تقرير | دمشق كنص عمراني

2 دقائق

في إطار سلسلة المحاضرات العلمية التي تنظمها حلقة عابرون تحت عنوان المدينة والتحولات الاجتماعية ، نُظِّمت، يوم السبت 15 يوليو 2026، محاضرة علمية بعنوان ” دمشق كنص عمراني”، قدّمها الباحث الدكتور بشار أحمد اللقيس، أستاذ علم الاجتماع السياسي، حيث تناول من خلالها التحولات التاريخية والعمرانية التي شهدتها مدينة دمشق، مقاربًا المدينة بوصفها نصًا عمرانيًا يكشف عن تداخل البنى المكانية مع التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية عبر مراحلها التاريخية المختلفة.
استهلّ الباحث محاضرته بالحديث عن العلاقة بين جبل لبنان وتشكّل المدينة في المشرق العربي، متناولًا أثر التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة مع دخول الحداثة، ولا سيما لحظة الحملة الفرنسية على مصر، التي اعتبرها نقطة مفصلية أحدثت تحولًا بنيويًا في المجال العربي، وأسهمت في إعادة تشكيل أنماط العمران والسلطة والإدارة في مدن المشرق.
وقسّم الباحث تطور دمشق إلى أربعة أطوار عمرانية رئيسية، تناول في كل منها السمات العمرانية والاجتماعية التي ميّزت المدينة.
في الطور العمراني الأول، الذي يسبق دخول الحداثة إلى سوريا، استند الباحث إلى عدد من المصادر التاريخية، من أبرزها مذكرات أحمد شهاب الدين البديري الحلاق، إلى جانب كتابات المستشرق فريدريك بول، لإعادة قراءة ملامح دمشق في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وهي المرحلة التي ارتبطت بحكم آل العظم. وأوضح أن هذه الفترة أسهمت في تشكيل الشخصية العمرانية الأولى للمدينة، مشيرًا إلى الروابط الثقافية التي جمعت دمشق وأصفهان، وإلى وصف المدينة باعتبارها مدينة محاطة بسور، تتكون من أحياء غير شعاعية، لا تظهر فيها فوارق مكانية حادة بين الفقراء والأغنياء، بما يعكس فضاءً حضريًا لم يكن خاضعًا لهيمنة سلطوية مباشرة، بل تشكلت داخله العلاقات الاجتماعية بصورة أكثر اندماجًا.
ثم انتقل إلى الطور العمراني الثاني، الذي حمل عنوان “حميميات باردة”، وربطه بمرحلة الاستعمار الفرنسي لدمشق، حيث تناول التحولات العميقة التي أحدثها الاستعمار في إعادة إنتاج الهوية البصرية للمدينة. وأوضح أن الإدارة الاستعمارية أعادت توظيف العمارة الإسلامية، ليس بوصفها تعبيرًا عن هوية دينية، وإنما بوصفها رمزًا تراثيًا يخدم مشروعًا سياسيًا وسلطويًا، فتحول التراث الإسلامي إلى تراث علماني يستخدم الأشكال المعمارية الإسلامية لأغراض إدارية ورمزية. كما ناقش أثر إعادة تخطيط المدينة، وشق الطرق، وتنظيم المجال الحضري في ضبط حركة السكان والأجساد داخل الفضاء العام، بما يعكس انتقال المدينة إلى نموذج حديث تتوسع فيه مسؤولية الدولة عن إدارة المجتمع وتنظيمه.
وفي الطور العمراني الثالث، تناول الباحث مرحلة نشوء الدولة القومية، وما صاحبها من تحولات في علاقة الدولة بالمجال الحضري، حيث أصبحت المدينة إحدى الأدوات الرئيسة لترسيخ الهوية الوطنية وإدارة المجال العام، من خلال السياسات العمرانية والتخطيط الحضري الحديث.
أما الطور العمراني الرابع، فقد خصصه الباحث لتحليل مرحلة الرأسمالية الرثة، موضحًا انعكاساتها على المشهد العمراني لدمشق، وما نتج عنها من تشوهات بصرية، وتوسع عمراني غير منظم، وتراجع في الانسجام المعماري، بما يعكس تأثير التحولات الاقتصادية والسياسية المعاصرة في إنتاج الفضاء الحضري.
واختُتمت الحلقة بنقاش علمي تناول أهمية قراءة المدينة العربية بوصفها نصًا عمرانيًا، بما يتيح فهم التحولات التاريخية والاجتماعية والسياسية التي شهدتها، ويؤكد أهمية توظيف المقاربات السوسيولوجية والتاريخية والأنثروبولوجية في دراسة المدن العربية وتحليل علاقتها بالسلطة والهوية والحداثة.

كاتب

المقال التالي

تقرير  | جدلية إنتاج وتكوين الفضاء الحضري في المدينة الخليجية المعاصرة

تقرير | جدلية إنتاج وتكوين الفضاء الحضري في المدينة الخليجية المعاصرة

Scroll to Top