د. محمد أندلسي: نظرية الرّّوحنة لدى “نيتشه” كإطار لتسليط الضّوء على الصّراع الدّائر في فلسطين المحتلّة

7 دقائق
يمكن القول بأنّ مشروع “نيتشه” في الفلسفة هو تمكين “إرادة الاقتدار”- من حيث هي تعبير عن ديناميكية القوى المحايثة للكائن الحيّ الإنساني – من بلوغ أقصى درجة من الاقتدار المتمثّل في تحقيق ” الهيمنة والتحكّم في الذّات” La maitrise de soi. وليست “نظرية الرّوحنة” سوى التّرجمة الفعلية لهذه الحركة والسّيرورة الملازمة لإرادة الاقتدار، وتمثّل شكلها الأرقى لدى صاحب “هذا هو الإنسان”.
في كتاب “أفول الأصنام” يعرّف “نيتشه” “الرّوحنة” La spiritualisation على النّحو التّالي: ” جميع الأهواء لها عصر تكون فيه كارثية وهالكة حيث تقود الواقع تحت نيرها إلى عمق الحماقة، وعصر متأخّر جدّا تلتئم فيه الأهواء مع الرّوح فتتروحن”.
الملاحظة الهامّة والأساسية التي يمكن استخلاصها من هذا التّعريف، تتمثّل في كون “نيتشه” لا يمدح فوران الأهواء والغرائز، بل يعتبرها خطرا مهدّدا لوجود الأفراد والمجتمعات وللعيش المشترك. لهذا تشكّل “الرّوحنة” الآلية الرّوحية الضّرورية التي تمكّن من تلطيف الغريزة. إنّها ليست إنكارا للأهواء والغرائز، ولكنّها ما به تصير الغريزة مصقولة، وتتجلّى في صورة مخفّفة مقبولة. هذا يعني أنّ “عملية الرّوحنة” تعمل على تلطيف عنف الغريزة وتخفيف قوّتها، عبر تغيير موضوعها، أو هدفها، أو اتّجاهها، وذلك بهدف الوصول إلى ضرب من “التحكّم الذّاتي”، الذي يعتبر- كما قلنا سابقا – الشّكل الأرقى للقوّة في فلسفة “نيتشه”.
نصوص “نيتشه” تقدّم للقارئ عدّة أمثلة للرّوحنة، على غرار “العلاقة العشقية” أي “هوى الحبّ” الذي هو نتاج “لروحنة الحساسية” أي الغريزة الجنسية. كما يتحدّث عن عملية “روحنة العدوانية” التي تقتضي الاعتراف بقيمة واقع أن يكون للإنسان أعداء. يقول في هذا الصّدد: “إنّ الكنيسة المسيحية كانت تروم في كلّ الأوقات وباستمرار القضاء على أعدائها، بينما نحن “المعارضين للأخلاق المسيحية” Les immoralistes ندافع عن وجود الكنيسة”.
إذن “نظرية الرّوحنة” لدى “نيتشه” هي محاولة لعلاج الضّغينة والتعصّب الدّغمائي والأصوليات الاستئصالية، من حيث هي علامات وأعراض “للمشاعر الحزينة”، ولأمراض النّفس والرّوح وفي مقدّمتها مرض “الحماقة”(يعرّف “نيتشه” الفلسفة كمقاومة للحماقة). ذلك لأنّ المتعصّب والمتطرّف ليست له القوّة الكافية ولا الضّرورية لروحنة غرائزه وأهوائه، فيسقط تحت عنف الكراهية والانتقام وغيرها من الانفعالات الحادّة. وحدها “الرّوحنة” هي التي تمكّن من التحكّم في الأهواء العنيفة، وأن تفرض عليها توجّها واتّجاها جديدا يسمو بها.
لتحويل اتّجاه الأهواء العنيفة، تجري “الرّوحنة” تغييرا في “علاقات القوّة” بين الأهواء أو الغرائز. فالرّوح هنا ليست ماهية مفارقة، أو معطى مثاليا، وإنّما تشير إلى كلّ ما يتعارض مع التجلّي العنيف للغريزة حيث يتمّ إضعاف قوّتها، بتفعيل ومآزرة قوّة غريزة أخرى مختلفة عنها. هذا ما يجليه “الحقل السياسي” وهو أساس معنى السياسة. يقول “نيتشه”: ” في السياسة فإنّ “العدوانية” La méchanceté صارت روحانية ومراقبة بحيث كلّ حزب يدرك أنّ من مصلحته وبقائه، أن يحافظ على وجود الأحزاب الأخرى وألاّ تتعرّض للانقراض”.
لكنّ النّشاط الفلسفي هو المجال الذي تتجلّى فيه بقوّة عملية الرّوحنة، لأنّه المجال الأكثر استجابة للمطلب الإبداعي “لإرادة الاقتدار”، والذي يقتضي قدرة فائقة على “تغيير أوجه الأشياء القديمة وإبداع أشكال جديدة” L’art de transfiguration. وعطفا على هذا المعنى، يؤكّد “نيتشه” على أنّ الفلسفة هي “الدّافع الاستبدادي الأكثر روحنة”، ويتجلّى هذا بشكل رمزي في عملية “خلق العالم”، وابتكار “المبدأ العلّي” (علّة العلل) المتحكّم فيه، وتحويل الحدوس الحسّية إلى مفاهيم، والتّجارب إلى تصوّرات..إلخ.
إنّ “عملية الرّوحنة” لا تروم تغيير طبيعة الغريزة ذاتها، وإنّما تحافظ على نفس الغريزة ولكنّ تحوّلها إلى صورة أو شكل مخفّف متعارض مع صورته الأولى العنيفة. وهذا يعني أنّها على النّقيض من كلّ أشكال التّصوّرات العدمية لا تسعى إلى استئصال الغريزة من شأفتها، بل تريد تغيير درجة قوّتها بتلطيفها والتّخفيف من عنفوانها.
أخيرا وليس آخرا، تمكّن “نظرية الرّوحنة”، جنيالوجيا “نيتشه”، من تجاوز “النّزعة الثّنائية” Le dualisme بمختلف أشكالها من حيث هي المصدر المهدّد للسّلم الاجتماعي وللعيش المشترك. فهذه النّزعة يؤوّلها “نيتشه” كحكم مسبق Un préjugé، يتّخذ صورة الاعتقاد في وجود أشياء متعارضة ومتضادّة بشكل مطلق يجعلها غير قابلة للمصالحة. وهذا الضّرب من “الحكم المسبق” يقدّم “الاختلاف بين الأشياء في الدّرجة” على أنّه “اختلاف في الطبيعة”.
من أهمّ نتائج “نظرية الرّوحنة” في فلسفة “نيتشه”، إحداها تتعلّق بالفكر الفلسفي، لأنّه بدون تلك النّظرية يتعذّر فهم طبيعة النّشاط الفلسفي، ولا إدراك ونقد الأخطاء الفلسفية المتراكمة والمتنقّلة عبر تاريخ الفلسفة. ذلك لأنّ ” الرّوحنة” تبيّن أنّ نفس الغريزة هي التي تنمو وتتغيّر فتتّخذ عدّة أشكال وصور. ويمكن أن نوضّح هذه المسألة بالمثال التّالي: فالدّافع الذي يوجد في أصل “المثالية”- باعتبارها “المرض النّوعي” الخاص بالفلسفة – بالرّغم من أنّه واحد في أصوله، إلاّ أنّه متعدّد الصور والأشكال بالنّظر إلى سيرورته عبر تاريخ الفلسفة. حينما تؤكّد الميتافيزيقا على أنّ التفكير في الواقع المحسوس يكشف عن تعارضات وتناقضات لا يمكن حلّها وتصعيدها، على غرار الثّنائيات الأنطولوجية مثل الماهية والظّاهر، أو الثنائيات الأخلاقية مثل الخير والشرّ، أو الثّنائيات الميتافيزيقية بين الحقيقة والخطأ. فهي في كلّ ذلك تقصي إمكانية “أن يولد شيء من ضدّه”، أي تقصي عالم الصّيرورة، ممّا يعني وجود تواطئ بين “النّزعة الثنائية” ورفض الصّيرورة.
لكنّ “نظرية الرّوحنة” تؤدّي إلى رفض هذا الاعتقاد الرّاسخ في ثنائية القيم وتقابلها المطلق. حيث تبيّن كيف أنّ قيمة أخلاقية ما يمكن أن تولد وتنشأ من قيمة مضادة لها. إنّ الأفعال الطيّبة، في منظور “الرّوحنة”، كانت أفعالا قبيحة لكنّها صارت طيّبة بفعل روحنتها. كما أنّ الأفعال القبيحة كانت أفعالا طيّبة لكنّها صارت ذميمة. ويمكن اعتبار عملية الصّيرورة التّناسلية للقيم الثّنائية المتقابلة(الأخلاقية واللاهوتية والميتافيزيقية..) هي التي توجد في أساس كتابي: “جنيالوجيا الأخلاق”، و”فيماوراء الخير والشرّ”. بل إنّ “نيتشه” في هذا الكتاب الأخير، يقدّم فلسفة “إرادة الاقتدار”، كفلسفة تدافع عن “المشروطية المتبادلة للدّوافع الطيّبة والقبيحة، وتمكّننا بشكل أدق من اشتقاق الدّوافع الطيّبة من الدّوافع الخبيثة”. إذن “نظرية الرّوحنة” تبيّن أنّ الدّوافع أو الغرائز الطيّبة هي روحنة للدّوافع والغرائز القبيحة، ولهذا يمكن اعتبار هذه النظرية هي الدّيناميكية الخاصّة بإرادة الاقتدار، لهذا قلنا سابقا، بأنّها “ترجمة لحركة وصيرورة هذه الإرادة. هذا يبعدنا كثيرا عن التّأويلات المغرضة السّائدة “لإرادة الاقتدار” بما في ذلك تأويل “هايدغير.
إنّ تحليل “الرّوحنة” يعثر على اكتماله وتحقّقه في “سيكولوجيا الثقافات”، وهو حقل متطوّر جدّا في فلسفة “نيتشه”. يقول في هذا الصّدد: ” إنّ تلطيف الأعراف، والدّمقرطة، وتراجع البربرية والاعتباطية في صورها المقيتة، لا تثبت ولا تدلّ على أنّ الحضارة الغربية المعاصرة صارت أكثر أخلاقية”. إنّ ” “الوحش” القابع بداخل أعماق الإنسان، لازال يحيا ويتفتّق، وأنّه تروحن فحسب”.
انطلاقا من هذا التحليل لنظرية الرّوحنة لدى “نيتشه، يمكن أن نتساءل عن النتائج التي يمكن أن يفضي إليها، إذا ما تمّ استلهامه لتسليط الضّوء على “الهولكوست” الصّهيوني في فلسطين المحتلّة. ما هي دلالاته وأبعاده الفلسفية؟
إنّ الحرب والإبادة في فلسطين أماطت اللّثام الكثيف عن واقع الحضارة الغربية الحديثة والمعاصرة، وعرّت أقنعتها الدّينية والأخلاقية والإنسانوية التّنويرية السياسية والحقوقية ةالفلسفية. لقد أجلت بشفافية تفقأ العين، طبيعتها البربرية، والهمجية، والاعتباطية، التي ظلّت راسخة عبر تاريخها الطّويل، وإن سعت باستمرار إلى حجبها وراء أقنعة الأخلاق، والحرية، والدّيمقراطية. لهذه الحيثيات، وجدنا “نيتشه” ينتقد بشكل جذري ولاذع كلّ القيم العليا الغربية بلا استثناء، والتي يعتبرها “مثلا عليا زهدية” L’idéal ascétique تحرّكها “روح إنكارية” عميقة، أعراضها المرضية الأساسية هي العدوانية المتعصّبة للدّين والعرق، والكراهية والضّغينة، والشّعور العميق بالإثم، وروح الانتقام.
إنّ هذه “الرّوح الإنكارية” وعدوانيتها المتعصّبة، هيي التي شكّلت تصوّر الغرب المعاصر- وعلى رأسه تصوّر الولايات المتحدة وإسرائيل- للحرب والصّراع الدّائر في الشّرق الأوسط بصفة عامة و فلسطين المحتلّة بصفة خاصّة، باعتباره صراعا بل حربا ضروسة بين “الخير” و”الشرّ”، من حيث هما يتشكّلان من طبيعتين متناقضتين بشكل مطلق، من حيث أنّ الاختلاف بينهما اختلاف ماهوي.
ينجم عن هذا التصوّر، أنّ هذا الاختلاف والصّراع بين القطبين غير قابل للحلّ، ويستحيل المصالحة بينهما بأيّ شكل من الأشكال، بل هو صراع دائم، وسيستمرّ إلى أن يستأصل أحدهما الآخر. لهذا يقدّم هذا الصّراع في صورة “حرب وجودية”.
إنّ هذا “التّأويل الأخلاقي” الارتكاسي للصّراع – الأخلاق هنا “مضادّة لطبيعة الحياة الإنسانية”- قصديته المضمرة والصّريحة، هي “شيطنة” العدوّ (الشّعب الفلسطيني المقاوم للاحتلال) لتبرير “نزعته العدوانية الاستئصالية”.
بينما الاختلاف بين الشرّ والخير، هو في منظور الرّوحنة، اختلاف في الدّرجة وليس في الطّبيعة، في الشّكل والصّورة وليس في الماهية. وهذا يعني أنّ الشّيء يمكن أن يولد من ضدّه ونقيضه، كأن يولد الشرّ من الخير، والخير من الشرّ، وما ذلك إلاّ لأنّ الفعل الشرّير كان فعلا خيّرا، لكنّه تحت ظروف وشروط وجود معيّنة (كظروف الاحتلال) تحوّل إلى فعل شرّير، والعكس صحيح.
نظرية الرّوحنة تؤكّد على نسبية القيم، أي أنّ الاختلاف بينها هو اختلاف في الصّورة والشّكل وليس اختلافا في الطبيعة والماهية، وبالتّالي يمكن تجاوز الصّراع التراجيدي بينهما، وتحقيق المصالحة، وتمكين من العيش المشترك.
هكذا يجب إدراك أنّ “الغريزة العدوانية العرقية” لدى “نتنياهو”- رئيس الحكومة الصّهيونية في الأراضي المحتلّة- فلأنّها عدوانية متعصّبة للعرق السّامي، فهي صارت عمياء منفلتة من عقالها، أي غير قابلة للتحكّم، والتحمّل، والاحتواء- بحكم التواطؤ الدّولي الغربي والعربي الرّسمي-، لهذا اتّسمت مفعولاتها بالبربرية، والفظاعة، وجرائم الحرب، والنّزعة الإبادية. الأخطر من ذلك، لقد عملت، وتعمل(ممارستها في غزّة والضفّة الغربية عيّنة ملموسة على ذلك) على استئصال الحياة من شأفتها، للقضاء نهائيا على إمكان جدوتها في فلسطين.
لا مجال هنا للخلط بين الجلاّد والضحية، بين الظّالم والمظلوم، أي بين الاحتلال والمقاومة. إنّ “الغريزة العدوانية” كما تتجلّى لدى الشّعب الفلسطيني بصفة عامّة ولدى المقاومة بصفة خاصّة، هي غريزة “مروحنة لأنّها توّاقة للمستقبل بحكم تعطّشها للتحرّر من إرهاب الاحتلال. ولأنّها استطاعت أن تقيم مصالحة ما بين “إرادة اقتدارها” وبين الصّيرورة المريعة والقاتلة. لقد حوّلت استعدادها للموت أو الاستشهاد إلى شرط للحياة والوجود. “أنا أتحدّى الموت، إذن أنا موجود”. هذا هو ” كوجيطو المقاومة التراجيدي”، في زمن صارت فيه التراجيديا أسلوبا للحياة.

كاتب

المقال التالي

تقرير: العداء وحدود التوافق في الفلسفة السياسية المعاصرة

تقرير: العداء وحدود التوافق في الفلسفة السياسية المعاصرة

Scroll to Top