دعوة لتقديم مقترحات بحثية: المدينة والتحولات الاجتماعية

7 دقائق

الإطار النظري

أضحت المدينة في سياق الفكر المعاصر بنية معرفية معقدة تُقرأ بوصفها تجسيدًا حيًا للعلاقة الناظمة بين السلطة والمعنى، من هنا لا يمكن حصرها في أنها مجرد حيز مكاني تُمارس فيه الحياة اليومية. إن المدينة في هذا  الاطار قد لا تنحصر في ما نراه من عمران وبنى تحتية، بقدر ما هي انعكاس لمدلولاتها، وما يُمارس فيها من استراتيجيات تتوزّع ما بين الهيمنة والمقاومة. وقد بيّن “هنري لوفيفر” أن الفضاء ليس وعاءً محايدًا للأحداث كما يصفه، فقد يصبح ايضا بُعد تاريخي لسيرورة اجتماعية، تُعيد من خلالها القوى المهيمنة تنظيم المجال بما يخدم مصالحها، وهو ما يحوّل المدينة إلى “نص سياسي” مفتوح على التأويل والصراع[1].

إن مقاربة المدينة بوصفها فضاءً سياسيًا تفرض تجاوز التصورات التقنية للتخطيط العمراني، نحو فهم أعمق لدور السلطة في تشكيل المجال. فكل تخطيط حضري ينطوي – ضمنيًا – على رؤية معيارية للمجتمع المرغوب، بالإضافة إلى تعريف ضمني لمن يُسمح له بالظهور في الفضاء العام ومن يُدفع إلى الهامش. لذلك، تُعد فكرة “الحق في المدينة” التي بلورها “لوفيفر” وأعاد تأويلها “ديفيد هارفي”، مدخلًا نقديًا لفهم المدينة كفضاء للصراع حول إعادة توزيع الموارد والسلطة والرمزية[2]. فكما الحق في المدينة لا يُختزل في الوصول إلى الخدمات، فهو ايضا يضم الحق في إعادة تخيل المدينة وإعادة إنتاجها وفق حاجات ساكنيها،  متحاوزا بذلك منطق السوق أو الدولة وحدهما[3].

تتعمق هذه الإشكالية حين ننظر إلى المدينة من خلال جدلية المركز والهامش، حيث  تفهم فكرة  “المركز” بمن عدت مناحي بوصفه موقعًا جغرافيًا و ايضا كموضع للسلطة والتمثيل والشرعية، في مقابل “الهامش” الذي يُنتج بوصفه فضاءً للنقص أو الانحراف أو التهميش.

إن هذه الجدلية  تُبنى عبر سياسات حضرية واعية، تشمل إعادة توزيع الخدمات، والتحكم في أسعار الأراضي، وإعادة تشكيل الأحياء عبر مشاريع “التجديد الحضري” التي كثيرًا ما تُفضي إلى إقصاء الفئات الأقل قدرة.

يوضح ” بيير بورديو” أن العنف الرمزي يعمل كآلية غير مرئية لترسيخ هذه التراتبية، حيث تُفرض معايير الذوق والشرعية الثقافية بطريقة تجعل الخاضعين لها يقبلونها بوصفها طبيعية[4].

هذه التحولات مرتبطة بالسياق العالمي الأوسع، حيث أدت العولمة إلى إعادة تشكيل المدن ضمن شبكات اقتصادية عابرة للحدود، تُعيد بدورها ترتيب أولويات التخطيط الحضري وفق متطلبات رأس المال العالمي، وقد حلّل “مانويل كاستيلز” هذه الظاهرة من خلال مفهوم “فضاء التدفقات”، فأضحت المدينة تُقاس تارة بموقعها الجغرافي، وتارة أخرى بقدرتها على الاندماج في شبكات المعلومات والمال. وبينما تتحول بعض المدن إلى “عُقد” مركزية في الاقتصاد العالمي، بنجد ان هناك مدن أخرى تُدفع إلى الهامش، وهذا ممّا يعمّق التفاوت على المستويين المحلي والعالمي[5].

ومع هذه الديناميات، تتداخل عمليات الرقمنة التي أعادت تعريف العلاقة بين الإنسان والفضاء الحضري؛ فانتشار تقنيات المراقبة، والبيانات الضخمة، ومنصات الاقتصاد التشاركي، أدى إلى نشوء أنماط جديدة من التحكم في الفضاء، حيث تُرصد تحركات الأفراد وتُعاد صياغة سلوكياتهم ضمن خوارزميات غير مرئية، مما يتيح إمكانية قراءة المدينة المعاصرة بوصفها فضاءً هجينًا يجمع بين المادي والرقمي،  تتقاطع السلطة العمرانية مع السلطة الخوارزمية، فتولِّد أسئلة جديدة حول الخصوصية والحرية والحق في الاختفاء داخل الفضاء العام.

على مستوى الممارسة اليومية، ينتقل الأفراد مجرد متلقين لهذه البُنى، إلى منخرطين في إعادة إنتاجها بطرق معقدة. وقد أظهر “ميشيل دو سرتو” كيفيّة ممارسة الحياة اليومية في المدينة بما تتضمنه من “تكتيكات” صغيرة يمارسها الأفراد للالتفاف على استراتيجيات السلطة، مثل إعادة استخدام الفضاءات أو إعادة تأويلها بطرق غير متوقعة.

هنا، تصبح المدينة فضاءً للصراع الصامت، تتجاور مشاريع الهيمنة مع أشكال المقاومة الدقيقة التي قدظهر في الخطابات الرسمية و أيضا تنتقل اأو تظهر في جوهر التجربة الحضرية[6].

إن هذا الاستكتاب، في ضوء ما سبق،  يسعى إلى توصيف التحولات الحضرية، و إلى مساءلة الأسس المعرفية التي تُبنى عليها هذه التحولات. فهو ينطلق من فرضية أن المدينة بجانب انها موضوع للدراسة، تشكّل أيضا أداة لإعادة التفكير في مفاهيم أوسع، مثل العدالة، والهوية، والسلطة، والعيش المشترك. ومن خلال هذا المنظور، يصبح تحليل المدينة مدخلًا لفهم التحولات العميقة التي يشهدها العالم المعاصر، خاصة في السياقات العربية التي تعيش توترات متسارعة بين التراث والحداثة، بين المحلي والعالمي، وبين الانتماء والإقصاء.

المنهجية :

نحاول من هذا الاستكتاب التحوّل إلى فضاء تفاعلي أشبه بـ”مختبر فكري” تُطوَّر فيه الأفكار بشكل جماعي وتدريجي. حيث يُنظر إلى المقترحات البحثية بوصفها مواد أولية قابلة للاختبار والمراجعة، ونتجاوز فكرة أنها منتجات نهائية مكتملة. ويُفتح المجال أمام المشاركين لإعادة التفكير في فرضياتهم وأسئلتهم البحثية من خلال النقاش، بما يسمح بتجاوز الصياغات الأولية نحو مقاربات أكثر عمقًا ودقة.

كما يعتمد هذا المختبر على مبدأ التعلم التشاركي، حيث تُعرض المقترحات والأوراق الأولية ضمن جلسات تفاعلية تجمع الباحثين مع أقرانهم، بما يتيح تبادل وجهات النظر وتقديم ملاحظات نقدية بنّاءة، وتُسهم هذه العملية في كشف زوايا نظر جديدة،كما تساعد على اختبار قوة الحجج واتساق البناء العام للبحث. فيتحول النقاش جزءًا لا يتجزأ من عملية الإنتاج العلمي.

يتحول الاستكتاب إلى مسار ديناميكي لإنتاج المعرفة، يقوم على التراكم والتطوير المستمر بدل الاكتفاء بالتقييم النهائي. إذ يُشجَّع المشاركون على إعادة صياغة أعمالهم في ضوء الملاحظات التي يتلقونها، بما يعزز من جودة المخرجات ويمنحها طابعًا أكثر نضجًا. كما يرسخ هذا المسار ثقافة أكاديمية تقوم على الحوار والانفتاح، وتُعيد الاعتبار للعمل الجماعي بوصفه ركيزة أساسية في تطوير البحث العلمي.

محاور الاستكتاب

ينفتح المحور الأول على تحليل المدينة بوصفها فضاءً سياسيًا واجتماعيًا، مع التركيز على آليات تشكل السلطة داخلها وأشكال المقاومة التي تنشأ في مواجهتها، سواء عبر الحركات الاجتماعية أو الممارسات اليومية.

يسعى المحور الثاني إلى تفكيك التحولات السوسيولوجية التي رافقت الانتقال من الأحياء التقليدية إلى المجمعات السكنية المغلقة، بوصفها تعبيرًا عن إعادة تنظيم العلاقات الاجتماعية وفق منطق العزل والانتقاء الطبقي.

المحور الثالث، فيتعمق في جدلية المركز والهامش، من خلال دراسات ميدانية ونظرية تكشف كيف تُنتج المدن حدودًا مرئية وغير مرئية، تفصل بين الفئات وتعيد إنتاج الإقصاء.

المحور الرابع يحلل العنف الرمزي في الفضاء العام، من خلال تتبع كيف تُمارس الهيمنة عبر اللغة المعمارية والتخطيط الحضري والتمثيلات البصرية.

في حين يركز المحور الخامس على المدينة العربية في سياق النيوليبرالية، حيث تُعاد صياغة الفضاء الحضري وفق منطق السوق، مما يؤدي إلى تحويل المدينة إلى سلعة، و يسمح ايضا بإعادة تشكيل الهوية الحضرية بما يتناسب مع اقتصاديات الاستهلاك والسياحة والاستثمار.

يطرح المحور السادس “مختبر الفكرة” بوصفه مساحة استشرافية، تُعنى بتخيل مستقبل المدينة في ظل الأزمات الحضرية المتعددة، من التغير المناخي إلى الأزمات السكنية، مع تقديم رؤى بديلة لمدن أكثر عدالة ومرونة وإنسانية.

الإطار الزمني :

تبدأ المرحلة الأولى في 20 مايو بفتح باب استقبال المقترحات البحثية (الملخصات). وتُعد هذه المرحلة نقطة الانطلاق، فينتظر من المشاركين تقديم أفكار أولية واضحة، دون اشتراط اكتمالها، بما يسمح بقراءتها بوصفها مشاريع قيد التشكل وقابلة للتطوير. وتستمر هذه المرحلة حتى 24 مايو.

تليها المرحلة الثانية من 25 يونيو إلى 30 يونيو حيث تتم مراجعة المقترحات والرد عليها. ولا تقتصر هذه العملية على التقييم، بل تتضمن تقديم ملاحظات تفصيلية تهدف إلى توجيه الباحثين نحو تطوير أفكارهم وتعزيز وضوحها واتساقها، تمهيدًا للانتقال إلى مرحلة أكثر عمقًا في الاشتغال البحثي.

تنطلق المرحلة الثالثة مباشرة بعد ذلك، حيث يُدعى أصحاب المقترحات المقبولة إلى تطوير أوراقهم البحثية في صيغتها الأولية. وتمتد هذه المرحلة حتى 30 يوليو مع التأكيد على أن المطلوب ليس أوراقًا مكتملة، بل نصوصًا أولية واضحة في بنيتها وحججها الأساسية، بما يسمح بعرضها ومناقشتها.

وخلال هذه الفترة، يُنظَّم مسار موازٍ يقوم على عقد جلسات تفاعلية لعرض الأعمال قيد التطوير، بحيث يتحول الاستكتاب فعليًا إلى مختبر فكري. تُعرض فيه الأوراق الأولية أمام الأقران، وتُناقش بشكل جماعي، مما يتيح تلقي ملاحظات نقدية مباشرة تُسهم في إعادة صياغة الأفكار وتوسيع زوايا النظر.

تُختتم هذه الدورة بإعادة تنقيح الأوراق في ضوء النقاشات التي دارت خلال جلسات العرض، بما يمكّن المشاركين من الوصول إلى صيغ أكثر نضجًا واتساقًا. وبهذا، لا يكون الجدول الزمني مجرد تسلسل للمواعيد، بل إطارًا ديناميكيًا يُواكب تطور البحث من فكرة أولية إلى مساهمة علمية قابلة للنشر، عبر مسار تشاركي قائم على الحوار والتطوير المستمر.

يهدف هذا الإطار الزمني، في مجمله، إلى الانتقال من نموذج التقييم النهائي المغلق إلى نموذج تشاركي تفاعلي، يُسهم فيه المشاركون في تطوير أعمالهم بشكل تدريجي، بما يعزز جودة المخرجات ويعمّق النقاش العلمي حول محاور الاستكتاب.

المراجع :

  1. Bourdieu, Pierre. Distinction: A Social Critique of the Judgement of Taste. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1984.
  2. Castells, Manuel. The Rise of the Network Society. Oxford: Blackwell, 1996.
  3. Harvey, David. Rebel Cities: From the Right to the City to the Urban Revolution. London: Verso, 2012.
  4. Lefebvre, Henri. The Production of Space. Oxford: Blackwell, 1991.
  5. Lefebvre, Henri. Writings on Cities. Oxford: Blackwell, 1996.
  6. de Certeau, Michel. The Practice of Everyday Life. Berkeley: University of California Press, 1984.

[1] Lefebvre, Henri. The Production of Space. Oxford: Blackwell, 1991.

[2]  Harvey, David. Rebel Cities: From the Right to the City to the Urban Revolution. London: Verso, 2012

[3]Lefebvre, Henri. Writings on Cities. Oxford: Blackwell, 1996.

[4] Bourdieu, Pierre. Distinction: A Social Critique of the Judgement of Taste. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1984.

[5] Castells, Manuel. The Rise of the Network Society. Oxford: Blackwell, 1996.

[6] de Certeau, Michel. The Practice of Everyday Life. Berkeley: University of California Press, 1984.

المقال التالي

زارا يعقوب.. رائد العقلانية الإفريقية خارج المركزية الغربية في القرن السابع عشر

زارا يعقوب.. رائد العقلانية الإفريقية خارج المركزية الغربية في القرن السابع عشر

Scroll to Top