذلك، ويكتفي الآخرون بالطاعة والامتثال»[22].

أما الهدف الثاني فيرمي إلى تجنب إفراز شبيبة متعلمة تتشبع بالروح الوطنية، قد يؤول عملها إلى إعادة النظر في النظام القائم[23]، لذلك حرصت كل الحرص على إلغاء كل ماله علاقة بالوطن كاللغة والتاريخ أو تشويهه من خلال إقصاء جوانب العظمة والانتصار في التاريخ المغربي، وبالمقابل تقديم فرنسا في حلة العظمة والازدهار كما سنتعرف لاحقا، وكل ذلك من أجل تسويغ المهمة الحضرية التي طالما بررت بها فرنسا كل عمل تجهيلي إجرامي قامت به.

  • المدارس “البربرية”

منذ احتلال المغرب والفرنسيون يسعون إلى البحث عن ثغرات يستطيعون بواسطتها أن ينفذوا إلى تقسيم المغاربة حسب أعراقهم إلى عرب وبربر، في إطار سياسة التفرقة التي نهجوها من قبل في بعض مستعمراتهم الأخرى، حيث عزفوا على وتر التجزئة العنصرية طيلة احتلالهم لها، وتوفقوا في ذلك إلى حد كبير[24].

انطلقت السياسة البربرية بالمغرب مع انطلاق عهد الحماية، مستهينة سلطاتها بكل العقبات التي قد تواجه سبيل الإعداد لها أولا، ثم تطبيقها في مرحلة ثانية، فبعد حوالي سنتين ونصف من إعلان الحماية «أصدر ليوطي ظهير بتاريخ 11 شتنبر 1914 بدعوى احترام التقاليد البربرية»[25]. وهو بمثابة تأسيس للحكم العرفي البربري في القبائل.

وأتبع ذلك في 15 يونيو 1922 بظهير يؤسس لنظام المحافظة العقارية في البلاد المسماة بالبربرية، وأدخلت تعديلات على مسطرة تطبيقه في 25 أبريل 1928[26].

ومثل هذه الظهائر وغيرها من المراسيم والقرارات الوزارية الصادرة في شأن إبعاد البربر عن الإسلام ووضع نظام خاص بقبائلهم دون سواهم من المناطق الأخرى، كلها تعد بمثابة تمهيد لا غير للمرحلة الحاسمة التي سيجسدها صدور الظهير البربري لاحقا في 16 ماي 1930[27].

ولكي نتمكن من تحديد هذه الأهداف، أهداف الظهير البربري، لا بد من أن نستأنس ببعض آراء المسؤولين والمفكرين الفرنسيين أنفسهم في هذا الباب، وأولهم بدون منازع الماريشال ليوطي، أول مقيم عام في المغرب 1912-1925، وهو الذي خطط فيه للسياسة البربرية، منذ أن بعث بمنشور رسمي إلى ضباطه حكام المناطق المعنية يخاطبهم فيه قائلا: «إن مصالحنا تأمرنا بأن ننظم البرابر خارج إطار الإسلام..»[28].

وهو خطاب صريح العبارة يركز فيه على جانب التفرقة الدينية قبل غيرها من الجوانب الأخرى التي اتضحت معالمها مثلا لدى جود فروي دمونبين في أطروحته “عمل فرنسا في المغرب”.

حيث قال: «من الخطر أن نترك كتلة ملتحمة من المغاربة تتكون ولغتها واحدة وأنظمتها واحدة، لا بد أن نستعمل لفائدتنا العبارة القديمة “فرق تسد”، إن وجود العنصر البربري هو آلة مفيدة لموازنة العنصر العربي ويمكننا أن نستعمله ضد المخزن نفسه»[29].

وفي ذلك إشارة واضحة إلى ضرورة تمزيق وحدة المغاربة، عبر تمزيق وحدة لغتهم ونظامهم، وضرب بعضهم ببعض، عندما تدعو الحاجة إلى ذلك، لكي تبقى السيادة دوما للسلطات الفرنسية الحامية[30].

ثم كتب موريس لوجلاي أحد كبار موظفي الإقامة العامة، مقالا في نشرة المعارف المغربية الصادرة في غشت 1921 بعنوان “المدارس الفرنسية لدى البربر” جاء فيه «يجب أن نحذف تعليم الديانة الإسلامية واللغة العربية في مدارس البربر، وأن نكتب اللهجات البربرية بحروف لاتينية»[31]، وختم مقاله بقوله: «يجب أن نعلم البربر كل شيء ما عدا الإسلام» وبذلك يعود للحديث عن ضرورة محاربة الشريعة الإسلامية إلى جانب محاربة اللغة العربية وتقوية اللهجات البربرية[32].

ولعل في الشهادات الثلاث السابقة ما يكفي من الحجج بإبراز أهم الأهداف المتوخاة من الظهير البربري.

إذن، فالمستهدف من الظهير البربري هي الشريعة واللغة والوطن[33]، أي أهم مكونات سكان المغرب جميعا عربا وبربرا، وهم الذين بذلت فرنسا قصارى جهدها من أجل تمزيق وحدتهم التاريخية والجغرافية والإنسانية، عبر السياسة البربرية.

تلك السياسة التي حاولت سلطات الحماية أن تتعهدها وترعاها انطلاقا من المدرسة الفرنسية البربرية التي عرفها الاستعمار بأنها «المدرسة الفرنسية تعليما وحياة والبربرية بالتلاميذ والبيئة، وبناء على هذا لا يوجد واسطة أجنبي، وكل تعليم للعربية وكل تدخل للفقيه، وكل مظهر إسلامي سيكون مبعدا بحزم وصرامة»[34].

ومن أجل تفعيل هذه السياسة على أرض الواقع، عمل المسؤولون على استشارة العديد من المختصين، وقادة المناطق البربرية، بحكم تمرسهم ومعرفتهم للساكنة التي يحكمونها، وبرز على الخصوص المقدم “نيفل” الذي كتب تقريرا في 15 صفحة عن السياسية المدرسية الواجب إتباعها في دائرة بني مكليد سنة 1923.

فقد اعتبر المدرسة سلاحا مكملا ضمن الآليات المعتمدة لتجاوز المشكل البربري، حيث يقول: «إذا كان تواجدنا في هذه البلاد لا يحتاج إلى برهان، كما تشهد على ذلك منجزاتنا، فهل ينبني هذا التواجد على ركائز متينة»[35]؟

والجواب لا يجب أن ينطلق من فراغ ووهم يوحي بما يعاكس الواقع، واقع فرضه الفرنسيين أنفسهم؛ «فالجيل الذي أخضعناه يكرهنا، ولا يمكنه التقرب منا، فهو يقبل بنا لأننا أقوياء ويحترمنا لأننا على حق، ومن العبث البحث عن حبه لنا وتقربه منا، فالواجب يقضي منا تدمير هذا الجيل وغزو الجيل القادم عن طريق الثقافة»[36].

بل زاد على هذا الخطاب الشوفيني المليء بالاستعلاء والتفوق، حل يراه أنسب ما يكون لتطبيق تلك النظرة البعيدة المدى حيث يقول: «فلضمان تواجد دائم علينا الاعتماد على الجبهة البربرية لنشر الثقافة الفرنسية، وتعويض كل فيلق بمدرسة، قصد إلغاء اللغة وفرنسة العربية وتعلم القرآن والاتصال بين المعلم الفرنسي والطالب العربي»[37].

أما الإشراف على هذه المدارس فكان موزعا بين إدارة التعليم التي تتولى أداء رواتب المعلمين المنحدرين في أغلبهم من منطقة القبايل الجزائرية، وبين مصلحة الاستعلامات التي تعمل على توفير البناية المدرسية وحديقة لا تقل مساحتها عن هكتار واحد[38].

وتم تدشين أولى المدارس الفرنسية- البربرية بإيموزار مركز قبائل آيت سغروشن الغربية وتلتها العديد من المدارس الأخرى، كمدرسة عين الشكاك مركز قبائل آيت عياش، وفي قلب الأطلس المتوسط، اختار الفرنسيون مركز آزرو لفتح مدرسة انطلق التدريس بها في أكتوبر 1927[39]. كما تميزت باتساع مرافقها، فبالإضافة إلى تجهيزها بداخلية، فتح بها قسم خاص بتكوين مدرسين للمؤسسات التعليمية الأمازيغية، حتى يتسنى لها أداء وظيفتها على أكمل وجه، ناهيك عن قسم خاص بالتعليم الفلاحي[40].

لقد كانت السياسية البربرية في مضمونها وغاياتها خطأ سياسيا فادحا وأفضت إلى نتائج معاكسة لما كان يتوقع منها، وأدت إلى تقريب وتوحيد ما كانت فرنسا تسعى له، نظرا لجهل أقطاب الحماية الفرنسية بحقيقة تاريخ المجتمع المغربي[41].

وبذلك فشلت تلك السياسة فشلا ذريعا، وأبانت بشكل جلي أن الاستعمار ورغم اعتماده على دراسات سوسيولوجية مسبقة على المجتمع المغربي، إلا أنها حقيقة غيبت «وضعه الاجتماعي والثقافي، وما تحقق من تراكمات عبر تاريخه الطويل، جعلت الاندماج الوطني فيه حقيقة اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية»[42].

ج- المدرسة العسكرية

منذ أن تكلف ليوطي بمهمة المقيم العام على رأس إدارة الحماية في المغرب، وهو يسعى لخدمة الطبقة الارستقراطية، لأنها حسب رأيه هي الضامن لبقاء فرنسا في المغرب، من خلال تقديم بعض التنازلات سواء اقتصادية واجتماعية وتعليمية، هذه الأخيرة مجال دراستنا، فكما رأينا سابقا تخصيص مدارس الأعيان لأبناء الطبقة الأرستقراطية بما تتميز به من مؤهلات وامتيازات عن باقي أنواع المدارس الأخرى الخاصة بأبناء البروليتارية والفلاحين وسائر الطبقات المهمشة.

وتبعا لذلك، كان هذا التعليم يتضمن في شق منه جانبا تطبيقيا يتعلق بتعليم الحرف والتكوين المهني، ويدخل في إطار ذلك تكوين الجنود، الذي حظي باهتمام الإقامة العامة، وعند ذكر التكوين العسكري تتراءى مدرسة الدار البيضاء بمكناس التي أنيط بها تكوين نخبة عسكرية تسهم في تدعيم صفوف الإدارة الاستعمارية، كما أن الكثير منها شكلت المشهد السياسي في المغرب عقب الاستقلال.

فقد فكر “ليوطي” في تكريم أبناء النخبة، بمنحهم تعليما وتكوينا عسكريين يليقان بمكانتهم الاجتماعية، ولذلك تم تأسيس مدرسة الدار البيضاء العسكرية بمدينة مكناس.

أضف إلى ذلك دافعا آخر لتأسيس تلك المدرسة العسكرية، تمثل في إمكانية استغلال الطاقات البشرية للمغاربة[43]، فبعد  أن تم استقطاب عدد مهم من المغاربة للعمل إلى جانب فرنسا سواء في بلاد المغرب أو خلال الحرب العالمية الأولى، أبان المغاربة عن إقدام وشجاعة كبيرين، لكن افتقار قادة الجنود المغاربة إلى تكوين يواكب التقنيات العسكرية، ألح الضباط الفرنسيون على ضرورة تكوينهم ليمارسوا عملهم على أحسن وجه، لذلك راسلوا الماريشال ليوطي بهذه الضرورة، وذلك مما قوى عزيمته على خلق مدرسة لتأطير الجنود المغاربة وتكوينهم[44].

لكن مبادرة ليوطي لإنشاء مدرسة عسكرية لم تحظ بتأييد القيادة العسكرية العليا بفرنسا، على الأقل في البداية، كما أن الأسر المغربية المستهدفة كانت مترددة ومتخوفة من النتائج التي يمكن أن تنجم عن هذا التعليم، وهل ستكون في مصلحة أبنائها[45].

كلها أسباب وغيرها جعلت المقيم العام الأول صارما في تخطيطه لهذه المدرسة ومكوناتها، بدءا من اختيار المكان المناسب وانتقاء التلاميذ، مرورا بمراقبة البرامج التعليمية وضمان مستقبل للخريجين[46].

بحث ليوطي عن مكان جدير بأن يقام فيه مشروع بهذا الحجم، ولعل قصر الدار البيضاء بمكناس فيه من الشروط ما يمكنه أن يستوفي ما يبحث عنه ليوطي نظرا لأهميته التاريخية والجمالية، لذلك قام بترميمه مع مراعاة احتفاظه بالطابع المغربي، فقد تم تأثيثه على طريقة المنازل المغربية الأصيلة، وخصص فيه مكانا ليكون مسجدا، وآخر للضيوف، لاستقبال السياح وكذلك آباء التلاميذ الذين يزورون أبناءهم[47].

أما بالنسبة لتلاميذ هذه المدرسة، فقد خضع قبولهم لعملية انتقاء دقيقة وصارمة، بحيث كان لا يقبل للدراسة بها إلا أبناء الأعيان[48]، وخصوصا أولئك الذين يكنون الود والاحترام للدولة الحامية أي فرنسا، وهذا يفسر كون ولاة المراقبة المدنية المحلية، هم من كانوا ينجزون ملفات طلب ولوج المدرسة، نظرا لمعرفتهم الكبيرة بالسكان المؤيدين والرافضين لها.

ومن ناحية أخرى، نجد أيضا من بين شروط قبول التلاميذ، أن يكونوا متمتعين بصحة وبنية قوية، بالإضافة إلى إلمامهم باللغة الفرنسية وحصولهم على الشهادة الابتدائية، وألا يقل سن المترشح عن 19 سنة مع موافقة ولي أمره على دخوله المدرسة[49].

لقد كان المخططون للتعليم العسكري يؤكدون على ضرورة الاحتياط في تعليم التلاميذ بتلقينهم تعليما عاما وتربية عسكرية تامة، وذلك لضمان مردودية أكبر، ولعل البرامج التعليمية والمواد الملقنة من أهم من شمله الاحتياط في هذا الباب.

ولذلك يتكون البرنامج الدراسي بالمدرسة العسكرية من مواد مختلفة ومدروسة بشكل دقيق، تطلب تدريسها معرفة باللغة الفرنسية بالدرجة الأولى، بالإضافة إلى مادتي التاريخ والجغرافيا اللتين همتا أساسا المغرب وفرنسا ومستعمراتها، كما لقن التلاميذ حسن التصرف[50].

أضف إلى ذلك أن المؤرخ عبد الرحمن بن زيدان الذي شغل منصب المدير العربي لمدرسة الدار البيضاء العسكرية، قام بتدريس اللغة العربية والمواد الإسلامية، ناهيك أن إدارة المدرسة سهرت على تلقين التلاميذ ما يساعدهم على أداء مهمتهم العسكرية على أحسن وجه، من فن الرماية واستعمال السلاح والانضباط وغيرها من المؤهلات، ولضمان تتمة البرنامج الدراسي وجعله أكثر رسوخا في ذهن التلاميذ الضباط، كانت إدارة المدرسة تخصص أيام العطل لسفر التلاميذ للتجول في مختلف المدن المغربية للاطلاع عن قرب عما درسوه عنها[51].

وأخيرا لا بد من الإشارة إلى أن الهدف من إحداث التعليم العسكري، هو تكوين نخبة متعلمة من أبناء الأعيان، لتقوم بدور الوسيط بين الحماية “والأهالي”، من خلال تخصيصها بوظائف في جهاز الدولة، ولذلك كان التلاميذ الضباط يتخرجون من المدرسة برتبة ملازم ويعينون في مناصب متعددة، سواء مدنية خصوصا في إدارة شؤون قبائلهم، أو عسكرية، وذلك بإمكانية الترقي في سلاليم الجيش.

ناهيك عن الراتب الشهري الذي يحظى به هؤلاء الخريجون مع التعويض عن أطفالهم؛ ولتعزيز مكانة المدرسة في بدايتها، أسند ليوطي لأول دفعة من الخريجين والذين سمو بـ “فوج ليوطي” مناصب راقية، وما عدا ذلك فإلى حدود 1939 ظل 54 من بين 78 ضابطا خريجا يعملون في وظائف عسكرية، في حين تم تعيين 12 في وظائف مدنية[52].

لقد كانت مدرسة الدار البيضاء العسكرية بمكناس نموذجا فريدا، سواء في نوعية التعليم الذي اختصت به المدرسة، أو الاهتمام الذي حظيت به هي وخريجوها على السواء، فقد كان لتلاميذ أول دفعة فرصة في زيارة فرنسا من 11 يوليوز إلى 6 غشت، التقوا فيها برئيس الدولة الفرنسية وزيارة العديد من المعالم الفرنسية[53].

لكن النظرة النخبوية والزبونية التي أطرت عملية تسجيل التلاميذ كما هو  شأن جل التعليم الذي أقامته الحماية، جعلت من المدرسة العسكرية ورغم إنجازاتها جزء لا يتجزأ من المنظومة الاستعمارية التي سعت إلى استنزاف البلاد والأخطر من ذلك عن طريق أبنائه.

المحور الثالث: مناهج التعليم الفرنسي بالمغرب

كانت برامج التعليم الإسلامي الفرنسي بجميع أطيافه وتقسيماته، تتحاشى حسب “جورج هاردي”: «دفع التلميذ نحو حدود المعرفة الإنسانية والطابع الموسوعي لأن هذا التعليم لا يتعدى كونه عبارة عن فتح أخلاقي وثقافي، ومن ثم فهو لا يخضع لمقاييس التعليم العام بالميتربول، وليس هدفه تكوين علماء وحتى ذوي حرفة على الشكل التقليدي بأوربا»[54].

ولا يمكننا أن ننتظر الشيء الكثير من البرامج التعليمية الاستعمارية من قبيل تكاملها أو تنوعها ما دام «أن الأمر لا يعدو كونه تربية فكرية وأخلاقية وبدنية للطفل الأهلي وتطويره لكي لا يصبح حيوانا آليا»[55].

ولذلك كانت تخضع كل المواد المزمع تدريسها للتلاميذ لعملية انتقاء دقيقة لترسيخ التفوق الفرنسي في أذهان التلاميذ وذلك «بإعطاء الأولوية في هذا التعليم لكل ما تحتوي عليه فرنسا من ضروب الرقي والتقدم»[56]، سواء التاريخ أو الجغرافيا أو غيرها.

فقد كان المنهاج الدراسي في “المدارس الفرنسية الإسلامية”  خلال العشرينات يهمش بشكل كبير اللغة العربية والمواد الإسلامية، فخلال خمس سنوات من الدراسة، خصص للغة العربية 13 حصة فقط من أصل 114 حصة ونصف، أي ما يعادل 11% أو نصف ساعة يوميا، زد على ذلك، ساعة واحد في الأسبوع للتربية الدينية، تلقن باللغة الفرنسية في المستوى الرابع والخامس[57].

أما المدارس الحضرية، فقد كانت حصة اللغة العربية فيها لا تتعدى ساعتين فقط في الأسبوع إلى حدود المستوى الخامس أي ما يعادل 9% من مجموع الحصص الأخرى، أما في المدارس القروية فلا وجود لمادة اللغة العربية أصلا[58].

وحتى تلك الحصص المخصصة لتدريس اللغة العربية، فلم تكن ذات قيمة ولم تكن عملية، حيث ركزت الدروس على النظريات النحوية، ولم يكن يجرى فيها أي اختبار.

وفي الثانويات الإسلامية، كان نصيب اللغة العربية ساعة في اليوم، أي بمعدل خمس ساعات في الأسبوع[59].

أما الثقافة الإسلامية المتمثلة أساسا في القرآن الكريم، فلم يعن به، وكان تلقينه اختياريا، بل الأكثر من ذلك، لم تكن له حصص رسمية، وإنما كان يدرس قبل أو بعد الحصص الاعتيادية[60].

لم يكن الغرض من تهميش اللغة العربية والثقافة الإسلامية غرضا عابرا، بل عمل المستعمر على النظر فيهما بعين الدونية والازدراء، شكا منه في قدرات الإنسان المغربي، وهذا بالطبع خلق عند المغاربة نوعا من التشرذم، فالأمة التي تتعلم كلها بلغة غير لغتها، لا يمكن أن تفكر إلا بفكر أجنبي عنها[61].

إن الغرض ليس هو نشر اللغة أو الثقافة الفرنسيتين، ولكن هو الوصول عن طريقهما إلى التحكم في عقول ومصير المغاربة، فالمسألة ليست مسألة لغة تطل بواسطتها شعوب معينة على العالم الغربي وثقافته وحضارته، ولكنها مسألة سياسة مخططة بخبث ومهارة وتستعمل طعما لاصطياد الشعوب[62].

على أن أخطر مادة احتوى عليها المنهاج الدراسي، والتي تطلبت الكثير من الحذر والإعداد، وهي مادة التاريخ، فمن جهة، لابد من طمس الجوانب المشرقة والإنجازات العظيمة في التاريخ المغربي، ومن جهة ثانية، يجب إظهار فرنسا على أنها الأمة المتحضرة منذ فجر تاريخها، والتي عملت على نقل هذه الحضارة إلى الشعوب المتبربرة.

وعلى هذا الأساس كان التاريخ المغربي يدرس في المدارس الفرنسية الإسلامية، غير أن تلقينه يتم بالفرنسية على يد فرنسيين، في نوع من التحامل البالغ؛ وهكذا اعتبرت إقامة الحماية سنة 1912 حدا فاصلا بين قرون من الحروب المستعمرة، تعاقبت خلالها الطغاة في ظروف من الفوضى العارمة، وبين سنوات النظام والتحسن الملموس الذي أعقب قدوم فرنسا.

وكان الفرنسيون عموما يصورون المغاربة كجهلة جبناء؛ وهكذا يجعلون التلاميذ لا يكنون الاحترام لآبائهم، وفي نفس الوقت كانوا يبذلون كل ما في وسعهم لتزيين صورتهم[63] كما ألمحنا إلى ذلك مسبقا.

أما تدريس تاريخ فرنسا، فكان الكثير منه عبارة عن تلفيق، يصور فرنسا كأمة مندمجة منذ القرن السادس، أما تقييم تاريخ المغرب فيتم بمعايير فرنسية، فيحكم عليه بأنه تاريخ ناقص، ويرسخ في أذهان التلاميذ المغاربة بأن تاريخهم تاريخ فوضوي تافه، فينتهي بهم الأمر وقد انغرس فيهم شعور فطري بالنقص[64].

كما حرص بول مارتي Paul Marty في وضعه لبرنامج التدريس بثانوية مولاي إدريس بفاس، على أن تكون دروس التربية البدنية تتجنب كل ما يوحي بالتدريب العسكري لأنه يلهب حماس التلاميذ للعمل العسكري ضد المحتل[65].

ذلك هو الشق النظري من المنهاج الدراسي الذي اعتمدته مديرية التعليم في مختلف المدارس التي كانت تحت إدارتها.

أما الشق التطبيقي فيختلف باختلاف نوع المدرسة، فمثلا كانت مناهج المدارس القروية تحتوي على بعض الحصص لتدريس النشاط الفلاحي وما يتعلق به من تقنيات، وكذلك الأمر بالنسبة للمدارس الحضرية، فهي الأخرى، كانت لها حصص لتعليم المهن، وذلك حتى يتسنى للتلاميذ امتهان حرف آبائهم، وذلك تأكيد لما أشرنا إليه في المبحث الأول، من دعم الاستعمار “للستاتيكية الاجتماعية”.

تلك هي السياسة التعليمية للحماية الفرنسية بالمغرب 1912-1956 في خطوطها العامة، والتي وضعت الإنسان المغربي بين خيارين أحلاهما مر إما الامتناع عن الالتحاق بالتعليم الذي ترعاه الحماية، وبذلك البقاء في براثن الجهل والأمية، أو القبول بالتعليم الاستعماري بكل سيئاته التي تضرب في وحدة المغرب وعناصره الوطنية.

لقد أولت الإقامة العامة أهمية كبيرة لمستوطنيها في التعليم، وأنفقت عليهم بسخاء، موفرة لهم نظاما تعليميا خاصا بمواصفات جودة التعليم في فرنسا، أما المغاربة، فعلى الرغم من أنها أتت فعلا بتعليم عصري، إلا أنها استغلته لمصلحتها ولخدمة أطماعها الاستعمارية، فعملت على وضع تعليم طبقي تنحدر جودته كلما انحدرنا نحو الطبقات المهمشة، وذلك بغية تنشئة جيل يستسيغ الاستعمار ويقبل به على أنه مهمة حضارية وعمل نبيل أتت فرنسا لإنجازه في المغرب.

لكن المغاربة لم يظلوا مكتوفي الأيدي أمام هذا المشروع التجهيلي الخطير الذي يتهدد مصير أبنائهم، لأن التعليم يمكن لفرنسا بواسطته أن تحكم قبضتها على المغرب أكثر مما عملته بالسلاح، فكان لا بد من خلق اتجاه مضاد، يسعى من خلاله المغاربة إلى تمرير القيم الأصيلة، وذلك عبر المدارس الحرة كشكل جديد للتعليم في المغرب، بدءا بأفكار بسيطة، وبتطوع من أصحاب المقدرة المالية والفكرية… وذلك قبل أن تصبح قضية المدارس الحرة من أولويات الحركة الوطنية الفتية من بداية الثلاثينات وحتى نهاية الاستعمار.

خاتمة

حاول موضوع الدراسة والمعنون بـ “التعليم بالمغرب في عهد الحماية: دراسة مقارنة بين التعليم الاستعماري والتعليم الحر الوطني”،  إماطة اللثام عن مجموعة من السياسات التي عرفها التعليم بالمغرب في فترة الحماية الفرنسية (1912-1956)، ولاسيما أن هذا المجال شهد صراعا وتسابقا بين سلطات الحماية التي كانت تدرك أهمية المدرسة في التأثير على الواقع الاجتماعي والفكري والسياسي من أجل فرنسة المجتمع المغربي وتكريس الثقافة الفرنكوفونية.

لذلك لا غرو إن راهنت على المنظومة التعليمية من أجل ترسيخ الثقافة والقيم الفرنسية؛ وفي الطرف الآخر نجد الحركة الوطنية التي كان أعضاؤها يدركون تمام الإدراك هذا المعطى وهذه السياسة الاستعمارية الهادفة إلى زرع بذور التفرقة بين صفوف المجتمع المغربي.

وفي هذا السياق، سارعوا إلى خلق اتجاه مضاد من أجل عرقلة تلك السياسة ونشر الوعي بأخطارها في أوساط التلاميذ، وبين كل هذا وذاك تبرز التوجهات الإيديولوجية لكلا الطرفين.

المراجع | References

  • أحمد فطري، المغرب على عهد الحماية، مطبعة فاس-بريس، 1999.
  • ألبير عياش، المغرب والاستعمار، حصيلة السيطرة الفرنسية، ترجمة عبد القادر الشاوي ونور الدين سعودي، دار الخطابي للنشر.
  • بوشتى بوعسرية، المقاومة المسلحة والحركة الوطنية بمكناس وأحوازها 1911-1956، منشورات وزارة الثقافة، دار المناهل، 2005.
  • بوشتى بوعسرية، مكناس، المدينة الجديدة، التأسيس، البنيات الإدارية، التناقضات 1911-1939، منشورات عمادة مولاي إسماعيل مكناس، مطبعة فضالة، 1999.
  • جمال حيمر، البعثات التعليمية في عهد السلطان مولاي الحسن، منشورات زمن، نونبر 2015.
  • جون جيمس ديمس، حركة المدارس الحرة بالمغرب 1912-1970، ترجمة السعيد المعتصم، الدار البيضاء، 1991.
  • حسن الصفار، حزب الإصلاح الوطني 1936-1956، المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، ب.ت.
  • روم لاندو، تاريخ المغرب في القرن العشرين، ترجمة نيقولا زيادة، دار الثقافة 1980.
  • علال الفاسي، النقد الذاتي، مطبعة الرسالة، الرباط، ماس 1999.
  • علال الفاسي، الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير.
  • عبد الكريم غلاب، تاريخ الحركة الوطنية بالمغرب من نهاية حرب الريف إلى بناء الجدار السادس بالصحراء، مطبعة الرسالة، 1987.
  • محمد عابد الجابري، التعليم في المغرب العربي، دار النشر المغربية، الدار البيضاء 1985.
  • محمد حسن الوزاني، حياة وجهاد، مؤسسة جواد للطباعة والتصوير، بيروت، 1982.
  • محمد حسن الوزاني، الحماية جناية على الأمة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1944.
  • مصطفى نعيمي، منطقة أزرو على عهد الحماية 1911-1956، التدخل، البنيات، والمقاومة، منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وجيش التحرير، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، ب.ت.
  • ندوة التعليم والحركة الوطنية بالأطلس المتوسط خلال فترة الحماية، منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير 2007.
  • ندوة الحركة السلفية في المغرب العربي، مطابع ميثاق المعرب، الرباط 1989.
  • ندوة حضور تاريخ المقاومة وجيش التحرير في الكتاب المدرسي، منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، مطبعة كانابرت 2007.

[1]سعيد بنسعيد، “الحركة الوطنية وتصور المدرسة الوطنية في المغرب”، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، (الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، 1986)، ص 7.

[2] سعيد بنسعيد، الحركة الوطنية وتصور “المدرسة الوطنية في المغرب”، مرجع سابق، ص11.

[3] سالم اكويندي، بوادر الإصلاح التعليمي بالمغرب، مجلة التربية والتكوين، العدد1، 2006، ص.42.

[4]مؤلف جماعي، تاريخ المغرب تحيين وتركيب، إشراف محمد القبلي، (الرباط: منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، 2011)، ص 5

[5] محمد بوكبوط، خلفيات سياسة التعليم خلال عهد الحماية: مؤسسات أبناء الأعيان ثانوية آزرو نموذجا، ضمن أعمال ندوة التعليم والحركة الوطنية بالأطلس المتوسط خلال فترة الحماية، (منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وجيش التحرير، 2007)، ط1 ص.175.

[6] عبد الله تزلي، منطقة الأطلس المتوسط والسياسة الاستعمارية الفرنسية ضمن أعمال ندوة التعليم والحركة الوطنية بالأطلس المتوسط خلال فترة الحماية، (منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وجيش التحرير،2007)،  ط1، ص.165.

[7] تاريخ المغرب تركيب وتحيين، مرجع سابق، ص.572.

[8] سعيد بن سعيد، الحركة الوطنية وتصور المدرسة…، مرجع سابق، ص.17.

[9] نقلا عن سعيد بن سعيد، الحركة الوطنية وتصور المدرسة…، مرجع سابق ، ص.14.

[10] سالم اكويندي، بوادر الإصلاح التعليمي بالمغرب، مرجع سابق، ص.23.

[11] نقلا عن، علال الفاسي، الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، (المندوبية السامية لقدماء المقاومين وجيش التحرير، 2010)، ص271.

[12]مرجع سابق، ص 272.

[13] علي العلوي، نحو سوسيولوجيا نقدية لخطاب التحديث التربوي بالمغرب، مجلة أمل، العدد 27-28، (الرباط: مطبعة النجاح الجديدة، 2003)، ص 154.

[14] نقلا عن، محمد اليازيدي، التنظير للتعليم الاستعماري بالمغرب، مجلة أمل، العدد 27-28، (الرباط: مطبعة النجاح الجديدة، 2003)، ص 81.

[15] علي العلوي، نحو سوسيولوجيا نقدية للتعليم الاستعماري في المغرب، مرجع سابق، ص 145.

[16]محمد بوكبوط، خلفيات سياسة التعليم، مرجع سابق، ص 174.

[17] علي العلوي، نحو سوسيولوجيا نقدية، مرجع سابق، ص 145.

[18] محمد بوكبوط، خلفيات سياسة التعليم، مرجع سابق، ص175.

[19] جون جيمس ديمس، مرجع سابق، ص 23.

[20] مرجع سابق، ص 23.

[21] علي العلوي، نحو سوسيولوجيا نقدية….، مرجع سابق، ص 145.

[22] تاريخ المغرب، تحيين وتركيب، مرجع سابق، ص 572.

[23] مرجع سابق، ص 572.

[24] أحمد فطري، المغرب على عهد الحماية، (مطبعة فاس-بريس 1999)، ط1، ص 35.

[25]علال الفاسي، الحركات الاستقلالية…، مرجع سابق، ص147.

[26] محمد حسن الوزاني، حياة وجهاد، (بيروت: مؤسسة جواد للطباعة والتصوير، 1982) ط 2، ج3، ص 12.

[27]أحمد فطري، مرجع سابق، ص 37.

[28]محمد حسن الوزاني، حياة…، مرجع سابق، ج3، ص 14.

[29]نقلا عن الحركات الاسقلالية…، مصدر سابق، ص 141.

[30]أحمد فطري، م.س، ص 38.

[31]علال الفاسي، الحركات الاستقلالية…، مرجع سابق، ص 143.

[32] المرجع نفسه، ص 143.

[33]أحمد فطري، المغرب، مرجع سابق، ص 38.

[34] نقلا عن الحركات الاستقلالية، م.س، ص.39.

[35]محمد اليازيدي، التنظير للتعليم، مرجع سابق، ص 87.

[36] مرجع سابق، ص 87.

[37]  مرجع سابق، ص 87.

[38] مرجع سابق، ص 88.

[39]عبد الله تزلي، منطقة الأطلس المتوسط والسياسة الاستعمارية الفرنسية، مرجع سابق، ص 166.

[40] عبد الله تزلي، منطقة الأطلس المتوسط والسياسة الاستعمارية الفرنسية، ص 167.

[41]محمد اليزيدي، التنظير للتعليم الاستعماري بالمغرب، م.س، ص 89.

[42] نفسه، ص 89.

[43]بوشتى بوعسرية، مكناس: المدينة الجديدة: التأسيس، البنيات الإدارية، التناقضات (1911-1939)، المحمدية: منشورات عمادة مولاي إسماعيل مكناس، 1999)، مطبعة فضالة، ص 325.

[44] المرجع نفسه، ص 325.

[45] حسناء مازي، التعليم بمدرسة الدار البيضاء العسكرية بمكناس على عهد الحماية (1918-1956)، مجلة أمل، العدد 30، (الرباط:مطبعة النجاح الجديدة 2004)، ص.115.

[46]المرجع نفسه، ص 115.

[47] المرجع نفسه، ص 116.

[48]المرجع نفسه، ص 116

[49] L’école militaire des elèves officiers maroccains de Meknès, Bulletin d’information et de Documentation du Maroc, 15 Fevrir 1939, N° 26, p.40.

نقلا عن حسناء مازي، مرجع سابق، ص.118.

[50] نفسه، ص 120.

[51] نفسه، ص 120.

[52]حسناء مازي، التعليم بمدرسة الدار البيضاء بمكناس، مرجع سابق، ص 120.

[53]نفسه، ص 120.

[54]محمد اليازيدي، التنظير للتعليم الاستعماري بالمغرب، م.س، ص 79.

[55]نفسه، ص 81.

[56] مرجع سابق، ص 81.

[57]جون ديمس، حركة المدارس، مرجع سابق، ص 24.

[58] نفسه، ص 24.

[59] نفسه، ص.24.

[60] نفسه، ص 24.

[61]علال الفاسي، النقد الذاتي، (الرباط: مطبعة الرسالة،  1999)، ص 353.

[62]جريدة التجديد المغربي 1999/4/26، عدد ح9، ص 14.

[63]جون جيمس، حركة المدارس الحرة، مرجع سابق، ص 25.

[64] نفسه، ص 25.

[65]حسناء مازي، التعليم بمدرسة الدار البيضاء العسكرية، م.س، ص 119.

المقال التالي

د. المحبشي يكتب: عابرون من قلب الظلام إلى آفاق الأنوار

د. المحبشي يكتب: عابرون من قلب الظلام إلى آفاق الأنوار

Scroll to Top