اللعنة الجغرافية وسؤال الهجرة: من هامش المكان إلى جاذبية المراكز
مقدمة
تبدأ الهجرة أحيانا قبل أن يغادر الإنسان حدود وطنه، وربما قبل أن يفكر أصلا في عبور الحدود. إنها تتشكل حين يكتشف الفرد أن المكان الذي يعيش فيه لا يوفر له ما يحتاج إليه لبناء مستقبله، وأن المسافة التي تفصله عن الجامعة أو الوظيفة أو المختبر أو المستشفى أو المؤسسة الثقافية أصبحت جزءًا من شروط حياته اليومية. عند هذه النقطة تتحول الجغرافيا من مجرد موقع على الخريطة إلى عنصر مؤثر في توزيع الفرص، ويصبح المكان عاملا في تحديد مسارات الأفراد واختياراتهم وآفاقهم.
على هذا الأساس يمكن توظيف مفهوم “اللعنة الجغرافية” في قراءة تفاوت الفرص بين الأمكنة، وربطه بسؤال أوسع يتعلق بعلاقة الموقع الجغرافي بمسارات الأفراد. ويُقصد بها هنا الوضع الذي يصبح فيه الموقع الجغرافي عاملا في تقييد فرص الفرد في التعليم والعمل والتكوين والتطور المهني، نتيجة تفاوت توزيع المؤسسات والموارد والخدمات بين المجالات. فالفرد الذي يعيش في منطقة تفتقر إلى جامعة أو مؤسسة بحثية أو سوق عمل متخصص، يجد نفسه أمام حدود لم يصنعها بنفسه. وقد يمتلك الكفاءة والطموح والاستعداد للتعلم والعمل، غير أن المجال الجغرافي الذي يحتضنه لا يوفر البيئة التي تسمح بتحويل هذه الإمكانات إلى مسار مهني أو علمي مستقر. عندها يصبح الانتقال نحو مكان آخر استجابة لاختلال توزيع الفرص.
وهكذا يمكن أن تبدأ الحكاية من قرية بعيدة، أو مدينة صغيرة، أو إقليم يقع خارج دوائر التركيز الاقتصادي والعلمي. ينتقل الطالب إلى مدينة جامعية، ويتجه الخريج إلى مركز اقتصادي، وينتقل الباحث إلى مدينة تضم جامعة أو مختبرا أكثر تخصصا، ويغادر الطبيب أو المهندس أو الأستاذ منطقة لا توفر له مجالا مهنيا مناسبا نحو مركز تتوافر فيه المؤسسات والموارد وشبكات العمل. ومع تراكم هذه الحركات، تنشأ جغرافيا داخلية للهجرة، تقوم على علاقة واضحة بين المكان الطارد والمكان الجاذب.
ومن هنا يأخذ سؤال الهجرة بعدا أعمق:ماذا يحدث حين يصبح المكان الذي ينتمي إليه الإنسان أضيق من إمكاناته؟ وكيف تتحول الفوارق بين الأمكنة إلى قوة تدفع الأفراد إلى الحركة؟ وكيف يمكن أن تتسع هذه الحركة من الهامش المحلي إلى المركز الوطني، ثم من المركز الوطني إلى المراكز الدولية؟
الجغرافيا الداخلية وتفاوت الفرص
لا تتوزع فرص التعليم والعمل والثقافة والخدمات بصورة متساوية داخل الدول. فهناك مدن تستقطب الجامعات الكبرى، والمستشفيات المتخصصة، والإدارات المركزية، والمؤسسات الاقتصادية، ومراكز البحث، والشركات، والمرافق الثقافية، وشبكات النقل. وفي المقابل توجد مناطق أخرى تظل محدودة الإمكانات، سواء بسبب موقعها الجغرافي، أو ضعف الاستثمار، أو محدودية البنية التحتية، أو بعدها عن المراكز الاقتصادية والإدارية.
هذا التفاوت يصنع نوعا خاصا من عدم المساواة؛ عدم مساواة مرتبطة بالمكان. ويصبح الموقع الجغرافي جزءًا من الرأسمال الذي يمتلكه الفرد أو يفتقده. فطالب يعيش بالقرب من جامعة كبيرة يمتلك إمكانية الوصول إليها بسهولة أكبر من طالب يعيش في منطقة بعيدة عنها. والباحث الذي يوجد داخل بيئة جامعية نشطة يجد أمامه شبكة من المؤتمرات والمختبرات والأساتذة والمشروعات العلمية، بينما يواجه الباحث الموجود في منطقة محدودة المؤسسات العلمية شروطا أكثر صعوبة في تطوير مساره.
الأمر ذاته ينطبق على سوق العمل. فالاقتصاد الوطني قد يوفر فرصا كثيرة في بعض المدن والمناطق، بينما تظل مناطق أخرى محدودة النشاط الاقتصادي. وهنا يصبح السؤال عن العمل سؤالا عن الجغرافيا أيضا. فالباحث عن وظيفة لا يتحرك فقط من البطالة إلى العمل؛ إنه يتحرك من مكان تقل فيه الفرص إلى مكان تتركز فيه الفرص.
ومن هذه الزاوية يمكن القول إن بعض أشكال الهجرة الداخلية هي نتيجة مباشرة لتفاوت القيمة الوظيفية للأمكنة. فالمكان يكتسب قيمته بالنسبة إلى الفرد من خلال ما يوفره من إمكانات. وكلما اتسعت الفجوة بين ما يطمح إليه الفرد وما يقدمه محيطه الجغرافي، ازدادت احتمالات الحركة.
بهذا المعنى، تظهر المفارقة الأساسية: قد يكون الإنسان مرتبطا بمكانه عاطفيا وثقافيا وعائليا، ومع ذلك يجد نفسه مضطرا إلى مغادرته بحثا عن شروط حياة أفضل. فالهجرة الداخلية تحمل في كثير من الحالات توترا بين قوة الانتماء إلى المكان وقوة الحاجة إلى مغادرته.
من هامش المكان إلى جاذبية المركز
تظهر المدن الكبرى بوصفها مراكز جذب بفضل قدرتها على تركيز الجامعات والإدارة والاستثمار وفرص العمل والخدمات وشبكات النقل والاتصال والعلاقات المهنية. ويولد هذا التراكم دائرة متصاعدة من الجذب؛ فتركيز المؤسسات يوفر فرصا أوسع، والفرص تستقطب الكفاءات، والكفاءات تعزز المؤسسات والمشروعات، بما يزيد من قدرة المركز على استقطاب السكان والمهارات والاستثمارات.
وتتجلى هذه الدينامية بوضوح في الهجرة الطلابية، إذ قد يبدأ الانتقال من مدينة صغيرة إلى مركز جامعي بوصفه حركة مؤقتة، ثم يتحول، بفعل محدودية الفرص في المجال الأصلي، إلى استقرار مهني واجتماعي في المركز. وينطبق الأمر ذاته على الكفاءات، إذ ترتبط مسارات الأستاذ الجامعي والطبيب والمهندس والباحث بتوافر المؤسسات والتجهيزات والموارد وشبكات العمل والتعاون، وهي عناصر تتركز بدرجات متفاوتة في المراكز الكبرى.
وبذلك تتحول حركة الكفاءات من الأطراف إلى المراكز إلى ظاهرة جغرافية واجتماعية تتجاوز الاختيار الفردي؛ فبينما تستفيد المراكز من تدفق الموارد البشرية، تفقد المجالات الطرفية جزءًا من رأسمالها البشري الأكثر قدرة على الإسهام في تنميتها. ومن هنا تبرز إشكالية العدالة المجالية: إلى أي حد يمكن تحقيق تنمية متوازنة في ظل استمرار تركيز المؤسسات وفرص التعليم والعمل والكفاءات في عدد محدود من المراكز؟ فحين يصبح الانتقال شرطا للعثور على فرص ملائمة للتكوين والعمل، تتحول الهجرة الداخلية من خيار فردي إلى انعكاس لاختلال توزيع الموارد والفرص بين المجالات.
حين يصبح المكان طاردا للكفاءة
تزداد أهمية المسألة حين يتعلق الأمر بالكفاءات العلمية والمهنية؛ فالهجرة ترتبط بالبحث عن وظيفة، كما ترتبط بالسعي إلى بيئة تسمح بتطوير الخبرات وتحقيق الطموحات المهنية. فقد تتوافر الجامعة دون وجود التخصص الدقيق، أو توجد المؤسسة الجامعية مع محدودية الموارد البحثية والمختبرات وشبكات التعاون، كما قد تتوافر للطبيب وظيفة دون فرص كافية للتخصص والتطور المهني. وهنا يصبح معيار الاختيار مرتبطًا بجودة المجال الذي توفره الوظيفة، وليس بوجودها فقط.
ومن هذا المنظور، تتخذ ظاهرة «فرار الكفاءات» بعدًا أكثر تعقيدًا؛ إذ تتحرك الكفاءة بحثا عن بيئة تتناسب مع تكوينها وقدراتها، وتزداد قوة جذب المراكز كلما اتسعت الفجوة بين إمكانات الفرد وإمكانات المجال الذي يعمل فيه.
وتنشأ بذلك مفارقة تنموية؛ فالمناطق الأكثر حاجة إلى الكفاءات قد تكون الأقل قدرة على الاحتفاظ بها. فالطبيب المتخصص يحتاج إلى مستشفى مجهز، والباحث إلى مختبر وبيئة علمية، والأستاذ إلى مؤسسة أكاديمية نشطة، والمهندس إلى سوق صناعية وتقنية. ومع تركز هذه العناصر في المدن الكبرى، تتزايد احتمالات انتقال الكفاءات إليها.
وتتشكل نتيجة لذلك حلقة تراكمية: ضعف المؤسسات يدفع الكفاءات إلى المغادرة، ومغادرتها تضعف قدرة المكان على تطوير مؤسساته، وضعف المؤسسات يعزز جاذبية المراكز الأخرى. وهكذا تتحول الجغرافيا إلى عامل يعيد إنتاج التفاوت؛ فالمكان قد لا يبدأ فقيرًا بالضرورة، لكنه يصبح أقل قدرة على المنافسة كلما استمرت منه حركة السكان والكفاءات نحو مراكز أكثر جذبا.
الهجرة الداخلية بوصفها مدرسة للهجرة الخارجية
عندما ينتقل الفرد من القرية إلى المدينة، ومن المدينة إلى العاصمة، يكتسب خبرة متراكمة في الحركة والتكيف والاستقرار، وتتسع شبكاته الاجتماعية والمهنية، وتتغير علاقته بالمكان والمسافة، فيصبح الانتقال جزءًا من بناء مساره الشخصي والمهني.
ولا تعني هذه الخبرة أن الهجرة الداخلية تقود حتميا إلى الهجرة الدولية، لكنها قد توسع أفق الحركة لدى الفرد. فالطالب الذي ينتقل للدراسة في مدينة أخرى يطور قدرته على الاستقلال والتكيف، والباحث الذي ينتقل بين المؤسسات الجامعية يوسع شبكاته العلمية، والمهني الذي يعمل في مركز اقتصادي وطني قد يرتبط بمؤسسات وشركات ذات امتدادات دولية. وهكذا يمكن أن تصبح الحركة الداخلية خبرة تمهّد لمسارات حركة أوسع.
وفي مرحلة لاحقة، قد يتحول الخارج إلى مركز إضافي داخل خريطة الفرص؛ فكما يجذب المركز الوطني الفرد بما يوفره من تعليم أو عمل أو مؤسسات، قد تجذبه مدينة أوروبية أو أمريكية أو كندية بما توفره من تخصص علمي متقدم، وسوق عمل أوسع، ومؤسسات بحثية أكثر تجهيزا، وشروط مهنية أفضل. وعند هذه النقطة تمتد «اللعنة الجغرافية» من المجال الوطني إلى المجال الدولي، فتتحول الفوارق بين الأمكنة إلى أحد العوامل المفسرة لمسارات الهجرة الخارجية
جغرافيا الجذب في العالم: من القرب إلى قوة الفرصة
تتوزع مراكز الجذب الهجري في العالم وفق أنماط متعددة. فبعضها يستمد قوته من القرب الجغرافي والتاريخي وشبكات الهجرة، وبعضها من قوة الاقتصاد وسوق العمل، وبعضها من الجامعات ومراكز البحث، وبعضها من ارتفاع الطلب على الكفاءات والمهن المتخصصة. ولذلك لا توجد خريطة واحدة للجذب، وإنما خرائط متعددة تتقاطع فيها المسافة مع الفرصة.
وتكشف حركة المهاجرين عالميا عن وجود أقطاب تستقطب أعدادا كبيرة من العمال والطلبة والباحثين والمهنيين. وتبرز أوروبا الغربية، وأمريكا الشمالية، وبعض دول الخليج ضمن أبرز المجالات التي تشكل مراكز جذب وفق دوافع متباينة. ويكتسب كل مجال قوته من مزيج خاص من الاقتصاد والمؤسسات والسياسات وشبكات الهجرة واللغة والتاريخ.
تبعا لذلك، يصبح العالم نفسه فضاءً متدرجا من المراكز والأطراف. فالدولة قد تضم مراكز جذب داخلية تستقطب السكان من مناطقها الطرفية، ثم توجد داخل النظام الدولي دول ومدن ومؤسسات أكثر قدرة على استقطاب الكفاءات من دول أخرى. وهكذا تتكرر البنية نفسها على مستويات مختلفة: هامش يبحث عن مركز، ومركز يجد نفسه بدوره داخل نظام عالمي تتفاوت فيه قوة الجذب.
أوروبا الغربية: المركز الأقرب – والمغرب مثالا
تحتل أوروبا الغربية موقعا بارزا في خريطة الجذب الهجري العالمية، بفعل قوة اقتصاداتها، وتنوع أسواق العمل، ومستوى مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي، وتطور أنظمة الحماية الاجتماعية، إضافة إلى التاريخ الطويل للحركة البشرية بين مناطقها ومحيطها المتوسطي.
ويمنح القرب الجغرافي أوروبا الغربية ميزة إضافية بالنسبة إلى دول جنوب المتوسط. فإسبانيا تمثل حالة واضحة لقوة القرب، بحكم موقعها المقابل لشمال إفريقيا، بينما ترتبط فرنسا بفضاء أوسع من العلاقات التاريخية والتعليمية والاقتصادية واللغوية. وتندرج بلجيكا وهولندا وألمانيا ضمن مراكز أوروبية أخرى تستقطب العمالة والطلبة والمهنيين والكفاءات وفق حاجات اقتصادية ومؤسسية متباينة.
والمغرب يقدم مثالا دالا على هذا التفاعل بين الجغرافيا والتاريخ. فالقرب من أوروبا، وخصوصا إسبانيا، التقى مع تشكل شبكات هجرة مغربية عبر عقود طويلة. وأسهمت العلاقات الاقتصادية والتعليمية والروابط العائلية والجالية المغربية في ترسيخ أوروبا ضمن خريطة الحركة المغربية. وفي الحالة الفرنسية، أضاف التاريخ الاستعماري واللغة والعلاقات التعليمية والاقتصادية طبقات أخرى إلى هذا الجذب. ومن هنا تتحول الجغرافيا المتوسطية إلى عنصر فاعل في صياغة اتجاهات الحركة. فالمسافة القصيرة بين الضفتين تسهّل التواصل، بينما تعمل شبكات الهجرة المتراكمة على تقليل المسافة الاجتماعية. يصبح المتوسط، في هذه الحالة، مجالا تتقاطع فيه حركة الأشخاص والأسر والكفاءات ورؤوس الأموال والخبرات.
غير أن الجذب الأوروبي يتجاوز القرب الجغرافي. فالمهاجر أو الطالب أو الباحث يقارن بين البيئات المهنية والعلمية والتعليمية، وبين إمكانات التطور والاستقرار. ويصبح المركز الأوروبي أكثر جاذبية حين يجمع بين الفرصة الاقتصادية والمؤسسة الجامعية والخدمات وشبكات العمل والحماية الاجتماعية. وهكذا يتحول المغرب، بحكم موقعه وتاريخه وشبكاته البشرية، إلى مثال واضح على الطريقة التي يمكن أن تتحول بها الجغرافيا القريبة إلى مجال واسع للحركة والهجرة.
أمريكا الشمالية: جغرافيا الجذب البعيد
تقدم الولايات المتحدة وكندا نموذجا مختلفا لجغرافيا الجذب. فالمسافة الجغرافية تفوق بكثير المسافة التي تفصل المغرب عن أوروبا، غير أن قوة المركز الاقتصادي والعلمي والمؤسسي تمنح هذه المسافة معنى مختلفًا.
في الولايات المتحدة، ترتبط الجاذبية بحجم الاقتصاد، وتنوع سوق العمل، وقوة الجامعات ومراكز البحث، وتطور القطاعات العلمية والتكنولوجية والطبية والهندسية. وتمثل المؤسسات الجامعية والبحثية الأمريكية مراكز استقطاب عالمية، لأنها تجمع التمويل والخبرة والتجهيزات والشبكات العلمية في بيئات تنافسية واسعة.
أما كندا، فتتأسس جاذبيتها على مزيج من التعليم العالي، وحاجات سوق العمل، واستقطاب بعض الكفاءات، والسياسات المرتبطة بالهجرة، وإمكانات الاستقرار طويل المدى. ولذلك تشكل الجامعات والمدن الكندية وجهات جاذبة لفئات من الطلبة والباحثين والمهنيين، مع اختلاف دوافع الحركة من فئة إلى أخرى.
تكشف أمريكا الشمالية عن حقيقة أساسية في جغرافيا الهجرة: قوة الفرصة تستطيع إعادة تعريف معنى المسافة. فالفرد لا يقيس الطريق بالكيلومترات وحدها؛ وإنما يضع المسافة في مقابل القيمة التي ينتظر الحصول عليها في نهايتها. وقد تصبح الرحلة البعيدة أكثر قابلية للاختيار حين ترتبط بتخصص نادر، أو مؤسسة علمية مرموقة، أو وظيفة نوعية، أو مسار مهني واعد.
ومن هذه الزاوية، يصبح الجذب الدولي امتدادا للمنطق نفسه الذي يحكم الهجرة الداخلية: انتقال من مجال محدود الفرص إلى مجال أوسع إمكانًا، مع اختلاف المسافة والسياق والقوانين.
الخليج: جاذبية اقتصادية ذات طبيعة مختلفة
تمثل بعض دول الخليج نموذجا آخر في خريطة الجذب العالمية، خاصة بالنسبة إلى العمالة والكفاءات العربية والآسيوية. حيث ارتبطت جاذبية دول مثل الإمارات وقطر والسعودية والكويت بارتفاع الطلب على المهارات في قطاعات متنوعة، وبالمشروعات الكبرى، والاستثمارات، والبنية التحتية، والتعليم العالي، والصحة، والطاقة، والتكنولوجيا، والخدمات.
وتأخذ الجاذبية الخليجية طابعا مختلفا عن الجذب الأوروبي أو الكندي. فالعامل الاقتصادي وسوق العمل والعائد المهني يحتلان موقعا مركزيا في قرار الانتقال، بينما تتخذ مسألة الإقامة طويلة المدى والاستقرار القانوني شكلا مختلفا عن أنظمة الهجرة القائمة في عدد من الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية.
وتوضح هذه الحالة أن المركز الجاذب لا يمتلك خصائص ثابتة. فقد يستند الجذب الأوروبي إلى القرب والتاريخ وشبكات الأسرة والعمل، ويستند الجذب الأمريكي إلى قوة الاقتصاد والبحث العلمي، وتجمع كندا بين التعليم وسوق العمل ومسارات الهجرة والاستقرار، بينما تستند جاذبية بعض دول الخليج إلى الطلب على العمل والكفاءات والعوائد المهنية والمشروعات الاقتصادية الكبرى.
ومن ثم، يصبح سؤال الهجرة مرتبطا باختلاف الأهداف الفردية. فالطالب يبحث عن جامعة، والباحث عن بيئة علمية، والطبيب عن مؤسسة صحية وتجهيزات وفرص تخصص، والمهندس عن سوق ومشروعات، والعامل عن دخل وفرصة عمل، والأسرة عن الاستقرار وشروط الحياة. وتتغير خريطة الجذب تبعا لهذه الحاجات.
من جغرافيا الطرد إلى جغرافيا الجذب
تسمح هذه المقارنة بالانتقال من مفهوم «المكان الطارد» إلى مفهوم أوسع هو «جغرافيا الجذب». فالهجرة تتحرك بين قطبين: مكان يشعر فيه الفرد بأن الفرص محدودة، ومكان يعتقد أن إمكاناته ستجد فيه مجالًا أوسع للتحقق. وهذا يفسر لماذا لا تكفي المؤشرات الاقتصادية وحدها لفهم حركة البشر. فالجامعة عامل جذب، كما أن المستشفى المتخصص عامل جذب، والمختبر، والشركة، والراتب، والأمان المهني، وشبكات الأقارب، واللغة، والسياسات العامة، ونمط الحياة، وإمكانات الاستقرار. لذلك يمكن النظر إلى الهجرة بوصفها عملية إعادة تموضع للإنسان داخل جغرافيا الفرص.
الفرد لا يتحرك في الفراغ. إنه يقرأ الخريطة من خلال حاجاته وطموحاته. يرى في مكان ما فرصة للتعليم، وفي آخر فرصة للعمل، وفي ثالث فرصة للبحث العلمي، وفي رابع فرصة للاستقرار. ومن مجموع هذه الاختيارات تتشكل خرائط الهجرة. وهنا تكمن القوة التحليلية لمفهوم «اللعنة الجغرافية». فالمشكلة لا تتعلق بالمكان وحده، وإنما بالعلاقة بين المكان والفرصة. حين تتفاوت الفرص بصورة حادة بين الأمكنة، يصبح الانتقال وسيلة لإعادة التوازن بين طموح الفرد وإمكانات المجال الذي يعيش فيه.
هل الجغرافيا هي المشكلة؟
يؤدي استخدام مفهوم «اللعنة الجغرافية» إلى الاعتقاد بأن المكان يحكم الإنسان بصورة نهائية. هذا استنتاج يحتاج إلى مراجعة. الجغرافيا توفر شروطا، والتاريخ يمنحها معناها، والمؤسسات تحدد مقدار قدرتها على إنتاج الفرص، والسياسات العامة تستطيع تخفيف آثار التفاوت أو تعميقها.
فالمنطقة البعيدة عن المركز يمكن أن تتحول إلى مجال جامعي وعلمي واقتصادي إذا وُجهت إليها الاستثمارات والمؤسسات. والمدينة الصغيرة تستطيع الاحتفاظ بالكفاءات حين تمتلك جامعة قوية، ومراكز بحث، ومستشفى متخصصًا، وشبكة اقتصادية قادرة على خلق وظائف نوعية. وفي المقابل، يمكن لمركز حضري كبير أن يفقد جاذبيته حين تتراجع جودة الحياة أو تتقلص فرص العمل أو ترتفع تكاليف السكن والاستقرار. الجغرافيا إذن ليست قدرا مغلقا. إنها مجال يمكن أن تعيد المؤسسات والدولة والمجتمع تشكيله.
وعليه، يصبح علاج «اللعنة الجغرافية» مرتبطا بإعادة توزيع الفرص. فبناء جامعة في منطقة مهمشة لا يعني إنشاء مؤسسة تعليمية فقط؛ إنه إنشاء مركز جديد للجذب. وإنشاء مستشفى جامعي أو منطقة صناعية أو مركز بحثي يمكن أن يعيد تشكيل حركة السكان والكفاءات. وعندما تتعدد المراكز داخل الدولة، تقل الحاجة إلى الهجرة القسرية نحو مركز واحد.
خاتمة
يكشف سؤال الهجرة عن علاقة متوترة بين الإنسان والمكان؛ فحين تعجز البيئة الأصلية عن توفير فرص التعليم والعمل والتطور المهني، يصبح الانتقال استجابة لاختلال توزيع الفرص. وقد يبدأ المسار بانتقال طالب إلى مدينة جامعية، أو بكفاءة تغادر مجالا محدود الإمكانات نحو مركز أكثر جذبا، ثم تتسع دائرة الحركة من المجال الوطني إلى المراكز الدولية التي تستقطب الطلبة والكفاءات والعمالة بما توفره من فرص وحوافز متنوعة. ويظل جوهر هذه الحركة واحدا: البحث عن المجال الذي تتسع فيه إمكانات الإنسان.
وفي هذا السياق، تشير “اللعنة الجغرافية” إلى اختلال العلاقة بين موقع الإنسان والفرص المتاحة له، حيث قد تبدأ الهجرة قبل عبور الحدود، في جامعة غائبة، أو وظيفة متركزة في مدينة أخرى، أو مؤسسة علمية لا توجد إلا في مركز محدد. ثم تتسع خريطة الحركة، فيتحول المركز الوطني نفسه إلى محطة نحو مركز دولي أكثر جذبًا.
وعليه، تصبح الجغرافيا خريطة متحركة للفرص؛ تتراجع قوة الطرد مع اتساع توزيع الإمكانات بين المجالات، وتتزايد قوة الجذب مع تركزها في مراكز محدودة. وبين هذين الاتجاهين تتشكل الهجرة بوصفها بحثًا عن المجال الذي يستطيع فيه الإنسان تحويل قدراته إلى مستقبل.
