تقرير | تلقي المفاهيم السياسية في حقل الفلسفة الإسلامية (مفهوم المدينة نموذجا)

5 دقائق

في إطار أنشطتها العلمية، نظّمت حلقة «عابرون» يوم السبت 27 يونيو الجاري محاضرةً أكاديمية بعنوان: «تلقي المفاهيم السياسية في حقل الفلسفة الإسلامية: مفهوم المدينة نموذجًا»، قدّمها الباحث التركي الأستاذ صالح دوغو، وأدار جلساتها الأستاذ حسان الناصر.

استهّل صالح دوغو، حديثه بمفهوم الحد، موضحًا أن الحدود هي التي تُحدِّد المعاني، وأن الفيلسوف يبدأ كتاباته بوضع التعريفات ورسم الحدود المفاهيمية؛ إذ إن تعريف الشيء هو رسم حدوده. وانطلاقًا من ذلك، فإن ترجمة المصطلح السياسي وضبطه لا تقتصر على نقل اللفظ، بل تُسهم في رسم حدود الفلسفة الإسلامية ذاتها، لأن كثيرًا من المفاهيم السياسية لا يمكن فهمها إلا إذا قُرئت في سياقها التاريخي والثقافي، بعيدًا عن إسقاط دلالاتها اليونانية عليها.

واعتمد في تحليله على منهج توشيهيكو إيزوتسو (Toshihiko lzutsu) في تاريخ المفاهيم، الذي يقوم على أن كل عصر ينبغي أن يُقرأ بمعجمه الخاص، لا بمعجم العصور اللاحقة. وبناءً على ذلك، فإن دراسة مصطلحات مثل المدينة، ومدبر المدينة، والحاكم، والمواطن، وعلم تدبير المدينة يجب أن تتم وفق دلالاتها في عصرها التاريخي. وفي هذا السياق، أوضح أن الفلاسفة المسلمين لم يستخدموا لفظ المواطن بالمعنى المتداول اليوم، وإنما استخدموا تعبيرات مثل أهل المدينة أو مشارك المدينة، بما يعكس اختلاف البناء المفاهيمي للمصطلحات السياسية في الفلسفة الإسلامية عن نظيراتها الحديثة.

وعرّف صالح المدينة بأنها عماد الخطاب السياسي في كلٍّ من الفكر الإسلامي والفكر اليوناني، وعدّها المفهوم المركزي الذي تنتظم حوله جميع المصطلحات السياسية الأخرى، فهي الأرضية التي يُبنى عليها الكيان السياسي؛ إذ لا وجود لحاكم أو لأهل المدينة أو لأي نظام سياسي من دون مدينة. وأوضح أن المدينة تمتلك خصائص اجتماعية وتنظيمية تُمكّنها من معالجة المشكلات التي يعجز الفرد عن مواجهتها بمفرده، وهو ما يجعلها الإطار الطبيعي لتحقيق الحياة المشتركة.

وانتقل إلى بيان الأصل اللغوي والتاريخي لمفهوم المدينة، موضحًا أن كلمة بوليس (Polis) عند اليونان تعني المكان المحصَّن، وكانت تشير إلى تنظيم سياسي يشارك فيه المواطنون الذكور الأحرار البالغون في إدارة شؤون المدينة، ويبلغ عدد سكانها في المتوسط نحو خمسة آلاف نسمة، كما كان لكل مدينة إلهها الحامي. وأضاف أن ثمة ألفاظًا مشابهة لدى الفرس وسكان آسيا الوسطى، مثل كانط، ولدى الأتراك مثل بالك، وجميعها تدل على الموضع المرتفع أو الحصن أو القلعة أو الملجأ. ورأى أن هذا التشابه اللغوي لا يُعد محض مصادفة، بل يعكس حاجة إنسانية مشتركة إلى الأمن والحماية، وهو ما ارتبط منذ البداية بفكرة نشأة المدينة وتطورها.

وأكد صالح أن نشأة المدينة تعود إلى العصر الحجري الحديث، وتناول سؤالًا محوريًا يتعلق بكيفية انتقال الإنسان من القرية إلى المدينة. وأوضح أن الرأي الغالب بين الباحثين يرى أن التاريخ شهد انتقالًا تدريجيًا من المجتمع القروي إلى المجتمع المدني، وأن هذا التحول لم يكن قفزة مفاجئة، بل عملية تاريخية ممتدة لم يتفق الباحثون على تحديد زمن دقيق لها. كما رأى أن ما يمكن تسميته بـ”ثورة المدينة” كان أكثر تأثيرًا في تاريخ البشرية من الثورة الصناعية، نظرًا لما أحدثته من تحولات عميقة في أنماط الاجتماع والتنظيم السياسي.

وأشار إلى أن الدراسات تُرجع نشأة المدينة إلى ثلاثة عوامل رئيسة، هي: تمركز السكان في موضع واحد، وقيام المعبد، واستقرار النشاط الزراعي، مستشهدًا بمدينة القدس في عهد النبي إبراهيم عليه السلام بوصفها مثالًا على هذا النمط من التكوين. وأضاف أن الإنسان شيّد أولًا القبر، ثم المعبد، ثم المدينة، في حين يذهب معظم الباحثين إلى أن التسلسل التاريخي لنشأة العمران كان: القرية، ثم المعبد، ثم المدينة.

وأوضح أن مفهوم المدينة ارتبط منذ نشأته بفكرة الأمن، إذ لجأ الإنسان إلى إنشاء المدن لتوفير الحماية، سواء من الأخطار الخارجية أو لضمان الأمن القانوني وحفظ الحقوق. غير أن هذا الأمن يقابله التزام الفرد بالخضوع للنظام العام، فدخول المدينة يعني العيش في ظل دستورها وقوانينها، وهو ما يقتضي التنازل عن جزء من الحرية الفردية لصالح النظام الجماعي. وأكد أن لكل مدينة خصوصيتها في التكوُّن والتمدُّن، وأن المدينة الفاضلة تمثل المجال الذي تتحقق فيه الطاقات الإنسانية على أكمل وجه، بينما يتولى مؤسس المدينة أو مدبرها، من خلال وضع الدستور والقوانين، تحديد نمط الحياة السياسية والاجتماعية لسكانها، سواء أكان نظامًا ديمقراطيًا أم استبداديًا.

وأكد صالح أن تكوُّن الكيان السياسي يتم عبر عملية تدريجية من النشوء والتشكُّل والتبلور، إذ يشير التكوُّن إلى انتقال الكيان من حالة أولية إلى أخرى أكثر استقرارًا وتنظيمًا، بينما يعني التمدُّن انتقال المجتمع إلى أنماط الحياة الحضرية واكتسابه خصائص المدنية، بما يشمل اتساع العمران، وتطور المؤسسات، وترسيخ القوانين والثقافة المدنية. وبذلك، فإن التكوُّن يعبر عن عملية بناء الكيان السياسي ونشأته، في حين يعبر التمدُّن عن التحول الذي يطرأ على المجتمع في مساره نحو المدنية.

وانتقل بعد ذلك إلى مناقشة عدد من المفاهيم السياسية كما عرضها أرسطو في كتاب الأخلاق إلى نيقوماخوس، موضحًا أن مفهوم المواطن لم يكن يُستخدم بوصفه مصطلحًا مستقلًا، وإنما كان يُشار إلى الفرد بعبارات مثل أهل المدينة أو مشارك المدينة. واستشهد بقول أرسطو: «الخير الكامل نظن أنه مكتفٍ بنفسه، ولسنا نريد بالكفاية أن تكون سيرة المقتني والمنفرد وحده، لكنه يكون مع أبوين وأولاد ونساء وأهل مدينة؛ لأن الإنسان مدني بالطبع»، ليدلل على أن الاكتفاء الذاتي لا يتحقق في العزلة، وإنما داخل الجماعة السياسية، وأن قيمة الإنسان تتحدد من خلال دوره داخل المدينة.

كما تناول مصطلحات أخرى، منها مدبر المدينة أو منظم المدينة أو رئيس المدينة أو سائس المدينة، موضحًا أن لفظ السائس يجمع بين القيادة السياسية وحسن التدبير. وأكد أهمية مصطلح تدبير المدينة أو تنظيم المدينة، مفضلًا استخدامه لما يعكسه من مضمون فلسفي، ثم أشار إلى علم تدبير المدينة بوصفه أهم الصناعات أو العلوم السياسية في التراث الفلسفي الإسلامي، لأنه يعنى بتنظيم شؤون المجتمع وتحقيق غاياته.

وفي سياق المناقشة، تدخل الأستاذ عبد الكريم متناولًا العلاقة بين الأخلاق والسياسة في فلسفة أرسطو والفلسفة الإسلامية، مؤكدًا أن توازن قوى النفس يمثل الأساس الذي تقوم عليه الأخلاق والسياسة معًا. كما طرح تساؤلًا حول مفهوم علم تدبير المدينة ودوره في إعداد أفراد المجتمع للقيام بوظائفهم المختلفة، سواء بوصفهم مدبرين أو جنودًا أو من أهل المدينة، بما يعكس نوعًا من التقسيم الوظيفي داخل المجتمع السياسي. وأثار كذلك سؤالًا حول العلاقة بين المدينة والتمدن والحضارة والبداوة في فكر ابن خلدون، متسائلًا عما إذا كانت البداوة تمثل نقيضًا للتمدن.

وفي ختام النقاش، أوضح صالح أن الفيلسوف لا يبدأ بالحديث عن التطبيقات العملية للأخلاق، وإنما يؤسس أولًا للنظرية الأخلاقية، ثم ينتقل إلى بيان انعكاساتها في المجال السياسي. وأضاف أن مفهوم التمدن يختلف من فيلسوف إلى آخر بحسب مرجعيته الفكرية والحضارية؛ فالمنظور الإسلامي للتمدن يختلف عن المنظور اليوناني أو الروماني، إذ ينطلق من الفرائض والقيم الدينية بوصفها أساس العمران السياسي والاجتماعي. كما أكد أن رئيس الدولة أو المدينة يؤدي دورًا محوريًا في ترسيخ النظام والتمدن وتحقيق السعادة داخل المجتمع، وأن الفلسفة الإسلامية تربط بين السعادة الدنيوية التي تتحقق بحسن تدبير المدينة، والسعادة الأخروية التي تمثل الغاية القصوى للإنسان.

كاتب

المقال التالي

تقرير  | جدلية إنتاج وتكوين الفضاء الحضري في المدينة الخليجية المعاصرة

تقرير | جدلية إنتاج وتكوين الفضاء الحضري في المدينة الخليجية المعاصرة

Scroll to Top