تاريخ الحكمة في أرض الملّة (2): جينالوجيا النوابت
يمكننا أن نقرأ في مفهوم “النوابت” ما يمكن أن نقرأه في المفاهيم الفلسفية عموما أثناء ترحالها عبر المكان والزمان، أي ما يمكن يسمى بـ”ترحال المفهوم”. لقد تبلور هذا المصطلح في أدبيات علم الكلام، ولا سيما عند المعتزلة ومع أبي عثمان الجاحظ (776–868م)، بوصفه لفظا نقديا تحقيريا أُطلق على الخصوم في المسائل العقدية. غير أن التأسيس النظري للمفهوم يرجع إلى أبي نصر الفارابي(874م-950م)، الذي نقله من إطاره الكلامي الضيق إلى الحقل الاجتماعي-السياسي، وأعاد توظيفه ضمن تصوره للمدينة الفاضلة.
سعى الفارابي إلى بناء تصور سياسي-فلسفي يجمع بين الموروث الفلسفي اليوناني، ولا سيما فلسفة أفلاطون السياسية، وبين أسئلة الاجتماع السياسي في الفكر الإسلامي، مقدما رؤيته للمجتمع المثالي في كتابه “آراء أهل المدينة الفاضلة”. وفي مقابل المدينة الفاضلة، حدد الفارابي جملة من المدن التي تنحرف عن غاية الكمال، من بينها المدينة الجاهلة، والمدينة الفاسقة، والمدينة المبدلة، والمدينة الضالة. و يشير مفهوم “النوابت” في هذا السياقي إلى أفراد غير فاضلين يعيشون داخل المدينة الفاضلة نفسها، ومنهم المحرّفة والمتقنصون والمارقة، في صورة تستعير دلالتها من الأعشاب الضارة التي تنبت بين الزرع فتفسد انتظامه. ومن ثم، يندرج وجودهم ضمن ما يهدد انسجام المدينة، الأمر الذي يجعل تقويمهم أو إقصاءهم جزءًا من تدبيرها.
غير أن المفهوم سيشهد، في الفلسفة الإسلامية بالأندلس، تحولا دلاليا مهما مع أبي بكر ابن باجة (1080م-1138م). ففي رسالة “تدبير المتوحد” أعاد ابن باجة صياغة دلالة “النوابت” بصورة تكاد تقلب وظيفته الفلسفية الأولى؛ فلم يعد النابت هو الفرد الذي يمثل عنصرًا طفيليًا داخل المدينة الفاضلة، وإنما أصبح يمثل الفرد الفاضل الذي يتمسك بالآراء الصادقة في مجتمع لا تتحقق فيه شروط الفضيلة. وهنا ينتقل المفهوم من دلالة الإقصاء إلى دلالة التميز، ومن النظر إلى الفرد بوصفه تهديدًا للنظام السياسي إلى النظر إليه بوصفه حاملًا لإمكان الكمال الإنساني في بيئة تفتقر إلى شروط تحققه.
ويكتسب هذا التحول دلالته الكاملة من خلال مفهوم “التدبير”. فالتدبير، في أصله، هو ترتيب الأفعال وتوجيهها نحو غاية مقصودة، كما في تدبير المدن ، غير أن ابن باجة ينقل هذا المفهوم من مستوى تدبير الجماعة إلى مستوى تدبير الفرد لذاته، يقول “ونحن في هذا القول نقصد تدبير هذا الانسان المتوحد”؛ فالمتوحد، في بيئة سياسية واجتماعية غير فاضلة، لا يوجه
جهده أساسا إلى إصلاح البنية السياسية القائمة، وإنما إلى تكميل ذاته والمحافظة على سلامة عقله في مواجهة الآراء الفاسدة. ولذلك فإن اعتزاله لا يمثل خروجا أصليا عن الاجتماع الإنساني، وإنما هو اعتزال “بالعرض” لا “بالذات”؛ فالإنسان، بحسب ما يقرره ابن باجة في العلوم الطبيعية والمدنية، مدني بالطبع، وإنما يضطره فساد المدينة إلى هذا النمط من التوحد، كما يضطر الصحيح إلى تناول الأدوية المُرّة دفعًا للمرض.
ومن هنا تبرز الغربة بوصفها إحدى السمات الأساسية للنوابت. فهم يعيشون داخل مجتمعاتهم دون أن ينتموا، من الناحية الفكرية، إلى منظومتها السائدة. ولهذا يصفهم ابن باجة بأنهم “الذين يعنيهم الصوفية بقولهم الغرباء”.
ويضيف في وصف حالهم أنهم، وإن كانوا “في أوطانهم وبين أترابهم وجيرانهم، غرباء في آرائهم”، فقد “سافروا بأفكارهم إلى مراتب أخر هي لهم كالأوطان”. فالغربة هنا ليست اغترابا مكانيا، وإنما هي اغتراب في الرأي والمرتبة العقلية؛ إذ يجد الفيلسوف نفسه محاطًا بأشخاص يشاركونه المكان دون أن يشاركونه أفق النظر.
وتفرض هذه الغربة على المتوحد أن يحافظ على مسافة فكرية ونفسية تحول دون انخراطه في منظومة الآراء الفاسدة. ومن هذه الزاوية، يظهر النابت بوصفه نبتة فريدة تنمو في أرض غير مواتية، غير أن وجوده لا يخلو من دلالة سياسية مستقبلية؛ إذ إن هؤلاء الأفراد، على الرغم من عزلتهم عن المجتمع الفاسد، يمكن أن يمثلوا البذرة التي ينشأ عنها إمكان المدينة الكاملة. فوجودهم لا يقتصر على حفظ كمالهم الفردي، وإنما يرتبط، بإمكان حدوث المدينة الكاملة مستقبلا بحث أن لا وجود للنواب في هذه المدينة لأنها في جوهرها كاملة يقول ابن باجة: ” فبيّن أن من خواص المدينة الكاملة، أن لا يكون فيها نوابت”.
غير أن العزلة عند ابن باجة لا تمثل الغاية النهائية في ذاتها؛ فالغاية الأسمى للنوابت تتمثل في بلوغ كمال معرفي ووجودي يتجسد في الاتصال بالعقل الفعال. ويحتل هذا الهدف موقعًا مركزيا في تصوره للكمال الإنساني، إذ يقسم ابن باجة الصور إلى مراتب تنتهي إلى الصور الروحانية العامة والمعقولات الخالصة. ولا يتحقق الكمال الإنساني، في هذا الأفق، إلا من خلال انتقال العقل من الارتباط بالمادة والمحسوسات إلى إدراك المعقولات، وصولا إلى الاتصال بالمبدأ المفارق الذي يمثل العقل الفعال.
ويمثل العقل الفعال، في تصور ابن باجة، المبدأ الذي يخرج العقل الإنساني من القوة إلى الفعل، وتُقارن منزلته من العقل البشري بمنزلة الضوء من البصر؛ فكما يتيح الضوء للبصر أن يرى، يتيح العقل الفعال للعقل الإنساني أن ينتقل إلى مرتبة الفعل والإدراك العقلي. ولذلك يتطلب بلوغ هذه المرتبة تكريس الحياة للنظر والتأمل الفلسفي، بما يسمح بارتقاء الإنسان من التعلق بالأوصاف الحسية والمادية إلى مرتبة أعلى من التجرد العقلي.
وعلى الرغم من أن مشروع النوابت عند ابن باجة يقوم، في أساسه، على تصور عقلي صارم للكمال والسعادة، فإن لغته حول الغربة والعزلة تتقاطع، على نحو لافت، مع بعض موضوعات الخطاب الروحي. إلاّ أن هذا التقاطع لا يعني تطابقه مع التصوف.
لقد اتخذ ابن باجة موقفا نقديا واضحا من تصور أبي حامد الغزالي للسعادة القصوى وطرق بلوغها. إذ تحفظ على ادعاءات إدراك الجواهر الروحانية من خلال الخلوة واجتماع القوى المتخيلة، ويرى أن مثل هذه الإدراكات لا ترقى إلى مرتبة المعرفة العقلية اليقينية. ومن الواضح أن السعادة عنده مرتبطة أساسا بالفعل العقلي وإدراك المعقولات، وحتى وإن اشترك المتوحد مع الصوفي في صورة “الغريب” الذي ينشد السلامة والكمال بعيدا عن بيئة لا توفر شروط تحققه.
الببليوغرافيا
- ابن باجة، أبو بكر محمد بن يحيى بن الصائغ. تدبير المتوحد. تونس: سراس للنشر، 1994.
- الفارابي، أبو نصر. آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها.تحقيق: علي بو ملحم. بيروت:دار ومكتبة الهلال، 1995.
- فخري، ماجد. مختصر تاريخ الفلسفة العربية. بيروت: دار الشورى، 1981.
- Çaylak, Adem, and Cansu Kaya. “İsmet Özel ve Türk Tanımının Nevâbit Kavramı Bağlamında Analizi.” Dumlupınar Üniversitesi Sosyal Bilimler Dergisi, no. 82 (2024): 144-158.
- Nasr, Seyyed Hossein. Islamic Philosophy from Its Origin to the Present: Philosophy in the Land of Prophecy. Albany: State University of New York Press, 2006.
- Adamson, Peter. Philosophy in the Islamic World: A History of Philosophy Without Any Gaps, Volume 3. Oxford: Oxford University Press, 2016.


