من يوجّه دفّة الذكاء الاصطناعي عالميـّا؟
في يوليو 2026، تم تأسيس وتدشين المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي (WAICO)، وهي منظمة حكومية دولية مقرها الرئيسي في شنغهاي، الصين. اقترحت الحكومة الصينية إنشاء هذه المنظمة لأول مرة في يوليو 2025، ويُعدّ تأسيسها تنفيذًا مباشرًا لخطة عمل الصين لحوكمة الذكاء الاصطناعي العالمية، التي اقترحتها بكين في مؤتمر الذكاء الاصطناعي العالمي لعام 2025.
ولم يكن رد الولايات المتحدة الأمريكية على تأسيس وتدشين هذه المنظمة ترحيبيّا. بصورة عامة، تظهر الولايات المتحدة بأنها رافضة لأي إشراف دولي أو مخطط عالمي للسيطرة على تقنيات الذكاء الاصطناعي أو تنظيمها عبر منظومة عالمية ملزمة. لكن، رغم ذلك، وفي المناسبة الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة، أخذ موضوع الذكاء الاصطناعي قسطاً كبيرا من حديث حكومة الولايات المتحدة أمام تلك المنصة العالمية. وفي الجانب الآخر، ارتفعت وتيرة الظهور الإعلامي لمديري كبار الشركات الأمريكية المتحركة اليوم في جبهة الذكاء الاصطناعي، وحديثهم العام (للجمهور ولصانعي السياسات) بأهمية ضبط تطور الذكاء الاصطناعي؛ كما صحبت موجة الظهور الإعلامي تلك تحذيرات كبيرة حول خطورة الذكاء الاصطناعي وضرورة إبطاء تطويره. وبينما يبدو أن هناك انشغال حقيقي في كواليس صناعة القرار الأمريكي، بخصوص هذا الأمر، أسهمت الحملات الإعلامية لزعماء الأعمال في تعزيز المخاوف العامة (وهذه المخاوف لا تعود إلى تصريحات قادة الشركات وحدها، فهناك أيضا أصوات مستقلة، أو مستقيلة، عن شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية، أثارت في الجماهير مخاوف مماثلة).
في الجانب الآخر تبدو الصين وكأنها غير مكترثة للتخويفات الصادرة عن قادة الشركات الأمريكان هؤلاء، بل تبدو غير مهتمة إجمالا بما يجري في أمريكا من تطورات النقاشات حول الذكاء الاصطناعي، وتبدو ماضية في مسارها الذي اختطه -أي التخطيط والتنسيق الاستراتيجي على مستوى الصين كلها بين المشتغلين على الذكاء الاصطناعي (الشركات الصينية ومراكز البحوث والجامعات، إلخ) من ناحية، والعمل على إدارة دفة التوجه العالمي للذكاء الاصطناعي من ناحية أخرى عبر مبادرة المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي.
ومما تشير إليه القرائن بقوة أن الولايات المتحدة لا تعارض مبدأ الإشراف الدولي في حد ذاته، لكنها لا تقبل بأن يكون ذلك الإشراف بقيادة غيرها؛ وبالأخص: لا تقبل أن يكون ذلك الإشراف بقيادة الصين. كما يبدو أن الصراع الأساسي على هذا الأمر – أي الإشراف العالمي على حوكمة الذكاء الاصطناعي – حاليا محصور في منافسة بين هاتين القوتين، بينما لا تطمح أي جهة أخرى، في العالم، في منافستهما (لكن ربما تطمح بعض الجهات فقط -كأوروبا وكندا – في أن تحافظ على استقلالية نسبية لنفسها من هيمنة أي واحدة من القوتين هاتين).
لكن، رغم ذلك، فالقوتين العالميتين لم تغلقا باب التواصل بينهما تماما، وهذا مفهوم. في الزيارة الأخيرة لرئيس الصين للولايات المتحدة، أواخر سبتمبر 2026، أعلن البيت الأبيض أن واشنطن وبكين ستستحدثان “قناة اتصال” بينهما لمعالجة الحوادث المتعلقة بالذكاء الاصطناعي. كما أضاف البيت الأبيض أن الرئيسين “اتفقا”، خلال هذه الزيارة، على استخدام مصطلح “الذكاء الفائق” – الذي روّج له الرئيس الأمريكي مؤخرا – بدلًا من الذكاء الاصطناعي؛ ذلك فيما كان تعليق بكين أكثر تحفظا، إذ قالت وزارة الخارجية الصينية إن بيجين “تقدر استخدام واشنطن للمصطلح الجديد.”
وإجمالا فالوضع كالآتي: الصراع العالمي، الحالي، بين الصين والولايات المتحدة، حول من يحق له توجيه دفة حوكمة الذكاء الاصطناعي في العالم، هو جزء أساسي من الصراع بين الدولتين في سباق التفوق في الذكاء الاصطناعي. ذلك لأن حوكمة الذكاء الاصطناعي ستكون دفة أساسية في توجيه مسارات الذكاء الاصطناعي عالميا، ومن يمسك بتلك الدفة ستكون لديه قدرة تحكم أكبر في ديناميكيات انتشار وحصر وتفعيل نظم هذه التكنولوجيا عالميا.
التكنولوجيا كرافعة تفوق وسلطة
تُعد الصين اليوم الدولة الأكثر استقلالية من الناحية التكنولوجية في العالم بأسره؛ فهي تنتج عملياً كل شيء، بدءاً من أقلام الرصاص ووصولاً إلى الصواريخ الفضائية. هذا المستوى من الاستقلال التكنولوجي والصناعي لم تشهده دولة أخرى في التاريخ الحديث، ولا حتى الولايات المتحدة الأمريكية. ولا شك أننا نشهد حقبة فريدة في التاريخ الحديث، بسبب الصين وبسبب استحداثها لحالات متعددة هي “الأولى” في العالم، في التاريخ الحديث وكذلك، أحيانا، في التاريخ المدوّن كله.
مراجعة كتاب: الذكاء الاصطناعي وأبحاث الدماغ: الشبكات العصبية، والتعلم العميق، ومستقبل الإدراك
فعلى صعيد الذكاء الاصطناعي، تتفوق الصين عالمياً، إجمالا، في التطبيقات العملية لهذه التكنولوجيا، مثل مجال الروبوتات والآلات ذاتية التشغيل، وهو ما مكّنها من التفوق على العالم في ميادين حديثة جدا على التكنولوجيا البشرية، كأتمتة المصانع والموانئ بالكامل، وتطوير أنظمة لوجستية متقدمة مترابطة ودقيقة التنظيم، إلخ. ذلك في حين تحظى منصات الذكاء الاصطناعي الأمريكية بانتشار أوسع عالمياً في المجالات المتعلقة بالمهام البرمجية والخدمية، مثل وكلاء توليد النصوص والأكواد البرمجية والوسائط المتعددة، وخدمات برمجية أخرى. ثم هنالك مجالات تتقدم فيهما القوتان، ولها استعمالات واسعة، مثل مراكز البيانات (وهي نخاع الذكاء الاصطناعي) ومثل أجهزة الاستشعار (sensors) – وهي أيضا في غاية الأهمية لجملة التكنولوجيا الرقمية في العالم – وهي أجهزة صغيرة تكتشف التغيرات الفيزيائية أو الكهربائية أو الكيميائية وتحولها إلى إشارات كهربائية قابلة للقراءة (وتتراوح هذه الأجهزة من مكونات الأجهزة المنزلية والاستهلاكية المعتادة – مثل الهواتف والأجهزة اللوحية، والأجهزة المنزلية الذكية والأجهزة القابلة للارتداء، وحتى السيارات الحديثة – إلى الشبكات الصناعية الضخمة التي تدعم الأتمتة والصناعة المتقدمة – مثل مستشعرات درجة الحرارة ومستشعرات الضغط ومستشعرات الأجهزة فوق الصوتية والكهرومغناطيسية، وخلايا القوة والحمل، إلخ). ثم هنالك مجالات نعرف إجمالا مدى تقدم التكنولوجيا الأمريكية فيها لكن لا نعرف الكثير عن مدى تقدم التكنولوجيا الصينية فيها، لأن الصين تتعامل معها بسرية أكبر، مثل تكنولوجيا المراقبة (surveillance technology) والتي تشمل تضمين الذكاء الاصطناعي فيها لتحليل مادة المراقبة وتصنيف ما يتم مراقبته وتوجيه القرار بخصوصه؛ وبالطبع فهناك التكنولوجيا العسكرية، والتي يعرف عموم الناس عن قدرات واشنطن يها أكثر بكثير مما يعرفونه حقا عن قدرات بكين.
فوفق الصورة الكبيرة، تبدو الصين أكثر جدية في جعل الذكاء الاصطناعي جزءا لا يتجزأ من منظومة الصناعية والاقتصادية الضخمة (والصين حاليا تسمى “مصنع العالم”، حيث تتكفل وحدها بـ30ـ% من المخرجات الصناعية العالمية، بينما يبلغ إنتاج الولايات المتحدة حوالي نصف نسبة الصين فحسب).
علاوة على ذلك فإن الصين تخطط وتعمل ككتلة واحدة، إذ تشتغل شركاتها ومراكز البحوث والتطوير فيها، ومعاهد التدريب والجامعات التي تخرّج العمالة البشري الماهرة، في نسق عام تحت مظلة التخطيط الكلي للسلطة المركزية، وإذ لا يملك المليارديرات والشركات سلطة اتخاذ القرار هناك في القضايا التكنولوجية والاقتصادية الكبيرة التي تمس المجتمع الصيني ككل وامتداداته السياسية والأمنية؛ ذلك في حين تعاني الولايات المتحدة حالياً من منافسة داخلية على الحصص السوقية، بين شركات الذكاء الاصطناعي، لافتقار منظومتها إلى التخطيط الجماعي والسياسات المنسقة التي عند الصين. ولعل ذلك من أسباب محاولة الولايات المتحدة العودة لعهد السياسات الصناعية المركزية القوية، والتي هي محاولة يقول جملة من الخبراء الاقتصاديين إنها جاءت متأخرة ولن تستطيع إعادة أمريكا إلى مقدمة الصناعة العالمية بعد الآن.
في ظل هذا الواقع، تبدو القوتان في معركة توازن قوى صعب، بينما تبدو الصين إجمالا أكثر تركيزا وأقل تشرذما أو ترددا في توجهاتها. لكن تبقى هناك مسألة تغيّم على المشهد العالمي المتعلق بالذكاء الاصطناعي، وهي الصراع المحموم نحو بلوغ ما يسمى بالذكاء الاصطناعي العام (AGI)، وهو وصف عام (وافتراضي، حتى الآن) للذكاء الاصطناعي الذي يبلغ مرحلة من الشمول والربط بين شتى المعارف والقدرات المعاصرة بحيث يصبح إجمالا متفوقا على غيره في كل شيء يصبح قادرا على مضاهاة القدرات المعرفية البشرية أو تجاوزها في أي مهمة فكرية. على عكس الذكاء الاصطناعي الحالي المصمم لمهام محددة، يمكن لنظام الذكاء الاصطناعي العام أن يتعلم ويستنبط الحلول ويتكيف مع مواقف جديدة تماماً دون الحاجة إلى برمجة مخصصة لمهام بعينها. تقول الفرضية السائدة في الأجواء إن حالات التنافس المحموم واللصيق الحالية، بين مطوري الذكاء الاصطناعي في العالم، لا قيمة لها، إذ أن الذي يصل أولا لمرحلة الذكاء الاصطناعي العام سيجعل كل ما تم من تقدم سابق قليل الجدوى وغير قابل للمنافسة.
لكن تمضي الفرضية أكثر – كما قد تابع الجمهور العام – إذ يضيف لها كثيرون (ومنهم خبراء في مجال الذكاء الاصطناعي) أن قلة الجدوى هذه ستمتد لوصف البشر أنفسهم، سواء الذين نجحوا في الوصول إلى ذلك الاختراق أولا أو الذين لم ينجحوا؛ لا يهم، لأنه لو ظهر في حيّزنا الوجودي هذا ذكاء اصطناعي عام، بهذا المعنى، فذلك يعني تلقائيا أن البشر لم يعودوا هم الكائنات الأذكى (والأقوى) في العالم بعد ذلك، وذلك سيجعلهم أنفسهم غير قابلين على التنبؤ بما سيحدث لهم بعد ذلك أو بما سيتعلمه ويقرره ذلك الذكاء الاصطناعي العام.
في جملة هذه التفاصيل والتعقيدات، يبرز الذكاء الاصطناعي باعتباره موضوع الساعة، وباعتباره أخطر تكنولوجيا في نقاشات السلطة والمستقبل اليوم، لأن الحيازة على المزيد منه تبدو للكثير من المتابعين والمحللين أخطر من الحيازة على سلاح مثل القنبلة النووية خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
ما الذي تفعله الصين؟
تبقى الصين، وسط هذا الخضم، محط تساؤلات كبيرة حول العالم (وأحيانا داخل الصين نفسها) بخصوص مدى ما تقدر عليه وما لا تقدر عليه، وما يعنيه تفوقها التكنولوجي الحالي بالنسبة للعالم، وما قد يعنيه تفوقها المتصاعد في مضمار الذكاء الاصطناعي.
يضاهي حجم السوق الصينية المحلية وحدها حجم قارة بأكملها (أفريقيا)، وهو نطاق هائل، يفوق السوق المحلية الأمريكية بأربع مرات تقريبا؛ وهذه السوق مندمجة بقوة أيضاً في أسواق الدول الآسيوية والأوراسية المجاورة، علاوة على تمددها المستمر عالميا. بذلك فلدى الصناعة الصينية، بجميع منتجاتها – ومنها مخرجات الذكاء الاصطناعي – سوقا ضخمة جدا وقاعدة استهلاكية تفوق عمليا قاعدة الولايات المتحدة حاليا. والأمر المثير للاهتمام هو أن التطور السريع، التكنولوجي والصناعي، للصين، لم يكن ليتحقق بالاعتماد على السوق المحلية وحدها؛ فقد احتاجت الصين إلى الحفاظ على معدلات تصدير مرتفعة على مدى عقدين أو ثلاثة لدفع عجلة مسيرة الصين الاستثنائية في النمو الاقتصادي.
وبالطبع، شهدت السوق الاستهلاكية المحلية في الصين نمواً كبيراً منذ ذلك الحين (مع ظهور طبقة وسطى صينية ضخمة، يفوق حجمها وحدها إجمالي عدد سكان الولايات المتحدة كلهم)، مما يتيح للعديد من المصنعين الصينيين اليوم تحقيق عوائد مجزية وكافية لاستمرار الإنتاج حتى عند الاكتفاء بالسوق المحلية. والآن فالاقتصاد الصيني هو الأكبر عالميا وفي حساب تعادل القوة الشرائية (PPP) وهو الحساب الأهم بالنسبة لسعة السوق المحلية. لذلك فقد تغيرت الأمور في الصين منذ العقود الماضية؛ ومع ذلك، لا تزال الصين تمتلك قطاعاً تصديريا ضخما لا تلوح في الأفق أي بوادر لتباطئه، وهو ما يفسر استثمارها في “مبادرة الحزام والطريق” التي تزيد من ربط الاقتصاد الصيني بالسوق العالمية.
ويقرأ اهتمام الصين بتأسيس وتدشين المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي (WAICO) ضمن هذا السياق العام، فالصين لها توجه استراتيجي كبير ليس في التأثير على حوكمة الذكاء الاصطناعي عالميا فحسب، بل أيضا في ضمان أن لا تسيطر الولايات المتحدة على هذا المضمار – مضمار حوكمته – عالميا.
وما الذي تفعله الولايات المتحدة؟
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة متراجعة – مقارنة بماضيها – في جملة القطاعات التكنولوجية والصناعية ما عدا الذكاء الاصطناعي (وربما مجالات أخرى أكثر دقة وأصغر في حصتها الاقتصادية الحالية). لذلك ليس غريبا أن تبدو أمريكا أكثر رهانا على الذكاء الاصطناعي، وأكثر شراسة في دفع قطاعها فيها، إذ يبدو أنه رهانها الأخير، الذي يمكن أن يربح، في صراعها العالمي هذا.
والغريب في الأمر أن واشنطن تحديدا كانت تعلم، بصورة عامة، ومنذ 2012، أنها لن تكون القوة الاقتصادية والعسكرية العالمية الكبرى – أي الإمبراطورية العالمية والقطب الأوحد – مع حلول سنواتنا هذه. في ديسمبر 2012، أصدر مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي تقريره الأكثر إثارة للجدل “الاتجاهات العالمية 2030: عوالم بديلة”، والذي اعتمد على الاستقراء العلمي لعرض أهم التحولات العالمية المستقبلية. وتوقع التقرير أفول “لحظة القطب الواحد” بحلول عام 2030 عبر انتقالية “توزّع القوة”، وتراجع حصة أمريكا وأوروبا الاقتصادية لصالح آسيا، وهو ما أثبتته الدراسات والواقع لاحقاً. وحصَر التقرير مؤشرات نهاية القطبية الفردية في عوامل رئيسة، مثل انتقال الثقل الاقتصادي إلى آسيا وتجاوز الاقتصاد الصيني لنظيره الأمريكي قبل 2030، إضافة إلى العجز المالي والضغوط الداخلية في الشمال العالمي مما يقلل من قدرة واشنطن على لعب دور “شرطي العالم”، مع التأكيد على صعود الصين كأبرز المنافسين.
ورغم هذا التقرير القديم، إلا أن من المفهوم أن واشنطن لن تشعر بإمكانية التنازل بسهولة عن موقعها القديم، وستقاوم التغيير، وهو ما يبدو أنه يحصل الآن، لكن بدون أثر حاسم، على ما يبدو.
وبجانب هذه المشكلة التي تؤرق مضاجع نخب السلطة والثروة في الولايات المتحدة (ولا يبدو أنها تؤرق مضاجع جملة الشعب الأمريكي على أي حال، فهمومه جملة الشعب الأمريكي لا تبدو في إبقاء الهيمنة الأمريكية العالمية وإنما في أن تكون أوضاعهم وطموحاتهم المعيشية متناسبة مع كونهم يعيشون في دولة غنية وحرة فعلا)، إلا أن الوضع العام الذي يجعل كبار رجال الأعمال، ونخب الثروة، في الولايات المتحدة يتحكمون، لدرجة كبيرة، في مسار تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي حاليا (أو على الأقل في جانبه الأمريكي) وضع خطير وله تبعات على العالم كله. لذلك صارت الأصوات العالمية، في بقية العالم، تصرح أنه من غير المعقول جعل هذا المستوى الكبير من القرار، الذي يؤثر في جملة البشر، في أيدي أفراد قليلين لم يحصل لهم أي مستوى من التفويض كما أنهم غير مطالبين أصلا – على المستوى القانوني أو الهيكلي – بأن يراعوا مصالح الناس فوق مصالح مجموعة ضئيلة العدد من المستثمرين وأصحاب الأسهم. ومن اللافت للنظر أن هذا الوضع صار مقلقا حتى لأقرب حلفاء أمريكا المعتادين، مثل كندا والاتحاد الأوروبي، لدرجة أنهم اتخذوا ويتخذون خطوات جادة من أجل تحقيق مستوى من “الاستقلال التكنولوجي” و”استقلال البيانات”، عن الولايات المتحدة، في مجال التكنولوجيا الرقمية إجمالا (والتي صارت مساحة تمدد للذكاء الاصطناعي الأمريكي بالذات).
خلاصة: أهمية الحوكمة
الصراع على حوكمة الذكاء الاصطناعي، على المستوى العالمي، بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، وهما القوتين الكبيرتين في المضمار، حتى الآن، أحد مؤشرات أهمية حوكمة الذكاء الاصطناعي للحقبة القادمة من عمر البشرية على الكوكب.
يُعزز هذا الاستنتاج واقعٌ مادي صلب لما يسمى بالثورة الصناعية الرابعة (والتي يعدّ الذكاء الاصطناعي أهم مخرجاتها)، فالبيانات والخوارزميات التي تشكل عصب وهيكل الذكاء الاصطناعي تعتمد كلياً على بنية تحتية ملموسة تُدار بمراكز بيانات ضخمة، وكابلات بحرية، ومعادن نادرة للرقائق، وطاقة ومياه عذبة للتبريد، وقوى عاملة مؤهلة. لذا يُعدّ اختزال صراع الذكاء الاصطناعي في الفضاء السحابي (cloud space) والتمويل، فحسب، نظرة قاصرة ومجافية للواقع.
تتبلور المشكلة الحالية للذكاء الاصطناعي، على مستوى العالم، في عنصر القرار: من يقرر بشأن تحيزات الخوارزميات والبيانات التي تشكل إدراكه، ومن يقرر كيفية دمجه في المؤسسات البشرية والتحكم بأولوياته. وبناءً عليه، يبرز التحدي الكبير في حوكمة الذكاء الاصطناعي، وإعادة النظر في علاقات القوة والإنتاج التكنولوجية، بينما يُعدّ الطرح الفني المجرّد من هذه الأبعاد السياسية والإدارية نوعاً من تضليل الرأي العام عن الصورة الكبيرة.
وذلك مما يدعو لأن ينخرط جميع من في بقاع العالم في تداول جاد ومنظم، وفهم مدروس، في شأن حوكمة الذكاء الاصطناعي، باعتباره قضية عالمية – مثل التغير المناخي – وليس من شؤون القوى التكنولوجية الكبرى فحسب.


