تقرير | جدلية إنتاج وتكوين الفضاء الحضري في المدينة الخليجية المعاصرة
في إطار أنشطتها العلمية وضمن برنامجها الأكاديمي حول المدينة والتحولات الاجتماعية، نظّمت حلقة عابرون يوم السبت 04 يوليو الجاري محاضرة أكاديمية بعنوان: «جدلية إنتاج وتكوين الفضاء الحضري في المدينة الخليجية المعاصرة»، قدّمتها الباحثة في الأنثروبولوجيا الحضرية بمعهد الدوحة للدراسات العليا الأستاذة هيا الشهواني، وأدار جلساتها الأستاذ حسان الناصر.
بدأت الباحثة حديثها برصد سرعة التحولات العمرانية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة، منتقدةً هيمنة السرديات التفسيرية التقليدية التي تقف عند حدود المفاضلة والمعارضة بين الحنين لما قبل النفط وبين الحداثة الخليجية. وأكدت أن المدينة الخليجية ليست نسخة عالمية مكررة، بل تمتلك خصوصيتها وسياقها السوسيولوجي الفريد. وفي هذا الإطار، صنّفت الأدبيات الأكاديمية التي تناولت حواضر الخليج (مثل دبي، وأبو ظبي، والرياض، والدوحة، والكويت) إلى مراحل ومنعطفات منهجية محددة:
المرحلة الأولى: تتميز هذه المرحلة بتركيزها على مظاهر النهضة العمرانية والمشاريع الإنشائية العملاقة. ورأت الباحثة أن أغلب هذه الأدبيات كُتب بأقلام غربية تعاملت مع المنطقة وفق منظور يرى أن قيادة الحداثة نابعة من الخارج.
المرحلة الثانية: امتدت هذه المرحلة تقريبا منذ 2008 أو 2012، واعتمدت على العمل الإثنوغرافي الميداني في مدن مثل قطر ودبي والمنامة، مع التركيز بشكل خاص على فئات العمالة الآسيوية المهاجرة وتحدياتها اليومية وكيفية عيشها في المدينة. ورغم أهمية هذه الأبحاث في فهم الفئات المهمشة، إلا أن الباحثة انتقدت تعاملها مع المدينة كـ”مسرح” للأحداث وليس كـ”فضاء للتعايش”، حيث ركزت على عزل فئة محددة بدلا من دراسة تفاعل وتشابك الفئات المختلفة داخل الفضاء الحضري.
المرحلة الثالثة: تمثّل هذه المرحلة المنعطف المنهجي الراهن الذي يجمع بين دراسة إنتاج المدينة من جهة ودراسة تكوين المدينة من جهة أخرى
المرحلة الرابعة: يحاول الباحثون في هذه المرحلة الأخيرة الجمع بين المراحل السابقة والمقارنة بين الحواضر، واستشهدت الباحثة بأبحاث ياسر الششتاوي التي قارنت بين الحواضر الخليجية والحواضر العربية الأخرى كبغداد وبيروت. وأكدت الباحثة على فرضية رئيسية مفادها أنه لا توجد “مدينة خليجية موحدة”، بل لكل مدينة قصتها ودورها التاريخي المستقل، رغم وجود نقاط تشابه جغرافية واقتصادية بوصفها موانئ قديمة للتجارة والصيد والغوص على اللؤلؤ، كانت تتردد عليها مجتمعات البادية وسكانها.
وأوضحت الباحثة أن البدو شاركوا تاريخيا في العمل داخل هذه المدن الساحلية وساهموا بفاعلية في حركتها التجارية، وهو ملمح غيبته الدراسات المعاصرة التي تروج لفكرة أن المدن الخليجية انشئت من الفراغ، وتبدأ تاريخها إما من لحظة تشكل الدولة الحديثة أو من لحظة اكتشاف النفط. واعتبرت أن النفط لم يؤسس المدينة، بل وضعها ضمن شبكة اقتصادية عالمية معقدة وجذب إليها تدفقات المهاجرين، وهو ما تتجاهله الدراسات بـإغفالها دمج المدينة الخليجية ضمن نظام عالمي تتدخل فيه القوى الاقتصادية والسياسية وتخطيط الدولة عبر آليات الهدم وإعادة البناء.
