تقرير: العداء وحدود التوافق في الفلسفة السياسية المعاصرة
نظمت حلقة عابرون، يوم السبت 24 أكتوبر 2026، محاضرة علمية بعنوان “العداء وحدود التوافق في الفلسفة السياسية المعاصرة“، وذلك ضمن برنامجها “هوامش نقدية“. ألقى المحاضرة الدكتور مصطفى العارف، فيما تولى الأستاذ عبد الكريم نوار إدارتها وتسيير نقاشاتها، في لقاء فكري تناول إحدى الإشكاليات المركزية في النظرية السياسية المعاصرة، والمتمثلة في العلاقة بين الصراع وإمكانات التوافق داخل المجال السياسي.
تناولت المحاضرة التوتر التأسيسي الذي يطبع الفلسفة السياسية المعاصرة، من خلال استكشاف اتجاهين متمايزين في فهم طبيعة السياسي وشروط انتظام الحياة المشتركة. يتمثل الاتجاه الأول في النزوع التوافقي المعياري، الذي يسعى إلى تنظيم المجال العام وتأسيس شرعيته من خلال العقلانية والحوار والتفاوض، فيما ينطلق الاتجاه الثاني من تصور صراعي يرى في العداء والتضاد عنصرين بنيويين في تشكل المجال السياسي، بما يتجاوز النظر إليهما بوصفهما مجرد عوائق طارئة أمام تحقيق التوافق.
في هذا السياق، انصب النقاش على حدود كل من التصورين، وعلى مدى قدرة الفلسفة السياسية على استيعاب تعقيدات الواقع السياسي، دون إغفال علاقات القوة والتدافع التي تحكمه، أو اختزالها في أحكام أخلاقية مجردة. كما أتاح اللقاء التفكير في الشروط التي تجعل من بناء حياة سياسية مشتركة أمرا ممكنا في ظل الاختلاف البنيوي وتضارب المصالح، وفي حدود التوافق الذي يمكن بلوغه دون إلغاء الصراع أو تجاهل أسبابه.
***
افتتح الأستاذ الدكتور مصطفى العارف، أستاذ الفلسفة المعاصرة وفلسفة الدين بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، المحاضرة الرئيسية بالتدقيق المفهومي والترجمي لمصطلح “Antagonism”، بين الخلل الدلالي لترجمته الشائعة بـ “العداء” في العربية لما تحمله من حمولة سيكولوجية انفعالية وشخصية
(Inimicus / Inimicitia)، وفضل مصطلح “العدائية” لتجسيد الوجودية والموضوعية الحازمة ضد الآخر (Hostis). وقد أسس العارف طروحاته على التمييز الجوهري بين السياسي (Le Politique) بوصفه مقولة وجودية صراعية تشكل أصل الوجود الاجتماعي، والسياسة (La Politique) بوصفها مجرد تدبير مؤسسي وإجرائي. وفي إطار المقارنة بين اتجاهين فلسفيين بارزين، واجه بين الفلسفة السياسية المعيارية التوافقية ذات التقاليد الأنجلو-أمريكية (جون رولز، رونالد دوركين، روبرت نوزيك) التي تبنى على التوافق والعدالة والقانون، وبين الفلسفة السياسية الصراعية (كارل شميت، شانتال موف) التي تجعل الصراع والتدافع جوهر كل موقف سياسي. حيث تشكك المقاربة الصراعية في كفاية التوافق المعياري، كاشفة عن علاقات القوة والتقاطبات الكبرى التي تحكم المجال السياسي عبر ثنائية النحن /الهم، مع إبراز التناقض البنيوي المنغرس في “الديمقراطية الليبرالية” جراء التوتر التاريخي بين منطق الديمقراطية القائم على حكم الأغلبية للجماعة، ومنطق الليبرالية المنحاز لحماية حقوق الفرد.
عكست أعمال الندوة امتدادا عابر للتخصصات ربط الفلسفة بالعلوم السياسية والعلاقات الدولية، بمشاركة باحثين مثلوا تنوعا جغرافيا شمل المغرب، والمملكة المتحدة، وإسبانيا، وتركيا، وليبيا. إذ نقلت الباحثة نهيلة الصوفي (جامعة مدريد المستقلة) النقاش نحو السياسة الدولية، وفرقت بين بين العدائية (Antagonism) والتنافس الديمقراطي (Agonism) عند شانتال موف، وطبقت مقولات كارل شميت والواقعية والبنائية لتفكيك المعضلة الأمنية والاستقطاب الوجداني عبر نماذج تطبيقية كصراع إسرائيل وحزب الله بوصفه فاعلا غير دولي. ومن جانب آخر، قدم الباحث جامع يوسف (جامعة رويال هولواي – لندن) قراءة نقدية لمشروع موف، متسائلا عما إذا كان “التوافق الصراعي” قد تجاوز المعضلة الليبرالية أم أعاد إنتاجها، واستحضر أطروحات رولز وهابرماس حول التبرير العقلاني والتوافق المتداخل. بينما ركز الباحث يونس محمد العلوي (جامعة سيدي محمد بن عبد الله) على التوتر المفاهيمي والتاريخي بين الليبرالية والديمقراطية، واستدعى أطروحة ماكيافيلي في كتاب “المطرحات” حول إيجابية الصراع التاريخي بين العامة والنخبة في التجربة الرومانية كقوة حيوية لتوليد القوانين التي تضمن الحرية وتجديد المؤسسات.
تأسس الرهان الفكري للندوة في إعادة التفكير النقدي في معنى الديمقراطية التعددية وحدود المجال السياسي، ومساءلة ما إذا كان التوافق شرطا للإمكان السياسي أم أن التعويل المفرط عليه يسهم في إخفاء التناقضات الهيكلية، مع بحث كيفية بناء نموذج ديمقراطي يستوعب الصراع ويديره دون تحويل الخصم السياسي إلى عدو يُراد إقصاؤه.


